أمريكا بين عقلية القرية ومنهجية المدينة
- Publish date :
Wednesday - am 11:04 | 2026-08-26
Alanbatnews -
د. حازم قشوع
ليست القرية والمدينة هنا مكانين، وإنما منهجان في التفكير ونموذجان في إدارة الاختلاف؛ فالقرية، في صورتها المغلقة، تجسد ثقافة الأحادية التي تقوم على مرجعية واحدة ولا تقبل الآخر المختلف، بينما تمثل المدينة فضاءً للتعددية والمواطنة والعيش المشترك، حيث يصبح الاختلاف جزءاً من بنية المجتمع لا سبباً لإلغائه. وقد علمتنا التجارب أن النماذج التي تبني استقرارها على أحادية الفكرة، مهما امتلكت من قوة، تنتهي إلى التآكل؛ لأن المجتمع الذي لا يتسع للاختلاف يعجز عن إنتاج المستقبل. ولعل التحولات التي تشهدها أميركا اليوم تقدم نموذجاً معاصراً لهذه النقلة، من ثقافة القرية الإثنية إلى ثقافة المدينة المواطنة، بما يمكن أن ينعكس ليس فقط على الداخل الأميركي، وإنما على أدوات السياسة الخارجية وموازينها، وصولاً إلى الشرق الأوسط الذي قد يكون أمام انتقال تدريجي من هندسة القوة إلى هندسة السلام.
فما يحدث في أميركا اليوم لا يمكن قراءته باعتباره مجرد صعود لتيار تقدمي داخل الحزب الديمقراطي، أو مجرد سلسلة من الانتصارات الانتخابية المتفرقة، وإنما باعتباره تحولاً في طبيعة المجتمع السياسي الأميركي نفسه؛ انتقالاً يمكن وصفه بأنه من «أميركا القرية الإثنية» إلى «أميركا مدينة المواطنة».
فأميركا القرية كانت تنظر إلى العالم من خلال هويتها وأصلها وتحالفاتها التقليدية، وتتعامل مع السياسة الخارجية باعتبارها امتداداً لمراكز القوة والنفوذ داخلها. أما أميركا المدينة، فهي أميركا الأكثر تعددية، التي تتشكل من مواطنين مختلفين في أصولهم وثقافاتهم، لكنهم يلتقون عند مفهوم المواطنة والمصلحة المشتركة.
وهنا تكمن أهمية صعود أسماء مثل زهران ممداني وعبدول السعيد وعائشة وهاب، ومن يقف خلفهم من التيار التقدمي، في عدد من المدن والولايات الأميركية. فالمسألة ليست في أصول هؤلاء المرشحين بقدر ما هي في تحول القاعدة التي تنتخبهم؛ إذ أصبح الناخب أكثر اهتماماً بتكاليف المعيشة والصحة والعدالة الاجتماعية، وأقل استعداداً لقبول السياسة الخارجية بوصفها ملفاً منفصلاً عن مصالحه اليومية.
وهذا التحول لا يعني بالضرورة انتصار التيار الاشتراكي بمعناه الأيديولوجي، بقدر ما يعني أن الوسط السياسي الأميركي نفسه أخذ يتغير، وأن قضايا كانت توصف بالأمس بأنها يسارية أصبحت اليوم جزءاً من النقاش الانتخابي العام ..ومن هنا فإن التحول الأميركي لا يطال السياسة الداخلية وحدها، وإنما يعيد تشكيل أدوات السياسة الخارجية. فإذا كانت أميركا السابقة تستخدم القوة والنفوذ والتحالفات الصلبة لفرض رؤيتها، فإن أميركا الجديدة قد تكون أكثر ميلاً إلى التوازن والتفاوض والشراكات السياسية؛ لأن المجتمع الذي يصنع القرار أصبح أكثر تعددية وأقل قابلية للانخراط في حروب مفتوحة أو حلول تفرض بالقوة.
وهذا التحول ستكون له انعكاساته على إسرائيل أيضاً؛ فكما تتغير القاعدة السياسية الأميركية، قد تتغير البيئة السياسية الإسرائيلية، خصوصاً إذا تزامن ذلك مع تراجع قدرة اليمين المتشدد على تشكيل أغلبية مستقرة. وعندها قد نشهد انتقالاً تدريجياً من «سياسة الحلول بالقوة» إلى «سياسة الحلول السياسية»؛ ليس لأن القوة فقدت حضورها، وإنما لأن قدرتها على إنتاج الاستقرار بدأت تتراجع، ولأن كلفة استمرارها أصبحت أكبر من قدرتها على تحقيق أهدافها...واسقاطا على ذلك فإن الانتخابات الإسرائيلية المقبلة قد لا تكون مجرد انتخابات لتغيير حكومة أو إبقائها، وإنما اختباراً لنهاية مرحلة سياسية كاملة؛ مرحلة اعتقدت أن الأمن يمكن أن يتحقق بالقوة، وأن الأرض يمكن أن تدار بالضم، وأن الصراع يمكن تأجيل حله إلى ما لا نهاية.
وفي المقابل، فإن صعود أميركا الجديدة قد يدفع واشنطن إلى إعادة تعريف أدواتها في الشرق الأوسط؛ فلا تعود إسرائيل الأداة الوحيدة لتنفيذ الرؤية الأميركية، ولا يصبح دعم طرف واحد بديلاً عن صناعة التوازن الإقليمي، خصوصاً مع اتساع النقاش داخل المجتمع الأميركي حول القضية الفلسطينية
وحل الدولتين....وهنا تبرز أهمية الموقف الذي يقف عليه الملك عبدالله الثاني منذ سنوات؛ فالأردن لم يتعامل مع القضية الفلسطينية باعتبارها أزمة عابرة، ولا مع السلام باعتباره تسوية سياسية مؤقتة، وإنما باعتبارهما قضية أجيال وبياناً تاريخياً للحل السلمي الذي تحفظه الأجيال وتصونه.
فالملك يقف عند جوهر الفكرة التي تقول إن الأمن لا يمكن أن يُبنى على القوة وحدها، وإن السلام لا يصنعه إخضاع طرف لطرف، وإنما بإقامة حل سياسي عادل يحفظ حقوق الشعب الفلسطيني ويضمن الأمن للجميع، في إطار حل الدولتين والقانون الدولي وقرارات الأمم المتحدة وهو ما يلتقي التحول الأميركي، بصورة غير مباشرة، مع الرؤية الأردنية التي حملها الملك إلى مختلف العواصم؛ وهي أن زمن فرض الحلول بالقوة يجب أن ينتهي، وأن زمن صناعة الحلول السياسية قد حان.
وهذا ما يجعل الأردن، بقيادة الملك عبدالله الثاني، في موقع متقدم من هذا التحول؛ لأنه لم ينتظر تغير المزاج الأميركي أو تبدل موازين الانتخابات الإسرائيلية حتى يعلن موقفه، بل حافظ على خط سياسي واضح يقوم على السلام وحل الدولتين ورفض الضم والتهجير، باعتبارها ثوابت لا تتغير بتغير الحكومات.
وبذلك فإن أميركا مدينة المواطنة التي بدأت تعيد النظر في أدوات سياستها الخارجية، وإسرائيل التي قد تجد نفسها أمام إعادة تشكيل لمعادلتها السياسية الداخلية، تلتقيان مع رؤية أردنية سبقت هذا التحول، حين وضعت الحل السلمي في مكانه الطبيعي؛ ليس كتنازل، وإنما كطريق يحفظ المستقبل.
وهنا تصبح رسالة الملك عبدالله الثاني أبعد من السياسة اليومية؛ إنها رسالة تحفظها الأجيال وتصونها، لأن السلام الذي يصنعه الاعتراف بالحقوق يبقى، أما السلام الذي يُفرض بالقوة فلا يملك شروط البقاء.
ولذلك فإن «ميغا» قد لا تخسر فقط أمام خصومها الانتخابيين، وإنما أمام أميركا الجديدة التي لم تعد ترى عظمتها في قدرتها على فرض إرادتها على الآخرين، بل في قدرتها على إدارة الاختلاف داخلها ومع العالم من حولها...فحين تتغير أميركا، تتغير أدواتها، وحين تتغير الأدوات، تتغير موازين الحلفاء والخصوم؛ وقد يكون الشرق الأوسط أمام لحظة انتقال من هندسة القوة إلى هندسة السلام، ومن حلول تفرضها القوة إلى شراكات تصنعها السياسة.