Authors

عماد سعد يكتب: المهندس الأخضر...

{clean_title}
Alanbatnews -
المهندس الأخضر...

بقلم المهندس عماد سعد
خبير الاستدامة والمسؤولية المجتمعية والتغير المناخي، رئيس شبكة بيئة ابوظبي

اعتدنا أن نقيس نجاح المهندس بقدرته على بناء جسر أطول، أو مصنع أكبر، أو طريق أسرع، أو منظومة أكثر كفاءة. لكن تحديات القرن الحادي والعشرين تفرض سؤالاً مختلفاً: هل يكفي أن ينجح المشروع هندسياً واقتصادياً إذا كان يستهلك الموارد ويزيد الانبعاثات ويترك للأجيال القادمة كلفة بيئية واجتماعية مرتفعة؟

من هنا يظهر مفهوم "المهندس الأخضر"؛ ليس بوصفه تخصصاً هندسياً جديداً، بل نموذجاً جديداً للمهندس الذي يدمج الاستدامة في طريقة التفكير واتخاذ القرار والتصميم والتنفيذ.

فالمهندس الأخضر لا يسأل فقط: كيف أبني؟ بل يسأل أيضاً: ما كمية الطاقة والمياه والمواد التي سيستهلكها المشروع؟ وما بصمته الكربونية؟ وهل يمكن إطالة عمره وإعادة استخدام مواده؟ وكيف سيواجه ارتفاع درجات الحرارة وندرة المياه والظواهر المناخية المتطرفة؟

وتزداد أهمية هذا التحول في العالم العربي، حيث تتقاطع تحديات النمو السكاني والتوسع الحضري مع ندرة المياه وارتفاع الحرارة والحاجة إلى الطاقة والغذاء والبنية التحتية. ولذلك فإن القرارات الهندسية التي نتخذها اليوم ستحدد، إلى حد كبير، شكل مدننا واقتصاداتنا واستهلاكنا للموارد لعقود مقبلة.


نحن إذاً لا نحتاج فقط إلى المزيد من المهندسين، بل إلى جيل جديد يمتلك عقلية مختلفة؛ يجمع بين الكفاءة الهندسية والفهم البيئي، وبين التكنولوجيا والمسؤولية المجتمعية، ويعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي والبيانات والطاقة المتجددة والاقتصاد الدائري لصناعة حلول أكثر كفاءة ومرونة.

وهذا يتطلب أن تتغير كليات الهندسة أيضاً. فالاستدامة لا ينبغي أن تبقى مادة اختيارية أو مفهوماً جانبياً، بل يجب أن تدخل في صميم التعليم الهندسي، من التصميم واختيار المواد إلى إدارة المشروعات وتقييم دورة الحياة والمخاطر المناخية.
لقد كان المهندس عبر التاريخ شريكاً أساسياً في بناء الحضارة. واليوم تتسع مسؤوليته: من بناء المنشآت إلى بناء القدرة على الاستمرار.

فمهندس المستقبل لن يُقاس نجاحه فقط بما أنجزه، بل أيضاً بكمية الموارد التي حافظ عليها، والانبعاثات التي تجنبها، والمرونة التي أضافها، والأثر الإيجابي الذي تركه للإنسان والمكان.