الكرك جرحُنا جميعًا… والأردن عصيٌّ على الفتنة
- Publish date :
Friday - pm 07:27 | 2026-10-23
Alanbatnews -
الكرك جرحُنا جميعًا… والأردن عصيٌّ على الفتنة
في بلدة حمود بالكرك، أصاب الإرهاب قلب الأردن كلّه، حين استهدف ثلاثة مسلحين متطرفين مشيّعي جنازة في كنيسة القديس جاورجيوس، فارتقى سبعة شهداء وأُصيب أربعة وثلاثون آخرون. كان الناس يؤدّون واجب الوفاء لراحلةٍ ومواساة أهلها، وقد جمع الحزن مسلمين ومسيحيين، كما تجمعهم الحياة في هذا الوطن، فإذا برصاص الغدر يضاعف الفقد ويترك في البيوت الأردنية وجعًا نتقاسمه جميعًا.
وإننا ندين بأشد عبارات الإدانة والاستنكار هذه الجريمة الإرهابية الجبانة، التي انتهكت حرمة الحياة وقدسية دور العبادة، واقتحمت على المفجوعين حزنهم. فلا دعوى تبرّر إزهاق روحٍ بريئة، ولا ذريعة تُخفّف بشاعة الاعتداء على الآمنين. ويستوجب الفكر التكفيري، بما يبثّه من كراهيةٍ ويستبيحه من دماء، مواجهةً حازمةً بالقانون والوعي والتربية، تحمي الإنسان وتصون حقّه في الحياة والعبادة والأمان.
لقد بنى الأردنيون أخوّتهم عبر أجيالٍ من العيش المشترك، وتقاسموا مسؤولية بناء وطنهم والدفاع عنه، واجتمعوا على محبته والوفاء له. وفي تفاصيل حياتهم تتجلى متانة هذه الصلة؛ في جارٍ يسند جاره، وفرحٍ تتقاسمه البيوت، وعزاءٍ يتقدّم فيه واجب المواساة على كل اعتبار. ومن هذه الشراكة الأصيلة استمدّ الأردن مكانته نموذجًا للتآخي والتآلف، واستمدّ نسيجه الوطني قدرته على الصمود أمام المحن.
ولهذا، فإن جرح بلدة حمود يمتدّ إلى كل بيتٍ أردني، ووجع الكرك يسري في وجدان الوطن، من شماله إلى جنوبه، ومن شرقه إلى غربه. وما عبّر عنه الأردنيون من غضبٍ واستنكارٍ وتضامن يؤكد أن الاعتداء على أيٍّ من أبنائهم يمسّهم جميعًا، وأن حرمة الكنيسة وأمن أهلها مسؤوليةٌ وطنيةٌ مشتركة، يصونها القانون ويؤازرها وعي المجتمع وأخوّته. وستبقى هذه الأخوّة أرسخ من محاولات العبث بها، وأقوى من كل سعيٍ إلى بثّ الفرقة بين أهلها.
وفي فزعة أبناء الكرك إلى المستشفيات للتبرع بالدم للمصابين، تجلّى معنى الانتماء في أصدق صوره. ولم تقف الفزعة عند المتبرعين؛ فقد هبّ أطباء من خارج كوادر مستشفيات الكرك، ووضعوا خبراتهم وجهودهم تحت تصرّف الكوادر الطبية، استعدادًا لمؤازرة زملائهم متى دعت الحاجة. وهناك، تلاقت نخوة الناس مع شرف المهنة؛ مواطنٌ يبذل من دمه، وطبيبٌ يهب علمه ووقته، وكلاهما يسابق الزمن لإنقاذ حياة. تلك هي الكرك بأصالة أهلها ونخوتهم، وتلك هي الأخوّة حين تصبح فعلًا وعطاءً؛ وكلُّ قطرة دمٍ تُبذل، وكلُّ يدٍ تمتدّ بالمساعدة، تشهد بأن ما يجمع الأردنيين متجذّرٌ في قلوبهم، حاضرٌ في شدائدهم، وعصيٌّ على رصاص الغدر.
ونحيّي الاستجابة الأمنية السريعة، وجهود كوادر الأمن العام والدفاع المدني والفرق الطبية في التعامل مع الفاجعة وإغاثة المصابين. وثقتنا راسخة بمديرية الأمن العام وأجهزتنا الأمنية، وبخبرتها وكفاءتها في تعقّب المجرمين وإلقاء القبض عليهم في أسرع وقت، وتقديمهم إلى العدالة لينالوا جزاءهم وفق القانون. ويسند هذه الجهودَ تماسكُ الأردنيين ووعيهم، وحرصُهم على أمن وطنهم وصون سكينته.
وجاء حضور جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين إلى الكرك، وزيارته المصابين في مستشفيات الكرك للاطمئنان على صحتهم، وتعازيه لذوي الشهداء، ليجسّد قرب القيادة من أهلها في ساعة الألم. ولهذا الحضور أثره العميق في نفوسٍ أثقلتها الفاجعة؛ إذ يخفّف عن الأسر وطأة المصاب، ويؤكد أن أبناء هذا الوطن يحظون بالرعاية والاهتمام، وأن كرامتهم وأمنهم في صميم مسؤولية الدولة وقيادتها.
وسيظلّ الأردن، الذي واجه الإرهاب بثبات دولته ويقظة أجهزته ووعي شعبه، عصيًّا على من يسعى إلى تقويض أمنه أو النيل من تلاحم أبنائه. ومسؤوليتنا أن نصون هذه المناعة الوطنية في كلماتنا ومواقفنا، وأن نواجه خطاب الكراهية بما يليق بقيمنا، وأن نترجم تضامننا مع الأسر المفجوعة إلى قربٍ ومساندةٍ ووفاء. فثمة بيوتٌ ستحتاج إلى من يؤنس وحشتها بعد انقضاء أيام العزاء، ومصابون سترافقهم آثار المحنة، وأخوّةٌ يزداد معناها بما نبذله لأهلنا حين يطول بهم الوجع.
وللوطن وذوي الشهداء أحرُّ التعازي وأصدق المواساة؛ نسأل الله أن يتغمد شهداء هذا الاعتداء بواسع رحمته، وأن يربط على قلوب أهلهم ويلهمهم الصبر والسلوان، وأن يمنّ على المصابين بشفاءٍ عاجلٍ تام، ويعيدهم إلى أسرهم سالمين معافين.
اللهم احفظ الأردن وأهله، واحفظ جلالة الملك وولي عهده اللامين والاسره الهاشمية الكريمه ، وأعن رجال أمننا وقواتنا المسلحة على أداء أمانتهم، وأدم علينا نعمة الأمن والأخوّة، واجعل هذا الوطن عزيزًا متماسكًا، عصيًّا على الإرهاب والفتنة، عامرًا بالمحبة والسلام.
اللواء المتقاعد محمد بني فارس