Authors

غرينلاند تكشف الطاولة السياسية

{clean_title}
Alanbatnews -
د. حازم قشوع

  حين تصبح غرينلاند في صدارة الحسابات الأمريكية والأوروبية، فإننا لا نكون أمام جزيرة تقع في أقصى الشمال فحسب، وإنما أمام نموذج يمكن من خلاله قراءة ملامح النظام الدولي القادم. فالمسألة لم تعد تتعلق بمن يملك الأرض فقط، وإنما بمن يحميها، ومن يدير أمنها، ومن يمتلك أدوات التأثير فيها، وكيف ترتبط وظائفها الاقتصادية والأمنية بالمنظومات الدولية. فالدنمارك وغرينلاند تؤكدان بقاء السيادة، بينما أعلن ترامب أن الاتفاق يمنح الولايات المتحدة سيطرة دائمة على أمن الجزيرة، وهنا تظهر المسافة بين السيادة القانونية وبين وظائف السيادة في الواقع.

وهذا هو التحول الأهم الذى بدات تتضح معالمه فالدولة قد تحتفظ بحدودها وكيانها القانوني، بينما تنتقل وظيفة الحماية الأمنية والعسكرية إلى منظومة أوسع، ويبقى لها هامش في إدارة اقتصادها وشؤونها الداخلية، في ظل ارتباط متزايد بالتحالفات والترتيبات الدولية. وبذلك لا تختفي السيادة، وإنما يعاد توزيع وظائفها، فتظل الدولة صاحبة السيادة قانونياً، 
بينما تصبح الحماية والأمن والدفاع والنفوذ الاقتصادي والاستراتيجي موزعة بدرجات مختلفة بين الدولة والمنظومات المحيطة بها. وعند ربط هذه المعادلة بالمنظومة الأممية القائمة، يصبح السؤال عن النظام الجديد سؤالاً عن شكل
 الدولة ووظائفها، لا عن حدودها وحدها.

ومن هنا تصبح غرينلاند نموذجاً قابلاً للإسقاط على النظام القادم "وقد" تبقى الحدود السياسية كما هي، بينما تتغير وظائفها، ويبقى الوطن قائم بنموذجه قانونياً، فيما تتغير 
دوائر أمنه ومصادر حمايته ومجالات حركته الاقتصادية والاستراتيجية. وقد لا يكون التغيير المقبل في الخرائط بقدر ما يكون في الوظائف التي تتحرك داخلها الدول. وهذا يعني
 أن النفوذ يمكن أن ينتقل من السيطرة المباشرة على الأرض إلى التحكم في الأمن والممرات والطاقة والاقتصاد والتحالفات، فتتغير طبيعة السيادة قبل أن تتغير خريطة الدولة.

وهذه المعادلة تظهر في الجغرافيا الدولية الأوسع؛ فغرينلاند في الشمال، وأوكرانيا في الشرق، وهرمز وباب المندب في الجنوب، ليست جبهة واحدة، لكنها نقاط تتقاطع فيها إعادة توزيع القوة والنفوذ. وفي هذا السياق يجري تضييق مجال النفوذ الروسي جغرافياً واستراتيجياً، وإعادة ترتيب الأمن الأوروبي، بينما تتحرك الولايات المتحدة نحو لقاء ترامب وشي في واشنطن في الرابع والعشرين من أيلول، في ظل ملفات تتصل بالتجارة والطاقة والتكنولوجيا والأمن.

وهنا تتضح فكرة «هندسة الطاولة السياسية» التى تخذتها عنوانا لكتابي الجديد فالميدان يرسم، والجغرافيا تمنح الأوراق، والممرات تصنع عناصر الضغط، والتحالفات تحدد مواقع الجلوس، ثم تأتي الطاولة لتحول هذه المعطيات إلى ترتيبات سياسية. ولذلك فإن غرينلاند ليست مجرد ورقة أمريكية، وإنما نموذج لكيفية صناعة الطاولة نفسها، وكيف يمكن أن يعاد توزيع وظائف الدولة دون أن تتغير بالضرورة حدودها القانونية.

ومع انعقاد المناقشة العامة للجمعية العامة للأمم المتحدة من 22 إلى 26 أيلول، وفي 28 أيلول أيضاً، تدخل هذه التحولات في المشهد الأممي الأوسع. وإذا جرى تثبيت ترتيبات غرينلاند وتقديمها في هذا الإطار، فإن ترامب يستطيع أن يعرضها باعتبارها نتيجة لتحرك أمريكي أعاد ترتيب موقع الولايات المتحدة في القطب الشمالي، وهو ما يمكن قراءته سياسياً كـ«انتصار ضمني»، دون أن يعني ذلك انتقال السيادة القانونية من الدنمارك إلى الولايات المتحدة بشكل مرسوم وان كان معلوم فى الاتفاق والمضمون .

أما إسقاط هذا النموذج على المنطقة، فهو الأهم؛ لأن النظام القادم قد لا يبدأ بتغيير الحدود، وإنما بتغيير وظائفها. وقد تبقى حدود الوطن كما هي، بينما تتغير دوائر الأمن والاقتصاد والنفوذ، وقد تبقى الدولة بمؤسساتها ورمزيتها، بينما تتوزع بعض وظائفها داخل منظومات إقليمية ودولية أوسع. وهنا تدخل الديموغرافيا في صلب المعادلة، لأن حركة السكان ومراكز الاستقرار والطاقة والمياه والممرات التجارية يمكن أن تعيد تشكيل المجال السياسي، فتتغير وظيفة الحدود قبل أن يتغير شكلها، وتتغير نماذج الأنظمة وتشكيلاتها قبل أن تتغير أسماؤها.

وفي قلب هذه المعادلة يأتي الأردن، بحكم موقعه بين فلسطين وسوريا والعراق ودول الخليج، واتصاله بالممرات البرية والسياسية للمنطقة، ليكون جزءاً من بيئة إقليمية تتغير فيها وظائف الأمن والاقتصاد والنفوذ. ولذلك فإن أهمية الأردن في المرحلة القادمة لا تقاس بحدوده وحدها، وإنما بوظيفته داخل شبكة الإقليم وموقعه في هندسة أمنه واستقراره وامن المنطقة واستقرارها وهذا ما قد يضيف اليه دورا مركزا على الطاولة السياسية بشكلها وتشكيلاتها .

غرينلاند، بهذا المعنى، ليست قضية أمريكية أوروبية فحسب، وإنما مختبر لفهم النظام القادم؛ نظام قد لا يلغي الدولة ولا يسقط سيادتها القانونية، لكنه يعيد توزيع وظائفها ومصادر قوتها ودوائر أمنها. ومن هنا فإن الطاولة التي بدأت تتشكل
 لا تعيد توزيع المقاعد فقط، وإنما ترسم محددات جديدة للمجتمعات والجغرافيا والديموغرافيا والأنظمة. فالحروب ترسم، والجغرافيا تمنح الأوراق، والممرات تضغط، والسيادة تعيد تعريف وظائفها، ثم تأتي الطاولة لتقرر شكل النظام الجديد.

ولهذا فإن توقيت غرينلاند يصبح أكثر أهمية مع انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك خلال هذه الأيام، حيث تنعقد أعمال أسبوع رفيع المستوى للدورة الحادية والثمانين في الفترة من الثامن عشر إلى الثامن والعشرين من أيلول. وإذا جرى تثبيت الاتفاق وتقديمه في هذا الإطار، فإن خطاب ترامب المقبل يمكن أن يحمل معنى انتصار سياسي ضمني من زاوية طريقة تقديمه للاتفاق، من خلال عرضه باعتباره نتيجة لتحرك أمريكي أعاد ترتيب إحدى أهم القضايا الاستراتيجية في القطب الشمالي، وليس باعتباره انتقالاً للسيادة من الدنمارك إلى الولايات المتحدة، وهو أمر تؤكده المواقف الدنماركية والغرينلاندية المعلنة.

أما في الشرق الأوسط، فإن انعكاس هذه الهندسة يبدو أكثر مباشرة على العرب ومركز قضيتهم كما على هرمز وباب المندب وهم يشكلان مفصلين أساسيين في أمن الطاقة والتجارة والملاحة وهو المدخل الذى سيدخل امريكا للسيطرة الامنيه عليهما  لاسيما وقد أعادت التطورات الأخيرة في اليمن التأكيد على الحساسية الاستراتيجية لباب المندب، في وقت يبقى فيه هرمز أحد أهم الممرات الحيوية للطاقة. وما يجري في هذه الممرات لا ينفصل عن الصراع على النفوذ الدولي، لأن القدرة على حماية طرق الطاقة والتجارة وتأمينها أو التأثير في حركتها تمثل ورقة مؤثرة في تحديد شكل المرحلة المقبلة. ومن هنا يصبح الشرق الأوسط جزءاً من الطاولة الدولية،
 وليس ساحة منفصلة عنها.

وهنا يبرز السؤال الأوسع الذى يمكن الاجابه عليه بشكل ضمني  إلى أي مدى سينعكس هذا النظام الدولي الجديد على أنظمة المنطقة وجغرافيتها السياسية؟ فالمتغير المقبل لا يتعلق فقط بإعادة توزيع مناطق النفوذ، وإنما قد يمتد إلى مفهوم الدولة ذاته، وإلى حدود الوطن كما تُعرف جغرافياً وديموغرافياً، وإلى طبيعة تشكيلات الأنظمة والنماذج السياسية التي ستنشأ مع التحولات الجديدة. فالجغرافيا السياسية لا تتغير بمعزل عن الديموغرافيا، كما أن حركة السكان لا تنفصل عن إعادة تشكيل المجال السياسي، وهو ما يجعل المرحلة المقبلة أمام خرائط جديدة للدولة والمجتمع ومراكز النفوذ. وكما يصبح البحث في مستقبل المنطقة بحثاً في كيفية انتقال تأثير النظام الدولي الجديد من مستوى العلاقات بين القوى الكبرى إلى مستوى الدولة والمجتمع والجغرافيا والديموغرافيا.

ومن هنا تأتي أهمية «هندسة الطاولة السياسية» بوصفها قراءة لما يجري على الطاولة وما يمكن أن ينتج عنها، فالمسألة لا تتعلق فقط بمن يجلس وأين يجلس، وإنما بما ستنتجه الطاولة من محددات للمجتمعات وملامح للأنظمة القادمة. فالمحددات الجديدة لا ترسمها الحدود السياسية وحدها، وإنما يشارك في صياغتها توزيع السكان، ومسارات الحركة، ومصادر الطاقة، والممرات الاستراتيجية، ومراكز القوة، وطبيعة العلاقة بين الدولة ومجتمعها ومحيطها. وهذه ستكون مدار بحث في عناوين «هندسة الطاولة السياسية»، لأن الطاولة التي بدأت تتشكل اليوم لا تعيد توزيع المقاعد فقط، وإنما بدأت ترسم ملامح مجتمعات وهياكل أنظمة قادمة.

غرينلاند اليوم ليست مجرد قضية أمريكية أوروبية كونت جسرا لبيان مصالحة وتوثيق عقدة ربط مركزية ، كما أن أوكرانيا ليست مجرد حرب روسية أوكرانية إنما فضاء لتمكين نفوذ ، وهرمز وباب المندب ليسا مجرد ممرات بحرية؛ وإنما هي نقاط مختلفة على خريطة واحدة تتغير فيها موازين النفوذ. وفي هذه الخريطة يجري تضييق مجال النفوذ الروسي، وإعادة ترتيب الأمن الأوروبي، وتوسيع المجال الأمريكي في القطب الشمالي، بينما تتحرك واشنطن نحو طاولة تفاوض أوسع مع الصين، ويعاد في الشرق الأوسط تشكيل موازين الأمن والطاقة والممرات وفق منظومة امنيه مهيمنه وبين هذه المستويات جميعها تتشكل معالم نظام دولي لا تزال تفاصيله قيد التكوين، لكن أدواته بدأت تظهر في الجغرافيا والميدان والممرات وترسم حتى تشكل الطاولات السياسية.

وهكذا تصبح غرينلاند أمريكية على الطاولة السياسية كما 
باتت فنزويلا من قبل وربما كندا بقادم الايام وفق هذا الميزان ، لا لأن غرينلاند أصبحت أمريكية بالسيادة، وإنما لأنها أصبحت ورقة أمريكية مؤثرة في هندسة الموازين لكن للنموذج الذى تقدمه وتقف عليه. فالحروب ترسم، والجغرافيا تتحرك، والممرات تضغط، والنفوذ يعيد توزيع المقاعد، ثم تأتي الطاولة لتقرر كيف يتحول كل ذلك إلى نظام جديد.

ومن هنا فإن السؤال العربي لا يتعلق فقط بما يجري في غرينلاند، وإنما بما يعنيه العالم العربي من مكانه فى ظل المناخات الضاغطه على الخليج قبل اللقاء مع الرئيس ترامب مع دول مجلس التعاون وعلى المنظومه العربية وهى تقف أمام مرحلة يعاد فيها رسم وظائف الجغرافيا وتوزيع القوة. فهل سيستكين النظام العربي ومنظومته لهذا التحول، أم سينفض غبار التباينات ويعيد ترسيم بوصلة الاتجاه  ويستعيد ذاته، ويقول بصوت عالٍ: أنا بلد الحضارة، أنا عنوان القيم والمبادئ ..أنا أرض مهد الرسالات والأديان، أنا العربي، حيث تتشكل الفواصل وتكتب النقاط ويبين منطوق الحروف، أنا العربي الذى انطلفت منه مهد الحضارات، أنا الذات الإنسانية، أنا هنا موحد خلف رسالتي وإرثي وهويتي، أنا العربي، أنا الضاد من التضاد حيث يرسم توازن الميزان ويعد ..انا العربي الذى لن يستكين حتى يتم إعادة تشكيل شكل الطاولة من مستطيله امنية الى مستديره سياسية .