في ذكرى المولد النبوي الشريف لم يستوصوا بالمطلقات وأطفالهن خيرًا يا رسول الله
- Publish date :
Tuesday - pm 02:22 | 2026-08-25
Alanbatnews -
بقلم: د. أڤين الكردي
في ذكرى المولد النبوي الشريف، تمتلئ القلوب بمحبة رسول الله ﷺ، وتحضر سيرته بما حملته من رحمة وعدل وصيانة لكرامة الإنسان. وفي هذه المناسبة، تطرق الذاكرة وصية واضحة لا تحتمل الانتقاء: «استوصوا بالنساء خيرًا». وصية لم يقل فيها النبي «الزوجات» فقط، ولم يضع للمطلقة هامشًا خارج الرحمة؛ فالمرأة لا تفقد كرامتها بانتهاء زواج، ولا يصبح عرضها مباحًا لأن تجربتها الزوجية فشلت أو انتهت.
المطلقة ليست خارج الوصية
لكن واقع الخطاب على منصات التواصل يكشف شيئًا مختلفًا. فما إن يُنشر خبر عن نفقة أو حضانة أو مشاهدة، حتى تبدأ محكمة شعبية مفتوحة لا تعرف ملف القضية ولا تسمع أطرافها. تُختصر حياة امرأة كاملة في عبارات جاهزة: "هي التي خرّبت بيتها"، أو "تطارد النفقة"، أو "تستخدم أبناءها"، أو "تتاجر بالمحاكم" ،أو "زانية" كونها تطلقت بدون رغبة الزوج ويتوجب عدم الزواج. وفي المقابل، يُعامل أطفالها أحيانًا كأنهم امتداد لخصومة والديهم، لا أفراد لهم كرامة وحقوق مستقلة.
لا نطالب بمنح المطلقة حصانة من النقد، ولا ندّعي أن كل مطلقة بلا خطأ؛ كما أن كل أب ليس ظالمًا. لكن نقد سلوك محدد، استنادًا إلى وقائع ثابتة، شيء؛ والقذف والتشهير والتعميم على فئة كاملة شيء آخر. العدالة لا تقوم على الصور النمطية، والكرامة لا تُسحب من امرأة لمجرد أن حالتها الاجتماعية تغيّرت.
حين يدفع الطفل ثمن خصومة الكبار
طفل المطلقة ليس عنوانًا فرعيًا في قصة الطلاق، ولا شاهدًا مطلوبًا منه الانحياز إلى أحد والديه. كل منشور يهين أمه، وكل تعليق يصفه بعبارات جارحة بسبب انفصال والديه، قد يصل إليه ويهزّ إحساسه بالأمان والانتماء. وتوضح اليونيسف أن الطبيعة العلنية والدائمة للمحتوى المؤذي عبر الإنترنت قد تضاعف الشعور بالخزي والعجز، وأن التنمر الإلكتروني يرتبط لدى اليافعين بارتفاع مشاعر القلق والاكتئاب والوحدة والعزلة.
وقال النبي ﷺ في الرحمة بالصغار: "مَن لا يَرحم لا يُرحم". ولا رحمة في أن يُستخدم الطفل رسولًا للتهديد، أو دليلًا في حرب السمعة، أو وسيلة لمعاقبة الطرف الآخر. كما لا أبوة في التشهير بالأم أمام طفلها، ولا أمومة في تحريض الطفل على أبيه. حماية الطفل تعني إخراجه من ميدان الصراع، حتى عندما تكون الخصومة بين الوالدين قاسية.
من يوقف هذا الأذى؟
البداية أن نسمّي الإساءة باسمها، وألا نجمّل القذف بعبارة "وجهة نظر". وعلى وسائل الإعلام والصفحات المؤثرة أن تتوقف عن استثمار الصور النمطية للمطلقة من أجل التفاعل، وأن تفرّق بين نقل قضية عامة وبين التحريض على فئة كاملة. كما تتحمل المنصات مسؤولية أسرع في مراجعة البلاغات المتعلقة بالتشهير والتنمر وخطاب الكراهية، وتتحمل المؤسسات الحقوقية والتربوية مسؤولية توعية النساء والأطفال بطرق التوثيق والإبلاغ وطلب الدعم النفسي والقانوني.
أما نحن، مستخدمي هذه المنصات، فلدينا اختبار أبسط: قبل أن نكتب تعليقًا على قضية طلاق لا نعرف تفاصيلها، علينا أن نسأل إن كنا نقبل أن تُقال الكلمات نفسها عن ابنتنا أو أختنا أو طفلنا. الصمت عن الإساءة المتكررة ليس حيادًا دائمًا؛ وقد يكون مشاركة غير مباشرة في تطبيعها.
يا رسول الله…
أوصيتَ بالنساء خيرًا، لكن كثيرين استثنوا المطلقة من الوصية، وكأن انتهاء الزواج أسقط عنها حقها في الاحترام. وأوصيتَ بالرحمة، لكن أطفالًا ما زالوا يدفعون ثمن خصومات لم يصنعوها.
وفي ذكرى مولدك، نعيد الوصية إلى معناها الواضح: المطلقة ليست مباحة العرض، وطفلها ليس امتدادًا لذنب متخيّل، والنفقة ليست منّة، والحضانة ليست سلاحًا، والصمت على التشهير ليس فضيلة. ومن أراد الاقتداء بنبي الرحمة، فليبدأ من لسانه، ومن هاتفه، ومن التعليق الذي يكتبه أو يختار ألّا يكتبه.
صلّى الله وسلّم عليك يا رسول الله؛ يا من جعلت الرحمة خُلُقًا، والعدل مسؤولية، وصون كرامة الإنسان عبادة.