Authors

قراءة تحليلية أمنية معمقة في المؤتمر الصحفي المشترك للجيش والأمن العام

{clean_title}
Alanbatnews -
الخبير الأمني والاستراتيجي د. بشير الدعجه.

في أوقات التوتر الإقليمي لا يكون الخبر الأمني مجرد معلومة عابرة… بل يصبح جزءاً من صورة أكبر تتعلق بكيفية إدارة الدولة للأزمة وكيف تطمئن مجتمعها في لحظات القلق.

ومن هنا جاء المؤتمر الصحفي الذي عقدته كل من القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي ومديرية الأمن العام ليقدم رواية واضحة ومباشرة عمّا جرى في سماء المملكة خلال الأيام الماضية… بعيداً عن التقديرات غير الدقيقة أو الأخبار المتداولة التي قد تثير القلق لدى الناس.

ما ميّز هذا المؤتمر أنه لم يُقدَّم بلغة عسكرية مغلقة أو خطاب رسمي جامد… بل جاء بلغة واضحة حاولت أن تشرح للمواطن ما يجري حوله… وأن تضعه في صورة التطورات الأمنية التي فرضتها الظروف الإقليمية الحالية. فالأردن يعيش في محيط إقليمي مضطرب… والصواريخ والطائرات المسيّرة التي تعبر سماء المنطقة لم تعد أحداثاً بعيدة عن الجغرافيا الأردنية… لذلك كان من الطبيعي أن تبادر المؤسسات العسكرية والأمنية إلى شرح ما حدث… وكيف تم التعامل معه… وما هي الإجراءات التي اتخذت لحماية المجال الجوي وضمان سلامة المواطنين.

فالقراءة المتأنية لما طُرح في هذا المؤتمر تكشف بوضوح أن الدولة الأردنية لا تدير الأزمة فقط من زاوية عسكرية أو أمنية ضيقة… بل تتعامل معها وفق منظومة متكاملة تجمع بين الجاهزية العملياتية… والإدارة الاحترافية للمعلومة… والتحصين النفسي للمجتمع… وإرسال رسائل ردع واضحة إلى الخارج.

أول ما يلفت الانتباه في هذا المؤتمر هو مستوى الشفافية المؤسسية في عرض البيانات والمعطيات… ففي كثير من الدول وخصوصاً في ظروف الحروب والتوترات العسكرية تميل المؤسسات الرسمية إلى التحفظ في نشر الأرقام أو تأجيل الإفصاح عنها… إلا أن ما قامت به المؤسستان العسكرية والأمنية في الأردن يعكس نهجاً مختلفاً يقوم على المصارحة المباشرة مع الرأي العام… وتقديم المعلومات الدقيقة دون مواربة أو تضخيم أو تقليل من حجم التهديد.
هذه الشفافية لم تكن مجرد تفصيل إعلامي… بل كانت رسالة استراتيجية بحد ذاتها… فعندما تعلن المؤسسة العسكرية بوضوح عن الكم الكبير من الصواريخ والطائرات المسيّرة التي تم التعامل معها وإسقاطها في سماء المملكة… فهي في الواقع تقدم للرأي العام صورة حقيقية عن طبيعة التهديدات التي تواجهها الدولة… وفي الوقت ذاته تعزز الثقة المجتمعية بقدرة المؤسسات العسكرية على حماية المجال الجوي والسيادة الوطنية.

ومن زاوية تحليلية لا تقل أهمية عن مضمون المؤتمر نفسه يبرز توقيت عقده… إذ جاء في لحظة إقليمية تتصاعد فيها التوترات العسكرية وتزداد فيها حركة الصواريخ والطائرات المسيّرة في سماء المنطقة… وهو توقيت يعكس إدراكاً مؤسسياً دقيقاً لأهمية إدارة المعلومة في الوقت المناسب… فالتأخر في تقديم الرواية الرسمية في مثل هذه الظروف يفتح المجال واسعاً أمام الشائعات والتفسيرات غير الدقيقة… لذلك فإن المبادرة بعقد مؤتمر صحفي وتقديم الأرقام والوقائع للرأي العام في هذا التوقيت تحديداً يمثل خطوة استباقية تهدف إلى ضبط السردية الإعلامية… وطمأنة المجتمع… وإظهار أن المؤسسات الأمنية والعسكرية تتابع التطورات لحظة بلحظة وتتعامل معها بقدر عالٍ من الجاهزية والسيطرة.

إن الحديث عن هذا الحجم الكبير من المسيرات والصواريخ التي تم اعتراضها أو إسقاطها يعكس حقيقة جيوسياسية لا يمكن تجاهلها… وهي أن الأردن يقع في قلب بيئة إقليمية مضطربة… وأن موقعه الجغرافي يجعله عرضة لتداعيات أي صراع عسكري يدور في محيطه… ومع ذلك فإن قدرة منظومات الدفاع الجوي الأردنية على التعامل مع هذه التهديدات بكفاءة عالية تكشف عن مستوى متقدم من الاحتراف العملياتي والجاهزية التكتيكية… والتكامل بين أنظمة الرصد المبكر ومنظومات الاعتراض الجوي.

ومن زاوية عسكرية بحتة فإن اعتراض هذا العدد الكبير من الأهداف الجوية المعادية أو غير المنضبطة يتطلب بنية دفاعية متكاملة تقوم على عدة طبقات من العمل العملياتي… تبدأ من الرصد والاستطلاع الاستخباري… مروراً بعمليات التتبع والتحليل اللحظي لمسارات الصواريخ والمسيرات… وصولاً إلى اتخاذ القرار التكتيكي المناسب لاعتراضها في الوقت والمكان المناسبين… وهذا النوع من العمليات لا يمكن أن ينجح إلا بوجود منظومة قيادة وسيطرة عالية الكفاءة تعمل وفق معايير دقيقة من التنسيق والسرعة في اتخاذ القرار.

لكن ما يميز النموذج الأردني في إدارة هذه الأزمة لا يتوقف عند حدود البعد العسكري… بل يتجاوزه إلى إدارة المشهد الأمني والمجتمعي والإعلامي بالتوازي مع العمليات الدفاعية… وهنا يبرز الدور المحوري الذي قامت به مديرية الأمن العام الأردنية في التعامل مع تداعيات سقوط الشظايا أو الأجسام الناتجة عن عمليات الاعتراض الجوي… حيث تم توضيح آليات التعامل مع البلاغات… والإجراءات الوقائية التي يجب على المواطنين الالتزام بها… إضافة إلى نشر رسائل توعوية تهدف إلى تقليل المخاطر المحتملة.

ومن المهم التوقف عند الرسائل التي أراد هذا المؤتمر إيصالها… فإلى جانب عرض الوقائع والأرقام كان واضحاً أن هناك مجموعة من الرسائل الاستراتيجية التي سعت المؤسسات الرسمية إلى تأكيدها.

أولى هذه الرسائل موجهة إلى الداخل الأردني… ومفادها أن الدولة تتابع ما يجري في الإقليم بدقة وأن مؤسساتها العسكرية والأمنية تعمل بدرجة عالية من الجاهزية لحماية المجال الجوي وضمان سلامة المواطنين.

أما الرسالة الثانية فهي رسالة طمأنة للمجتمع بأن ما يجري في سماء المنطقة لا يعني أن الأردن فقد السيطرة على مجاله الجوي… بل على العكس فإن منظومة الدفاع الجوي تراقب وتتعامل مع أي تهديد محتمل وفق قواعد اشتباك واضحة ومدروسة.

وفي المقابل يحمل المؤتمر رسالة ردع غير مباشرة إلى أي طرف قد يعتقد أن المجال الجوي الأردني يمكن أن يكون ممراً مفتوحاً أو ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية… فالمؤسسات العسكرية أكدت بشكل واضح أن سيادة الدولة ومجالها الجوي خط أحمر لا يمكن تجاوزه.

هذا التكامل بين المؤسستين العسكرية والأمنية يعكس فلسفة راسخة في إدارة الأزمات لدى الدولة الأردنية… تقوم على مبدأ توحيد الجهود المؤسسية ضمن إطار الأمن الوطني الشامل… بحيث لا يقتصر التعامل مع التهديدات على الجانب العسكري فحسب… بل يشمل أيضاً حماية المجتمع وإدارة التداعيات المدنية للأحداث.

ومن منظور استراتيجي أوسع يمكن القول إن المؤتمر حمل أيضاً بعداً يتعلق بالحرب النفسية وإدارة الإدراك العام… ففي زمن أصبحت فيه المعلومات سلاحاً موازياً للصواريخ والطائرات المسيّرة… فإن تقديم البيانات الدقيقة للرأي العام يمثل في حد ذاته عملية تحصين للمجتمع ضد الشائعات وحملات التضليل التي ترافق عادة الأزمات الإقليمية.

كما أن الإعلان عن نجاح القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي في إسقاط هذا العدد الكبير من المسيرات والصواريخ يبعث برسالة ردع واضحة مفادها أن المجال الجوي الأردني ليس منطقة رخوة أو فراغاً استراتيجياً يمكن اختراقه دون كلفة… بل هو مجال محمي بمنظومة دفاعية قادرة على التعامل مع التهديدات بكفاءة عالية.

وفي الوقت ذاته يحمل المؤتمر رسالة سياسية غير مباشرة إلى مختلف الأطراف الإقليمية مفادها أن الأردن رغم تمسكه بسياسة الاعتدال وعدم الانخراط في الصراعات الإقليمية… لن يسمح بأي حال من الأحوال بأن تتحول أراضيه أو أجواؤه إلى ساحة لتصفية الحسابات بين القوى المتصارعة.

وإذا أردنا تلخيص الدلالة الأعمق لهذا المؤتمر فيمكن القول إنه قدم نموذجاً واضحاً لكيفية إدارة الدولة الحديثة للأزمات المركبة… دولة تمتلك مؤسسات عسكرية وأمنية عالية الاحتراف… وتدرك أن حماية الأمن الوطني لا تتحقق فقط بالقوة العسكرية… بل أيضاً بالشفافية والثقة المجتمعية وإدارة المعلومة بحكمة ومسؤولية.

إن ما جرى في هذا المؤتمر يؤكد أن الأردن لا يكتفي بالدفاع عن حدوده وسيادته… بل يدير أيضاً معركة أكثر تعقيداً تتعلق بحماية الاستقرار الداخلي وتعزيز ثقة المجتمع بمؤسساته في زمن إقليمي بالغ الاضطراب… وفي عالم تتداخل فيه الحروب التقليدية مع الحروب المعلوماتية والنفسية… فإن هذا المستوى من الشفافية والاحتراف في عرض الوقائع يمثل بحد ذاته أحد أهم أدوات القوة والاستقرار للدولة الأردنية.