دراسة نقدية لرواية ( عندما تزهر البنادق ) ( دير ياسين ) للأديبة و الروائية الأردنية " بديعة النعيمي "

دراسة نقدية لرواية  عندما تزهر البنادق   دير ياسين  للأديبة و الروائية الأردنية  بديعة النعيمي
الأنباط -


قراءة نقدية :
التفاعل بين ثلاثية الذاكرة و الهوية و الواقع المعيش في الذات الفلسطينية من منظور رواية " عندما تزهر البنادق " ( دير ياسين ) للروائية بديعة النعيمي .
 

صدرت رواية " عندما تزهر البنادق ( دير ياسين ) " للأديبة الروائية " بديعة النعيمي ، عن دار فضاءات للنشر و التوزيع ، بالمملكة الأردنية الشقيقة . رصدت الروائية ، فصول النكبة الفلسطينية ، عبر سيرورة زمنيّة ، تمتدّ من آذار 1920 / إلى عام 1958 م .
و بما أن العنوان في النص الأدبي ؛ الشعري أو النثري ، هو عتبته ، فإنّ الروائية بديعة النعيمي ، آثرت أن يكون عنوان هذه الرواية " عندما تزهر البنادق " ، عتبة زاخرة بروح الصمود و المقاومة . و مزجت فيه عنصرين متلازمين ، الحرية / البندقية ، و السلام / المقاومة المسلّحة . فالحرية تزهر بطلقات البنادق ، و البنادق ( المقاومة المسلحة ) هي الحارس الأمين للحريّة .

تضم الرواية أربعة أقسام أو أجزاء ، في سياق بيئة زمنيّة معلومة ، حصرتها الروائية بديعة النعيمي ، بين آذار 1920 م إلى غاية 1958 م . و هي ، لعمري ، رواية ترصد ، بلغة سردية و حواريّة أحداثا واقعيّة ، في فلسطين المغتصبة ، و بالخصوص ،( بلدة دير ياسين ) ، في فترتي الانتداب البريطاني ، و بداية الهجرة اليهودية / الصهيونية ، و التهجير ، و النزوح اللذان فرضا – بضم الفاء – على الشعب الفلسطيني . و ذلك من خلال رصد ليوميات عائلة الجدّ الحاج أسعد ، في صراعها اليومي المستميت عن وجودها ، و عن قريتها دير ياسين . و تحمل بطلة الرواية زينب لواء ذلك الصراع اليومي المرير . إلى أن تفقد ذاكرتها بفعل صدمة النكبة ، وسقوط قريتها دير ياسين و دمار و خراب الديوانية الكبيرة ( البيت الكبير للعائلة ) . ثم تبدأ بطلة الرواية زينب في استعادة ذاكرتها المفقودة ، و هي في المصح ، رويدا رويدا . " ناداها صوت خافت كأنّه قادم من مجرة أخرى .." ص 11 ، " تمكّنت أخيرا من تمييز كلمات جاءتها متقطّعة ..." ص 11 . و تبدأ معها أحداث الرواية ، لترسم لنا الكاتبة بديعة النعيمي ، صورة قاتمة ، بل شديدة السواد ، لمعاناة أهالي دير ياسين ، و ما تعرّضوا له من تهجير و قتل على الهويّة ، مارسته العصابات الصهيونية ، لكل الوسائل الجهنّميّة . لكن صمود أهل بلدة دير ياسين ، رمز البطولة و الشجاعة و النخوة و الإباء ، و إلى جانبها البلدات الفلسطينية الأخرى ، أحبط كل محاولات طمس الهويّة الفلسطينية ، و محو ذاكرتها الوطنية الصلبة ( الجد أسعد ) ، و انبعاث الجيل الجديد المتمثّل في بطلة الرواية زينب ، و أعمامها ؛ أبناء الحاج أسعد ، من رماد النكبة و ركامها ، ليحيي ، ذلك الجيل ، روح المقاومة من جديد .انبعاث يشبه انبعاث العنقاء من الرماد . و في نهاية الرواية اكتشف بطلة الرواية زينب ، رفقة ناجي ، أنّهما أمام " خريطة لوطن مهشّم ، بدا لها و هو ينسحب إلى المجهول " ص 178 . كما وجدا نفسيهما ، فجأة ، " أمام بوابة مندلبوم يحدّقان بالقادمين " ص 179 . و عندها قالت : " هنا الحبر الأخضر و الأحمر بأن يمتزجا ، فكيف قبلنا بأن نمتزجا بهما ؟ ؟ " ص 179 . و هي إشارة و رمز لتقسيم مدينة القدس ، إلى جزء شرقيّ و آخر غربيّ . و استمرار ظاهرة الهجرة الصهيونية نحو مدينة القدس و إنشاء المستوطنات للعصابات أبناء صهيون . و صمت العرب و خنوعهم و استسلامهم أمام جرائم الاستيطان البغيض ، بل و إقدام الجبناء منهم على التطبيع من الكيان الصهيوني ، تحت ذريعة السلام و صفقة القرن المذلّة ، التي هي وعد بلفوريّ جديد ، و استمرار لقرار مؤتمر بيلتمور بالولايات المتّحدة الأمريكية عام 1942 م ، بتحوبل فلسطين إلى كومنولث يهودي ، و هي ريشة الإوزّة التي جمعت الهنود الحمر في محميات تشبه محميات الحيوانات ، عندما استولى الغزاة الأوربيين الدخلاء على أراضيهم ، و أبادوا أكثرهم . و هنا ، ، نجد الروائية ، قد وظّفت المنهج الإسقاطي في علم النفس . و منهج يعتمد على تقنية إسقاط الواقع المعيش على الحوادث و الوقائع التاريخية ، من خلال تصور الذات في الحدث ، أو الواقعة التاريخية .

تمر ّ على عائلة الحاج أسعد ، القاطنة بدير ياسين ، في صراعها مع نوائب الحياة ، أحداث جمّة و مختلفة . حزينة و مأساوية و سارة . لكنّ ، ما شغل الحاج أسعد ، و أهالي دير ياسين ، و قض مضاجعهم ، هو صراعهم اليومي مع الاحتلال البريطاني و التمدّد الصهيوني . الذي بدأ يبتلع الأراضي الفلسطينية و قراها الآمنة ، سواء بالطرق السياسية أو بالهجمات الإرهابية التي كانت تقودها عصابات الموت و التهجير و التصفية العرقية .

قال الأب أبو سالم لابنته زينب " لا تخافي يا زينب ، فلن نترك الدار التي مازالت تحن إلى رائحتنا ... و سنقعد لهم بالمرصاد " ص 33 " سنسمعهم وقع خطانا العائدة ، و صوت قرقعة مفاتيحنا " ص 33 .
إنّ كفاح الشعوب ، بكل الوسائل المادية و المعنوية ، من أجل استرجاع حريتها و كرامتها و عزتها و أرضها و شرفها ، لا يقاس بعدد السنين . و إنّما يقاس بمقياس الإيمان بالقضية و روح الصمود و الصبر و قوة العزيمة أو ضعفها .
لقد استمر الاحتلال الفرنسي للجزائر قرنا و ثلثا من الظلام و القهر ، حتى ظنّت فرنسا أنّ الأمر قد استتبّ لها إلى الأبد . و اعتقد بعض الخانعين و العملاء ( الحركى ) ، أن الوجود الفرنسي في الجزائر قضاء و قدر . و قال بعض الأهالي الجبناء ، أنّ رفع السلاح في وجه فرنسا خروج عن نواميس الكون و إرادة الله . ( فالله هو الذي أتى بفرنسا ، و هو الذي ، إن شاء ، أخرجها ) . لكنّ لعلعة الرصاص و صرير البنادق في فاتح نوفمبر 1954 م ، كان الجواب ، و( قطعت جهيزة قول كل خطيب) . فالحق لا يضيع بالتقادم ، مادام من ورائه طالب لا يسأم و لا يتواكل .
و الشعب الفلسطيني مطالب ، بل مجبر على استلهام آيات النضال و معاني الجهاد المقدّس من الشعب الجزائري ، و الشعوب المكافحة . فالنصر قادم لا محالة . ( فالشمس لم تخن الأرض ) ص 24 . تسأل زينب جدّها ( هل أخمّن إلام تنظر يا جدي ؟ ) ص26 ، تردف قائلة : ( الله أعلم ، يا جدي بأنّ نظرك وصل لتلك الصبّارات التي تتكيء على طول المنحدر ) ص24 .
أجل ، هو الإيمب على أرض مغتصبة بقوّة السلاح و النار ، تحت ذريعة السلام و التعايش السلمي ؟ هل يمكن أن يصبح اللص سيّدا ، و صاحب الأرض عبدا ذليلا ، بعقد أو صفقة لقيطة ؟
أمّا زينب ، (المريضة ) ، الفاقدة للذاكرة . فتبدو مصرّة على استرجاع ذاكرتها . و وجودها في المصحّة ، وجود ظرفيّ . و مرضها ، تفاقم نتيجة سوء علاجها من طبيبها السابق ، الذي كتب في إضبارة تقييما لحالتها المرضية ، مايلي : " تعيش المريضة في أوهام من صنع خيالها ، مضطربة ويزداد اضطرابها ليلا ، ثم ....نصف مجنونة " ص 61 . هذا التقييم من طبيبها السابق ، شكّل لديها عقدة مرضية و قهرية ، أجلت شفاءها. " و كانت قد تشكّلت لديها عقدة من طبيبها الذي كان قاسيا معها " ص61 . غير أنّ ناجي ، طبيبها الجديد ، لاحظ ، بعد قراءة إضبارة الطبيب السابق ، هزته حالتها ، و ردد بصوت منخفض : " ... هراء ....أغبياء " ص61 .
. فزينب ( عائدة ) في الرواية ، ترمز إلى فلسطين التي ضيعتها المؤتمرات العربية الفاشلة ، و قراراتها الجوفاء ، التي كانت عبارة عن حقن ، لتطييب الخواطر ، و تخفيف أوجاع الداء ( الاحتلال الصهيوني ) ، لا للقضاء عليه قضاء مبرما . أمّا الجامعة العربية ، التي هي صنيعة بريطانية ، فقد كانت مواقفها ، و ما زالت ، مترّهلة كترّهل قادتها . إنّ الطبيب السابق يرمز ، للجيل الذي مهّد و أنتج النكبة و النكسة معا . أمّا ناجي ، الطبيب الجديد ، فهو رمز لجيل الانتفاضة و المقاومة . الجيل الذي سيصحح أخطاء الجيل السابق . الذي أضاع فلسطين ، مثلما فعل الطبيب الجديد " ناجي ''. و الذي ، سيعيد لزينب وعيها ، " كل شيء رح يختلف من هذا اليوم يا عائدة " ص63 .
لغة السرد في رواية "عندما تزهر البنادق " لبديعة النعيمي :
تظهر لغة السرد و الحكاية عند الروائية بديعة النعيمي في روايتها " عندما تزهر البنادق " ، مراعية لقواعد النحو و الإملاء ، دالة على الفعل والحدث المقترن بحركيّة الزمن ، مع توظيف تقنيّة ( الفلاش باك ) ، أو عملية الاستحضار أو الاسترجاع أو الخطف خلفا في بداية الرواية " تذكّرت ذلك البركان ..الذي كان دائم الثوران بداخلها و الذي تجاوز قطره عمرا كاملا من الألم و الخيبات " ص 11 ، و تقنية مشهورة لدى كتاب القصة و الرواية و السيناريو ، هدفها ، تعزيز فكرة معيّنة ، أو إعطاء تلميحات لتذكّر أحداث مستقبلية ، أو خلق تشويق ، و خلق مزيد من العمق السردي ، و ذلك لفهم العلاقات و الدوافع الشخصية و منظورها . كما وظفت الروائية ، أيضا ، تقنية التسلسل التقليدي للأحداث في اتجاهها الطبيعي ، دون التفافات أو تعرجات من شأنها إرباك القاريء .
و روت الروائية الأحداث ، على ألسنة شخصياتها ؛ الرئيسة و الثانوية ، الجاهزة ( الجد الحاج أسعد ) و النامية ( زينب / عايدة ) ، من منظور سردي حيادي . و تبدو الكاتبة عليمة بالمشاعر الداخلية لشخصيات روايتها . و استطاعت سبر أغوارهم ، و إثراء الفضاء النصّي ، بالكثير من المعلومات التاريخية ، التي ارتبطت بزمان و مكان جريان مشاهد الأحداث الدرامية في الرواية .

و لم تغفل الروائية ، بديعة النعيمي ، جماليات اللغة السردية و الفنيّة . ممّا أضفى على الكثير من المقاطع في ثنايا النص ، تصويرا دقيقا و مجازيا للمعاني ، كالتشبيهات و الاستعارات و الكنايات . و اللغة السرديّة ، غالبا ، ما تكشف عن عبقرية الكاتب الروائي في وصف الأحداث و تفاصيلها . و هو وصف لا يقتصر على المظاهر الخارجية ، المرئية ، و إنّما تغوص في أعماق الأحداث ، و المشاعر الداخلية لشخصيات الرواية الرئيسة منها و الثانوية . النامية و الجاهزة على حدّ سواء ، كما وردت في وصف يوميات الجد الحاج أسعد و عائلته و أبناء دير ياسين في خدمة الأرض و الاعتناء بزيتونها الرامز للأصالة الفلسطينية الراسخة في أعماق الأرض كأشجار الزيتون و كروم العنب و التين ، و صبارات المنحدر الدالة على المقاومة و التحدّي و الديمومة و الصبر على المكاره ، و التمسّك بحق العودة إلى الوطن و استرجاع القدس ، عاصمة فلسطينية ، مقدّسة ، موحدة ، مستقلّة ، من خلال الاحتفاظ بمفاتيح البيوت المغتصبة " سنسمعهم وقع خطانا العائدة ، و صوت قرقعة مفاتيحنا " ص 33 . أجل ، فتذكير الأبناء و الأحفاد بحتمية العودة و قربها ، مسؤولية جيلي الآباء و الأجداد ، كي يضعوها " حلقة في آذانهم " ص 36 .
لغة الحوار في رواية " عندما تزهر البنادق " لبديعة النعيمي :
عادة ما تكون لغة الحوار في النص الروائي ، دالة على المكوّنات النفسيّة و السلوكية للشخصيات . كما تكشف للقاريء موقعها من سيرورة الأحداث و عن مستواها العقلي و المعرفي و العاطفي ، و عن علاقاتها الخارجية ، و عن أزمانها و اتجاهاتها و وعيها حول ما يدور حولها . و الحوار في الرواية ، يكسر رتابة السرد و يمسرحه ( المسرح ) إلى مشاهد تجذب المتلقّي . كما يعتبر الحوار في المتن الروائي سندا قويّا للبنية السردية إلى جانب تقنيات الوصف الخارجي و الداخلي لعوالم الشخصيات الروائية الفاعلة ، و استحضار اللغة و الحلم و الخيال و البيئة و العادات و التقاليد .
و لعل أهم إشكالية ، وجهت الكتاب و النقاد ، الحوار في النص الروائي ، بسبب ازدواجية توظيف اللغتين ، الفصحى و العامية أو اللغة الوسطى ، المازجة بينهما . و بالعودة إلى رواية " عندما تزهر البنادق " للروائية ، الأستاذة بديعة النعيمي . نلاحظ أنّها اعتمدت في إدراة حواراتها بين شخصيات روايتها ، بلغة محليّة بسيطة و سلسة و مفهومة و مشوقة ، تعبّرعن البيئة الشاميّة والفلسطينيّة المحليّة . و ترسم لوحة جميلة للمجتمع الفلسطيني / المقدسي . و قد كان أغلب حوارات الحاج أسعد و أبنائه و زينب و أمها و نسوة دير ياسين ، باللغة المحليّة . منها على سبيل المثال ، لا الحصر ، حين تسأل زينب جدها قائلة : " طيب يا سيدي احكيلي هم الصبارات ما يستوحشوا و هم جالسات هناك لحالهم ؟ " ص 27 ، فيجيبها : " بس تكبري بتعرفي الجواب لحالك " ص27 . " شوفيك يا سيدي ؟ " ص 43 . و أيضا في حوار نسوة بيت أبي أسعد و زينب : " هذا بيسمّوه انتداب " ص 25 . و حوار أسعد مع أم سالم : " شوفي يا أم سالم هالحب زي الذهب " ص 35 ، " ها لزيتونات ولادات مثل نسوان فلسطين " ص35 . و حديث الطبيب ناجي مع زينب ( عائدة ) " كل شي رح يختلف من هذا اليوم يا عائدة " ص63 . " جهزي حالك عائدة ،الزيارة القادمة بدنا نتمشى بالحديقة ، شو رأيك يا صديقتي ؟ " ص 63 . و حين تتكلّم شخصيات رواية " حين تزهر البنادق " للروائية بديعة النعيمي ، بلغتها الخاصة ، فهي تترجم لنا ، كقرّاء و نقّاد رؤيتها للأحداث ، و تعبّر عن انفعالاتها و تاريخها . و من خلال الحوار ، المبني و المنتج ، و الذي جرى باللغة اليومية المحكية ( اللغة العاميّة ) ، بين الجد الحاج أسعد و حفيدته زينب ، و بين زينب و والدها و أمّها و أعمامها ، و خاصة عمّها أيّوب و نساء أعمامها ، تظهر لنا سمات كل شخصية و مميّزاتها ، و وجودها و تفاعلاتها و دواخلها و طموحاتها و حواسها المختلفة . في الرواية ، إلى جانب اللغة المحكية ، التي تمارسها الشخصيات في ثنايا النص ، هناك لغة فصيحة ، راقية ، خلقت عوالم شاعرية ، و موحية ، و مجازية . كشفت للقاريء المتمعّن عن مدى امتلاك الروائية بديعة النعيمي لرصيد لغويّ فعّال ، عبّرت عن مدى قدرتها على تسخير قاموسها اللغويّ لرسم معالم شخصياتها نفسيّا و سلوكيّا . فلغة الحوار داخل العمل الأدبي ، كما هو متعارف عليه بين النقّاد ، تشكّل نقطة إيضاح أو نظريّة تتحكم في البنية السردية للنص ، و تحدّد البيئة ، و نوعية ثقافة الأبطال و الشخصيات المميّزة داخل العمل الأدبي الواحد . ,

استطاعت الكاتبة الروائية ، بديعة النعيمي ، أن توظف عنصر الحوار ، بذكاء و رشاقة ، و جعله وعاء ناقلا لمجموعة من المفاهيم و الأحاسيس و الطموحات . " ما بك يا صديقتي ، و بم تفكّرين ؟ ص 88 " ، " هناك يا دكتور حلمنا ، و هناك توسدنا جميع أحلام الغد من غير أن نعلم شيئا عن ذلك الغد و كيف سيكون ؟ "ص 88 . " أخبرني كيف سيرقص عمّي رقصته الصوفية عندما يعود ؟ ص 115 .
و لغة الحوار، في رواية الروائية بديعة النعيمي ، أغلبها لغة إنشائية ، إيحائية ، مستفزّة للذاكرة ، مقاومة للنسيان ، محكيّة ، محليّة ، لكنّها ليست منغلقة على ذاتها . أي ، تنطلق من ذاتها ، لتصبّ في ذاتها . هي لغة شامية وسطى ، و محلّقة في آفاق القومية و العالمية . و لا أتصوّر قارئا عربيّا يقف عاجزا أو حائرا في فكّ شفرات معانيها المباشرة و المجازية .
هذا الحوار ، أعطى للرواية صراعا دراميا ، و تواصلا بين الأزمنة الثلاثة ؛ الماضي ، الذي خزنته ذاكرة الجد الحاج أسعد و الديوانية ، و الحاضر الذي يحياه الأبناء و الأحفاد في مخيّمات النزوح و اللجوء ، و المستقبل ، الذي تهفو إليه زينب ، و هو الخلاص من المغتصب الصهيوني . وهو صراع نابع من الواقع المعيش ، و هو عالم مأساوي ، و من أعماق الذاكرة ، و لا يشعر بمرارته إلا من طالته مظالم الاحتلال الصهيوني البشع .
و في الحوار الذي دار بين شخصيات الرواية ؛ بين زينب و جدّها الحاج أسعد ، و بينها و بين الطبيب ناجي ، و بينها و بين عمّها أيوب . يبدو إصرار زينب على معرفة الحقيقة . ما سرّ ضياع فلسطين ؟ و من المسؤول عن ضياعها ؟ و لماذا خذلها العرب ( الأعراب ) و تقاعسوا عن نصرتها ، في حين ساهم الغرب ، شرقه و غربه ، بشتى طوائفه الدينية و إيديولوجياته و مذاهبه الاجتماعية و السياسية ، في قيام كيان صهيونيّ غاشم ؟
يمكننا ، و بكل يقين ، تصنيف رواية " عندما تزهر البنادق " للروائية اللامعة ، بديعة النعيمي ، ضمن أدب المقاومة . يقول محمود درويش ، مقدما لقصيدته ، مديح الظل ، أن عظمة الثورة الفلسطينية ، أنّها ليست بندقية ، فلو كانت بندقية فقط ، لكانت قاطعة طريق ، و لكنّها لفظ شاعر و ريشة فنان و قلم كاتب و مبضع جرّاح و إبرة لفتاة تخيط قميص فدائييها و زوجها .
و أعتبر رواية " عندما تزهر البنادق " للروائية بديعة النعيمي ، إضافة جادة لرفوف الرواية العربية المعاصرة ، و إثراء مميّزا للمكتبة الأردنيّة و العربية . أتمنى أن يلتفت إليها القراء و النقاد .
بقلم : الكاتب الروائي : علي فضيل العربي
سيدي عكاشة / الجزائر / في 21 / 02 / 2021
تابعو الأنباط على google news
 
جميع الحقوق محفوظة لصحيفة الأنباط © 2010 - 2021
لا مانع من الاقتباس وإعادة النشر شريطة ذكر المصدر ( الأنباط )