من صفقة الديزل إلى طاولة فلسطين

د. حازم قشوع

لا يمكن قراءة التحولات الجارية في الشرق الأوسط من زاوية المواجهات العسكرية وحدها، فالمشهد يتجاوز حركة الجيوش إلى إعادة تشكيل المصالح، ويتجاوز صراع الممرات إلى هندسة التوازنات التي ستحدد صورة النظام الإقليمي المقبل. وفي هذا السياق، تأتي التفاهمات المتعلقة بالطاقة بين القوى الكبرى، بالتزامن مع تمسك الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان باستمرار المفاوضات مع واشنطن، لتطرح سؤالاً يتصل بطبيعة العلاقة بين التناقضات المعلنة والتفاهمات التي تفرضها المصالح.

فحين تتقاطع مصالح القوى المتنافسة في الطاقة، لا تعود الخصومة السياسية مانعاً مطلقاً من إعادة فتح قنوات التعاون، وتصبح التسويات الاقتصادية وسيلة لإدارة التنافس لا لإنهائه بالضرورة. وهذه إحدى ملامح معادلة الفك والتركيب الحاصلة إذ يمكن للقوى الكبرى أن تتبادل المنافع في ملف، بينما تستمر في إدارة التناقضات في ملفات أخرى، بما يجعل قراءة المشهد من خلال التحالفات المعلنة وحدها قاصرة عن فهم حركة المصالح الفعلية.

وإسقاطاً على ذلك، لا يمكن النظر إلى هرمز وباب المندب باعتبارهما ممرين بحريين فحسب، بل بوصفهما نقطتي ارتكاز في معادلة الأمن الاقتصادي والسياسي العالمي. فالأول يتصل بتدفقات الطاقة، والثاني يتحكم بجزء حيوي من حركة التجارة بين آسيا وأوروبا، وأي اضطراب فيهما ينعكس على كلفة النقل والتأمين وسلاسل الإمداد، ويمنح الأطراف القادرة على التأثير فيهما أوراق ضغط تتجاوز حدودها الجغرافية. وبذلك تتحول الممرات من مساحات عبور إلى أدوات في هندسة النفوذ.

وفي هذا الإطار، فإن الاعتقاد بأن الحوثيين يتحركون بقدرات محلية منفصلة عن محيطهم الإقليمي لا يكفي لتفسير طبيعة التأثير الذي يمارسونه في البحر الأحمر وباب المندب. فقراءة هذه القدرة تقتضي النظر في شبكات الإسناد والخبرات التقنية واللوجستية والعلاقات التي تربطهم بأطراف إقليمية، بما فيها الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران في العراق وسوريا، فضلاً عن الدعم الإيراني. كما أن ما يُثار بشأن اتصالات أو أشكال تعاون محتملة بين موسكو والحوثيين يستدعي التدقيق في طبيعة هذا التعاون وحدوده، والتمييز بين المؤشرات السياسية والأدلة التي تثبت وجود إسناد مادي أو تقني مباشر.

وتزداد أهمية هذا السؤال عند قراءة التحركات البحرية الدولية في خليج عدن قبالة السواحل اليمنية، حيث تتداخل حماية الملاحة مع مراقبة القدرات العسكرية وإدارة الرسائل الاستراتيجية. لكن وجود الفرقاطات الإسرائيلية لا يكشف وحده عن طبيعة التفاهمات بين القوى الكبرى، ولا يكفي لإثبات وجود تنسيق أمريكي روسي إسرائيلي في هذا الملف. إنما تكمن المسألة التحليلية في أن المجال البحري أصبح ساحة تتقاطع فيها المصالح، وقد تتباين فيها الأهداف بين الردع والاحتواء وحماية التجارة وإعادة توزيع أوراق الضغط.

وهنا تظهر المفارقة؛ فبينما تتقدم التفاهمات في قطاع الطاقة بين قوى متنافسة، تبقى الممرات البحرية عرضة للتوتر، وكأن النظام الدولي يفصل بين إدارة المصالح الاقتصادية وإدارة الصراعات الإقليمية، أو يوظف التداخل بينهما وفق مقتضيات كل مرحلة. وهذه القراءة لا تعني بالضرورة وجود اتفاق شامل بين تلك القوى، لكنها تفرض النظر إلى الوقائع ضمن شبكة المصالح المتقاطعة، لا ضمن سردية المواجهة المباشرة وحدها.
وفي قلب هذه المعادلة، تعود فلسطين إلى واجهة المشهد الدولي من بوابات سياسية وقانونية تتجاوز جغرافيا الصراع.

فبينما تنشغل المنطقة بهرمز وباب المندب وأمن الطاقة، تتجدد النقاشات الدولية حول الاعتراف بالدولة الفلسطينية، بالتزامن مع ما نُقل عن أفيغدور ليبرمان بشأن احتمال اعتراف الولايات المتحدة بدولة فلسطينية على خطوط الرابع من حزيران عام 1967. ومهما كانت حدود هذه التصريحات، فإنها تفتح مجالاً لقراءة موقع القضية الفلسطينية في مرحلة يعاد فيها ترتيب الحسابات الدولية، مع ضرورة التمييز بين التصريحات السياسية والقرارات الرسمية التي تترتب عليها آثار فعلية.

كما تتصل هذه التحولات بالاستحقاقات الانتخابية في الولايات المتحدة وإسرائيل؛ فالانتخابات النصفية الأمريكية قد تؤثر في العلاقة بين دونالد ترامب والكونغرس، فيما يمكن للانتخابات الإسرائيلية أن تعيد تشكيل التوازنات الحزبية والحكومية. غير أن قيمة هذه المتغيرات لا تقاس بتبدل الأشخاص وحده، وإنما بما قد تفرضه من مراجعة للسياسات، وبقدرتها على تحويل القضية الفلسطينية من ملف يخضع لإدارة الأزمات إلى قضية تستدعي تسوية سياسية واضحة.

وهنا تتحدد صلة فلسطين بمعادلة الفك والتركيب. فإذا كانت القوى الكبرى تستطيع إعادة تنظيم علاقاتها عندما تفرض الطاقة والتجارة مقتضيات التفاهم، فإن السؤال يصبح عن سبب تعذر نقل هذه المرونة إلى معالجة الصراع الفلسطيني الإسرائيلي. هل تكمن المشكلة في غياب أدوات التسوية، أم في أن إدارة الصراع ما زالت تمنح بعض الأطراف أوراق نفوذ لا ترغب في التخلي عنها؟ ذلك أن استمرار النزاع لا ينتج فراغاً سياسياً، بل يعيد توزيع الأدوار والضغوط، ويجعل من غياب الحل عاملاً مؤثراً في حسابات الإقليم.

إن إعادة تركيب الشرق الأوسط لا تجري على طاولة واحدة،
بل عبر طاولات متوازية تتصل بالطاقة والممرات والتحالفات والأمن والتسويات. وقد تتفاهم القوى في واحدة منها، وتتعارض في أخرى، فيما تبقى الدول الواقعة في قلب الإقليم أمام ضرورة حماية مصالحها ومنع تحول الجغرافيا إلى ساحة لتصفية الحسابات الدولية. وفي هذا السياق، تبرز أهمية الأردن بوصفه نقطة توازن في المشرق، بحكم موقعه وصلاته العربية ودوره في حماية الاستقرار، وبما يحمله من موقف ثابت تجاه القدس وحقوق الشعب الفلسطيني.

وفي المحصلة، ليست القضية الفلسطينية منفصلة عن معارك الممرات، كما أن صراعات الممرات لا تفسر وحدها مستقبل المنطقة. فالأولى تمثل جوهر أزمة الشرعية والاستقرار السياسي، والثانية تكشف أدوات الضغط التي تتنافس القوى على امتلاكها. وبينهما تتحرك معادلة الفك والتركيب، حيث تتبدل التحالفات وتُعاد صياغة المصالح، لكن الاختبار يبقى في ما إذا كانت هذه التحولات ستُستخدم لإدامة إدارة الأزمات، أم لفتح مسار سياسي ينهي الاحتلال ويؤسس لدولة فلسطينية مستقلة وعاصمتها القدس الشرقية.

ولعل المفارقة التي تختصر المشهد أن دونالد ترامب، الذي سعى إلى نيل جائزة نوبل للسلام، يرى الجائزة تذهب إلى شخصية أخرى، وهي القاضية الجنوب أفريقية نافي بيلاي، التي ارتبط اسمها بالدفاع عن حقوق الإنسان والقانون الدولي، وتولت رئاسة لجنة التحقيق الدولية التابعة للأمم المتحدة بشأن الأرض الفلسطينية المحتلة. وتكتسب هذه المفارقة دلالتها في سياق عودة فلسطين إلى واجهة النقاش الدولي، حيث يتجاوز السؤال حدود الجوائز والتكريم إلى طبيعة السلام الذي يسعى العالم إلى تحقيقه، وما إذا كان يقوم على موازين القوة والصفقات أم على العدالة والحقوق.

فالميدان قد يفرض الوقائع، والممرات قد تمنح أوراق الضغط، وصفقات الطاقة قد تكشف مرونة الخصوم، لكن طاولة فلسطين ستظل الاختبار الحقيقي لقدرة النظام الدولي على تحويل المصالح إلى تسوية عادلة تنهي الاحتلال وتؤسس لدولة فلسطينية مستقلة عاصمتها القدس الشرقية بوصايتها الهاشميه .