أزمات المنطقة تعيد رسم طريق الأردن نحو الطاقة النظيفة

بين أمن الطاقة وخفض الانبعاثات.. كيف تختبر اضطرابات المنطقة خيارات الأردن للعقد المقبل؟
الأنباط – ميناس بني ياسين
في المنطقة التي يمكن أن تتحول فيها خطوط إمداد الغاز خلال ساعات إلى ورقة في معادلة الحرب، لم يعد سؤال الطاقة في الأردن منفصلًا عن سؤال المناخ فالمصدر الذي ينقطع تحت ضغط الأزمة الإقليمية لا يترك خلفه فاتورة كهرباء أعلى فقط، وإنما يفتح سؤالًا آخر أكثر عمقًا: إلى أي مدى يستطيع الأردن أن يقلل أصلًا من تعرض اقتصاده وقطاعه الكهربائي للوقود الأحفوري، دون أن يدفع أمن التزود بالطاقة ثمنًا لذلك؟
في آذار الماضي وجدت المملكة نفسها أمام اختبار عملي بعدما أدت التطورات الإقليمية إلى اضطراب إمدادات الغاز الطبيعي المستخدم في توليد الكهرباء، لتلجأ شركة الكهرباء الوطنية إلى بدائل شملت الديزل والوقود الثقيل والغاز الطبيعي المسال وأعلنت وزارة الطاقة أن استبدال الغاز بالديزل رفع كلفة تشغيل الشركة بنحو 1.8 مليون دينار يوميًا، فيما أظهر تقرير لصندوق النقد الدولي أن كلفة الصدمة خلال آذار بلغت نحو 0.2% من الناتج المحلي الإجمالي.
لكن الأزمة لم تكن مجرد اختبار لقدرة الأردن على إبقاء الكهرباء متاحة؛ فقد كشفت في الوقت نفسه عن المفارقة التي تواجهها المملكة في طريقها نحو التحول المناخي: كلما ارتفعت مخاطر الوقود المستورد، ازدادت الحاجة إلى مصادر محلية ونظيفة، لكن كلما زادت حصة الطاقة المتجددة، ازدادت الحاجة إلى شبكة وتخزين قادرين على التعامل مع طبيعتها المتقطعة.

الأزمة الإقليمية تضع التحول المناخي أمام اختبار عملي
ولم يبدأ الأردن التفكير في التحول الطاقي بعد أزمة الغاز؛ فالبلاد بدأت قبلها تحديث استراتيجية قطاع الطاقة للأعوام 2025–2035، التي أقرها مجلس الوزراء في أيار الماضي، واضعة أمن التزود بالطاقة والتحول نحو مصادر نظيفة ومستدامة ضمن إطار واحد.
وتستهدف الاستراتيجية رفع مساهمة مصادر الطاقة المتجددة إلى 40% من خليط توليد الكهرباء بحلول 2035، إلى جانب التوسع في الغاز الطبيعي المحلي، وإدخال أنظمة تخزين البطاريات والتخزين المائي، ورفع كفاءة استخدام الطاقة، وخفض الفاقد الكهربائي إلى 8%. كما تستهدف الاستراتيجية بدء الإنتاج التجاري للهيدروجين الأخضر عام 2030 والوصول إلى 500 ألف طن سنويًا بحلول 2035.

عندما يصبح أمن الطاقة قضية مناخية
وفي الأمد القصير يمكن للوقود الأحفوري أن يوفر استجابة سريعة للحفاظ على استقرار منظومة الكهرباء عند تعطل مصدر آخر لكن اللجوء إلى الديزل والوقود الثقيل، إلى جانب ارتفاع كلفته يعني أيضًا زيادة الاعتماد على مصادر ذات انبعاثات أعلى.
وفي المقابل توفر الشمس والرياح للأردن فرصة لتوليد الكهرباء من مصادر محلية لا تعتمد على استيراد الوقود، وتساعد في تقليل الانبعاثات المرتبطة بقطاع الكهرباء، لكنها لا تعمل وفق الطلب؛ فالشمس تغيب، والرياح تتذبذب، بينما تستمر حاجة الشبكة إلى الكهرباء على مدار الساعة.
ولهذا لم يعد السؤال المناخي الأردني هو كم محطة طاقة شمسية يمكن بناءها؟ وإنما كيف يمكن تحويل الطاقة المتجددة إلى مصدر أكثر استقرارًا وقدرة على الحلول محل الوقود الأحفوري عندما يحتاجه النظام؟
وتعكس الوثيقة الوطنية للمساهمات المحددة مناخيًا NDC 3.0 هذا التحول بوضوح إذ تشير إلى أن الطاقة المتجددة أصبحت تمثل نحو 28.5% من توليد الكهرباء، لكن التوسع الإضافي يواجه قيود الشبكة وتذبذب الإنتاج، ولذلك تركز المرحلة المقبلة على دمج المصادر المتجددة داخل النظام من خلال التخزين على نطاق واسع، بما في ذلك البطاريات والتخزين المائي.
وهذا التطور مهم في قراءة مستقبل التحول المناخي في الأردن؛ فالمملكة لا تبدأ من الصفر في الطاقة النظيفة، وإنما تدخل مرحلة أكثر تعقيدًا: مرحلة جعل الطاقة النظيفة قابلة للاستخدام عندما تكون هناك حاجة فعلية إليها.

التخزين الحلقة التي تربط أمن الطاقة بالمناخ
وأكد خبراء طاقيون وبيئيون أن التخزين أصبح نقطة التقاء بين هدفين كانا يُناقشان في السابق بصورة منفصلة: تقليل التعرض لصدمات الوقود من جهة، وخفض الانبعاثات من جهة أخرى.
فكل ميغاواط إضافي من الطاقة الشمسية أو الرياح لا يحقق كامل قيمته المناخية إذا لم تكن الشبكة قادرة على استيعابه، وإذا اضطر النظام عند غياب الشمس أو الرياح إلى العودة سريعًا إلى وقود أحفوري أكثر كلفة أو أعلى انبعاثًا.
ومن هنا فإن الاستثمار في البطاريات والتخزين المائي وتحديث الشبكة لا يمثل مجرد تطوير تقني لقطاع الكهرباء؛ بل يصبح جزءًا من قدرة الأردن على استبدال الوقود الأحفوري تدريجيًا بمصادر منخفضة الانبعاثات دون المساس باستقرار الكهرباء.
وهذا ما يفسر تركيز وزارة الطاقة على مرونة الشبكة إلى جانب زيادة مشاريع الطاقة المتجددة، إذ أوضحت الوزارة أن الهدف هو مواجهة تذبذب إنتاج الطاقة الشمسية والرياح، وتحسين إدارة الأحمال ودمج مصادر الطاقة المتجددة بكفاءة داخل المنظومة.
وأوضح الخبراء أن هذا لا يعني التخلي عن الغاز فالاستراتيجية الأردنية الجديدة لا تقوم على استبدال الوقود الأحفوري بالطاقة المتجددة دفعة واحدة، وإنما على مزيج يضم مصادر محلية متعددة، بينها الغاز الطبيعي من حقل الريشة.
وتستهدف المملكة رفع إنتاج الحقل إلى 418 مليون قدم مكعب يوميًا بحلول 2029، و812 مليون قدم مكعب يوميًا بحلول 2035، مع ربطه بخط الغاز العربي.
وهنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية في المعادلة المناخية الأردنية: الغاز المحلي قد يقلل مخاطر الاعتماد على إمدادات خارجية متأثرة بالأزمات، لكنه لا يمثل بديلًا مناخيًا كاملًا عن الطاقة المتجددة.
وبالتالي فإن السؤال ليس ما إذا كان الأردن سيختار الغاز أو الشمس وإنما كيف سيتغير وزن كل مصدر داخل منظومة الطاقة مع مرور الوقت وهل سيُستخدم الغاز كمرحلة انتقالية إلى اقتصاد كهربائي أقل انبعاثًا، أم سيطول الاعتماد عليه بفعل اعتبارات أمن الطاقة؟

الحرب تختبر سرعة التحول لا اتجاهه فقط
وبين خبراء طاقيون وبيئيون أن التطورات الإقليمية تضع الأردن أمام معادلة أكثر تعقيدًا من مجرد تأمين الوقود إذ إن كل أزمة طاقة يمكن أن تدفع الدول إلى زيادة الاعتماد على المصادر التقليدية لتأمين احتياجاتها الفورية، بينما يمكن أن تشكل الأزمة نفسها حافزًا للاستثمار في مصادر محلية أقل تعرضًا لتعطل الإمدادات.
وبالنسبة للأردن فإن الاتجاهين يسيران بالتوازي: تطوير الغاز المحلي لتقليل مخاطر الاستيراد، والتوسع في الطاقة المتجددة والتخزين وكفاءة الطاقة لخفض الاعتماد على الوقود الأحفوري وتحقيق أهداف خفض الانبعاثات.
ومن هنا فإن أثر الأزمات الإقليمية على التحول المناخي لا يمكن قياسه فقط بعدد مشاريع الطاقة الشمسية الجديدة، وإنما أيضًا بمدى قدرة المملكة على تسريع الاستثمارات التي تجعل الطاقة النظيفة قابلة للاعتماد في أوقات الضغط والأزمات.

من أمن الطاقة إلى أمن المناخ
وإن أزمة الغاز الأخيرة أعادت ترتيب السؤال ففي السابق كان أمن الطاقة يعني بالدرجة الأولى: هل لدى الأردن ما يكفي من الوقود لتوليد الكهرباء؟
أما مع ارتفاع مساهمة الطاقة المتجددة وتزايد مخاطر الإمدادات في المنطقة، فتتوسع المعادلة لتصبح: هل يستطيع الأردن تأمين الكهرباء من مصادر متنوعة ومحلية، مع تقليل كلفتها وانبعاثاتها في الوقت نفسه؟
والوصول إلى 40% من الكهرباء من مصادر متجددة لن يكون مجرد رقم في استراتيجية الطاقة، كما أن خفض الانبعاثات بنسبة 31% لن يتحقق بمجرد إضافة قدرات شمسية ورياح جديدة؛ بل يتطلب شبكة أكثر مرونة، وتخزينًا كافيًا، وإدارة أفضل للطلب، واستثمارات في الكفاءة، ومصادر انتقالية أقل تعرضًا للصدمات.
وبذلك قد تكون الرسالة الأهم التي تركتها أزمة الغاز في آذار أن أمن الطاقة والتحول المناخي لم يعودا مسارين منفصلين في الأردن؛ فكلما نجحت المملكة في تقليل اعتمادها على الوقود المستورد عالي الانبعاثات، أصبحت أقل تعرضًا لبعض صدمات الإمداد، وكلما عجزت عن بناء البدائل والتخزين والشبكات اللازمة، بقيت الأزمات الإقليمية قادرة على إعادة فرض كلفتها على الاقتصاد والبيئة معًا.
وفي بلد يعيش أصلًا تحت ضغط شح الموارد الطبيعية وآثار تغير المناخ، يصبح السؤال خلال العقد المقبل: أي منظومة طاقة يستطيع الأردن أن يبنيها بحيث تكون أكثر أمنًا في زمن الأزمات، وأقل انبعاثًا في زمن المناخ المتغير؟