الحسين في ميد 9
د. حازم قشوع
تنعقد «ميد 9» في فاصل تاريخي دقيق، تتقاطع فيه التحولات السياسية والأمنية والاقتصادية على ضفتي المتوسط، بما يجعل من انعقادها أكثر من مجرد لقاء دوري لدول المنطقة، بل مساحة لإعادة قراءة المشهد المتوسطي وما يحيط به من متغيرات باتت تؤثر في أمن المجتمعات واستقرارها ومستقبلها.
ففي الضفة الجنوبية للمتوسط، تتسع تداعيات التوسع الإسرائيلي، وتتواصل الحرب مع إيران في المشرق العربي، فيما تبقى أوضاع شمال أفريقيا أمام مسارات متحركة وغير مستقرة، الأمر الذي يجعل قضية الأمن الإقليمي وإعادة بناء منظومة التوازن من أبرز القضايا التي تفرض نفسها على طاولة المتوسط.
وفي الضفة الشمالية للمتوسط، تتفاعل المجتمعات الأوروبية مع تداعيات الحرب في أوكرانيا وما فرضته من تحولات أمنية واقتصادية، بالتوازي مع انعكاسات اضطراب حركة الملاحة وإغلاق باب المندب ومضيق هرمز، بما طال حركة التجارة والطاقة وسلاسل الإمداد، وأعاد للممرات البحرية والجغرافيا الاستراتيجية حضورها المباشر في معادلة الأمن والاستقرار على ضفتي المتوسط ومن هنا تكتسب «ميد 9» أهميتها في هذه المرحلة، كونها تأتي في لحظة لم يعد فيها المتوسط منفصلاً عن المشرق العربي ولا عن أوروبا وشمال أفريقيا، وإنما أصبح فضاءً متشابكاً تتداخل فيه ملفات الأمن والطاقة والتجارة والهجرة والاستقرار، وتفرض فيه التحولات الإقليمية إعادة تعريف طبيعة الشراكات وأدوار الدول.
«ميد 9» هي منصة تجمع تسع دول من جنوب الاتحاد الأوروبي، هي كرواتيا وقبرص وفرنسا واليونان وإيطاليا ومالطا والبرتغال وسلوفينيا وإسبانيا، وتبحث قضايا الأمن والاستقرار والطاقة والهجرة والتجارة وأمن الملاحة والتعاون مع دول جنوب المتوسط. وتنعقد قمتها هذا العام في كرواتيا في مرحلة تتداخل فيها التحولات الأوروبية والمتوسطية والمشرقية، فيما يشارك الأردن ضيفاً للمرة الثالثة على التوالي فى هذه المنصه حيث يمثل الحسين، ولي العهد، الملك عبدالله في أعمالها، بما يعكس اتساع مساحة الحضور الأردني في الحوار الأوروبي المتوسطي، ودوره في ملفات الأمن والاستقرار والربط بين ضفتي المتوسط.
وفي قلب هذا المشهد يأتي حضور الحسين، ولي العهد، مندوباً وممثلاً عن الملك عبدالله، بما يحمله هذا الحضور من دلالة على موقع الأردن في معادلة المتوسط، وعلى أهمية الدور الأردني في النقاشات التي تتصل بأمن المنطقة واستقرارها ومستقبلها.
فالأردن لا ينظر إلى المتوسط باعتباره فضاءً بحرياً منفصلاً عن محيطه، وإنما باعتباره امتداداً لجغرافيا سياسية وأمنية تبدأ من المشرق العربي وتتصل بأوروبا وشمال أفريقيا. ومن هذه الزاوية يصبح الحضور الأردني في «ميد 9» تعبيراً عن قراءة أوسع لدور الأردن في مرحلة تتغير فيها خرائط المصالح وموازين التأثير.
ويكتسب هذا الدور بعداً إضافياً من طبيعة العلاقة التي بناها الأردن مع حلف الناتو، إذ أصبحت عمّان أول موقع للحضور السياسي للناتو في الشرق الأوسط، مع افتتاح مكتب ارتباط الحلف فيها، وهو ما يعكس عمق الشراكة الأمنية والسياسية بين الجانبين، ويضع الأردن في موقع متقدم ضمن منظومة الحوار والتعاون الأمني في المنطقة كما أن التعاون الأردني مع الناتو يشمل بناء القدرات الدفاعية وأمن الحدود وإدارة الأزمات والدفاع السيبراني والتدريب والتعليم العسكري، وهو ما يعزز موقع الأردن في منظومة الأمن الإقليمي، خصوصاً في منطقة تتقاطع فيها أزمات المشرق مع تحديات المتوسط والجنوب الأوروبي.
ولعل حضور الحسين في «ميد 9» يأتي في لحظة تتشكل
فيها خرائط جديدة للأمن والتعاون ياتى ليؤكد ان الأردن أحد مراكز الربط بين أوروبا والمشرق العربي كما بين المنظومات الأمنية والسياسية والاقتصادية المتداخلة في هذه المنطقة.
وان الامير الحسين في مشاركته ممثلاً عن الملك عبدالله يحمل معه هذه الرؤية الأردنية إلى طاولة تجمع أطرافاً متعددة المصالح والاهتمامات. فالمطلوب في هذه المرحلة ليس فقط إدارة الأزمات القائمة، وإنما بناء مساحات تفاهم جديدة تستطيع التعامل مع تداعياتها، والانتقال من سياسة احتواء الأزمات إلى هندسة الاستقرار.
وهنا تبرز خصوصية الأردن فهو يقع عند نقطة التقاء المشرق بالمتوسط، ويتعامل بصورة مباشرة مع ملفات الأمن الإقليمي والقدس وفلسطين وسوريا والعراق، كما يرتبط بعلاقات متقدمة مع أوروبا ودول المتوسط. ولذلك فإن الحضور الأردني في مثل هذه المنصات لا ينفصل عن محاولة صياغة مقاربة تقوم على التوازن، وتبحث عن مصالح مشتركة في منطقة أصبحت أكثر ترابطاً وتأثراً بما يجري حولها.
ولعل أهمية مشاركه الحسين في «ميد 9» تكمن أيضاً في أن ولي العهد يحضر اليوم في قلب نقاش إقليمي ودولي يتشكل أمامه، حاملاً رؤية الملك عبدالله وتجربة الأردن في التعامل مع التحولات، بما يفتح المجال أمام تطوير شبكة العلاقات الأردنية الأوروبية والمتوسطية، وربطها بمصالح الأمن والتنمية والاقتصاد وهنا تكمن اهمية انعفاد «ميد 9» التى تأتي في وقت أصبحت فيه الطاولة السياسية أكثر أهمية سيما ان ما يجري على الأرض من حروب وتوترات وتحولات بحرية واقتصادية يعيد تشكيل اتجاهات القرار ..
فإن حضور الحسين في هذه الطاولة يمثل حضوراً للأردن في مرحلة إعادة صياغة المشهد الإقليمي وهو ما يشكل جملة المستقبل، حيث تتطلب المرحلة دولاً قادرة على إنتاج التوازن، لا الاكتفاء بالتعامل مع نتائجه سيما والأردن، بما يمتلكه من موقع وعلاقات وتجربة، يستطيع أن يكون جزءاً من هذه المعادلة، فيما يأتي حضور الحسين ولي العهد ليؤكد أن الأردن يتعامل مع التحولات من موقع المشاركة في صناعة التفاهمات، وبما يحافظ على ثوابته ويعزز حضوره في هندسة المرحلة المقبلة التى يحمل ملف التعاطي معها الحسين ولي العهد .