ندوة بمعرض عمان الدولي للكتاب تبحث تحديات الصناعات الثقافية
أُقيمت ضمن فعاليات البرنامج الثقافي لمعرض عمان الدولي للكتاب 2026، ندوة بعنوان "الإدارة الثقافية بين خصوصية الإبداع وتعددية المجتمع"، ناقشت مفهوم الإدارة الثقافية، وتأطير العلاقة بين السلطة والمثقف، إضافة إلى التحديات التي تواجه الصناعات الثقافية والتعامل مع التطورات التكنولوجية الحديثة.
وشارك في الندوة وزير الثقافة الأسبق الدكتور صبري اربيحات، والأكاديمي الكويتي الدكتور عيسى الأنصاري، وأدارها الروائي هزاع البراري.
الدكتور صبري اربيحات
أوضح الدكتور صبري اربيحات أن الإدارة الثقافية في المجتمعات المتعددة تمثل تحدياً كبيراً لا يلمسه إلا من مارس العمل الميداني، مشدداً على أن دور الإدارة لا يكمن في إنتاج الثقافة بل في تهيئة البيئة ورفع العوائق أمام التعبير الحر بما لا يتعارض مع هوية الدولة والمجتمع.
وأشار إلى حالة اللامعيارية والسيال الثقافي في عصر ما بعد الحداثة، لافتاً إلى أن ضبابية المعايير تخلق سجالات مجتمعية حادة حول حدود المسموح والممنوع في الفعاليات والمهرجانات الفنية، مستشهداً بالسجالات والشكاوى التي ترافق مهرجانات مثل جرش ونشاطات البتراء.
كما أكد أن الاستثمار في الإبداع ينعكس على التجارة والصناعة وتطور الحضارات، كالصناعات الإيطالية في الأثاث والأزياء التي تستند إلى إرث الرسامين والمبتكرين منذ العصور الوسطى.
وتطرق اربيحات إلى الصراع الدائم داخل المجتمعات بين قوى المحافظة التي تميل للضبط والمنع وقوى التغيير التي يمثلها الجيل الصاعد المطالب بالحرية، وعبر عن قلقه من تراجع سقوف الحريات الإعلامية والثقافية مقارنة بعقود سابقة، مستشهداً بمقولة الكاتب زكريا تامر "صفّر الشرطي فأشرقت الشمس"
كما كشف أن الإنفاق الرسمي على الثقافة في الأردن يقل عن ثلاثين قرشاً لكل ألف دينار تنفقه الدولة، داعياً إلى ترسيخ فكرة تقبل التنوع وعدم مجاملة الفن الرديء، معتبراً الفن والثقافة بنية تحتية أساسية لتطور المجتمع واقتصاده
الدكتور عيسى الأنصاري
من جانبه، استعرض الأكاديمي الكويتي الدكتور عيسى الأنصاري التجربة الكويتية في التعدد والتنوع الثقافي، موضحاً أنها تأسست بناءً على ثلاثة عوامل تاريخية تمثلت في سفر الكويتيين القديم عبر البحر لطلب الرزق في الهند وأفريقيا وعدن، واستقطاب معلمين ونخب عربية من فلسطين والأردن ولبنان والعراق ومصر أسسوا المسرح والصحافة المدرسية، إضافة إلى البعثات الدراسية الكويتية المبكرة للبلدان العربية.
وبين كيف أثمرت هذه العوامل عن تأسيس المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، وإطلاق مجلة العربي عام 1958، وإصدار السلاسل الثقافية كـ "عالم الفكر" و"عالم المعرفة" والتراجم الدولية التي مثلت هدية الكويت للعالم العربي.
وشدد الأنصاري على أن الحرية هي المفتاح الأساسي والشرط الوجودي للإبداع والصناعة الثقافية، مؤكداً أن ضخ الأموال الحكومية لا يصنع إبداعاً دون حرية تتيح للقارئ تمييز الغث من السمين، مع ضرورة أن ينحصر دور الحكومات في الدعم اللوجستي والمالي، وبناء البنية التحتية كالمسارح والمتاحف، وحماية الملكية الفكرية دون خنق النصوص أو ملاحقة المفكرين.
وأكد أن الحرية الحقيقية تنطلق من الأصالة باحترام التنوع المجتمعي ومشاعر الأقليات.
كما حذر الأنصاري من إسناد الإدارة الثقافية لمن هم غير أهل لها بداعي "البرستيج"، داعياً المبدعين إلى استغلال التكنولوجيا والبودكاست ووسائل التواصل الاجتماعي للوصول بالمنتج الأصيل إلى جيل الشباب الذي يشكل أكثر من 70% من المجتمعات العربية.
هزاع البراري
وكان الروائي هزاع البراري قد استهل الندوة مؤكدا أن الإدارة الثقافية باتت علماً قائماً بذاته يختلف جوهرياً عن إدارات المصانع والشركات والبنوك، كونها تتعامل مباشرة مع المبدع صاحب مصدر الثقافة ومع الجمهور المتلقي متعدد المستويات والتوجهات.
وأشار إلى أن صعوبة الإدارة الثقافية تكمن في عملها وسط حقول من الألغام لبناء منظومة توازن بين فضاءات الحرية التي يتطلبها الإبداع من جهة، وبين قيم المجتمع وتقاليده والخطوط الحمراء والتوجهات الحكومية من جهة أخرى.
وفي ختام الندوة كرم رئيس اتحاد الناشرين الأردنيين ومدير معرض عمان الدولي للكتاب جبر أبو فارس، المشاركين.