رواية «الغريبتان» للكاتبة صفاء القرالة (لحظة متوهجة)

سليم النجار

للوهلة الأولى تحيلنا فكرة نص «الغريبتان»، الصادر عن دار فضاءات للنشر والتوزيع – عمّان، 2022، للكاتبة صفاء القرالة، إلى رصد معاناة المرأة في جميع مراحلها. وحين تبدأ في استدعاء الأدوار داخل الرواية، كأننا أمام مسرح وكراسٍ فارغة، يملأ هذا الفراغَ الموضوعُ الذي ذهبت إليه الروائية في سردها:
«كل ما أتذكره في ذلك الوقت أننا أصبحنا في القطار، رجل مسن يسير على مهله أمامي» (ص11).

ومن الموضوعات التي انطلقت منها الروائية لصياغة أحداث قد تبدو، للوهلة الأولى، مفاجئة، ما يأتي في تناص واضح مع الراوية، أو على الأقل اقتباس الموضوع من الروائية. وهنا تبدأ المفارقة؛ إذ تصبح العلاقة بين الراوية والروائية جدلية، تقترب كثيرًا من التناص بينهما، وتطويع هذا التناص إلى لحظة القول:
«ليس ذنبها أو ذنبي، لكن أدوارنا كفتاة وأم صنعت فجوة بيننا… الآن وأنا أكتب هذه الكلمات أعترف لنفسي أنها صديقتي التي خسرت» (ص37).

إنها لحظة الخسارة في لحظة السرد، لكن يمكن القول أيضًا إنها لحظة انهيار نفسي إلى الانتحار شنقًا للفكرة التي طرحتها الروائية، في تناغم يؤدي إلى ملاحقة القول:
«هو عنوان مقالتي في قسم الأخبار الثقافية لليوم، أغلق الحاسوب. على ظهره علقت ورقة ملاحظات صغيرة» (ص49).

نجحت الروائية في صناعة إيقاع لسرد متواتر ومشدود، من خلال تصاعد العلاقات الإنسانية وتطورها بين السرد والموضوع، ورغبات كل منهما المخالفة لرغبة الآخر:
«وليست بتلك الدرجة من التعقيد، لكنَّ هناك أيدي لم تُرفع لأن الخجل منعهن من ذلك» (ص71).

شعر السرد هنا، بغض النظر عن هوية الشخصية في الرواية، وهو البطل الحقيقي بقيمة الحياة، فتبدأ في التراجع والتشبث بها لأطول وقت ممكن. وحين يدور الحوار على الشكل الآتي:

– هل استفقت؟
– إنني بخير، لكن أين أمي؟

تركت يد مرفت، أغلقت الباب وجلست مقابلة لهما.

– أرى أنك بخير الآن.
– أنا… نعم… بخير على ما أظن.
– آنسة نور، لقد فقدتِ الوعي منذ ساعات، وأعتقد أن هذا طبيعي بعد هذه الصدمة.
– لكن…

ولم أكمل ما أردت قوله. (ص89)

وهذا ما يجعل التفاعل بين المتلقي والرواية عامل جذب لملكة القراءة، ليتشارك المتلقي مع الكاتبة في صنع الحوار داخل النص، ويخلق حالة من التفاعل الحي بين المتلقي والنص. ثم إن تداعي الحوارات داخل الرواية يخلق مشاهد إنسانية تصل إلى لحظات درامية:

– لا، أنا… أنا فقط أتيت لأبحث عن عمل.

أنهيت جملتي سريعًا، وكأنني أنهي امتحانًا.

– حسنًا، لا تتوتري، أخبريني عن اسمك أولًا.

ازداد توتري.

– أنا نور. (ص113–114)

قامت الروائية، بصريًا، بتحويل الحوارات، وكأننا أمام خشبة مسرح وقاعة يشاهد فيها المتفرجون براحة وجاذبية، إذ يتداخل فضاء النص مع أماكن جلوس المتلقين:

– إنه مكان هادئ.
– أعتقد أن قراءة الكتب رفاهية لا يحظى بها الجميع.
– رفاهية؟ لا أعتقد أنني أوافقك الرأي.
– سأخبرك سرًّا. (ص127)

هذا التفاعل أدى إلى مشاعر إنسانية مختلطة، قد تؤدي إلى فرز القهر الذي يتعرض له الإنسان، حتى إن الخوف أصبح مفردة يعيش عليها الإنسان. وهذه السيولة في المشاعر الإنسانية تبعده عن الحزن:
«هذا الفصل من حياتي لم أغلق بابه أبدًا. تركته دائمًا مفتوحًا، وكلما احتجت إليه وعبثت بأرشيف الذاكرة» (ص154).

ويلاحظ أن الروائية تحرص على بناء علاقة تفاعلية حميمة مع المتلقي لضمان استمالته، وتكثيف تركيزها، أثناء بناء السرد، على خطاب تتوجه به إلى المتلقين بلغة مباشرة:
«أتعلمين، ها أنا أجلس بجوار قبرك، لكنني أتحدث بصمت دون تحريك شفاهي، بالرغم من عدم وجود أحدٍ من حولي» (ص179).

ولا يفوتنا أن الروائية ختمت نصها على لسان الراوية باعتماد أن الحياة باب مفتوح لآفاق واسعة للتمتع بها:
«استطعت الوصول إلى الشاطئ. أريد أن أشعر بالسلام» (ص181).

إن الانتصار لقيم الإنسان، وابتكار طرق جديدة يسلكها للتمتع بالحياة، يجعلان هذا السرد، بهذه الرؤية، غير غريب عن الحياة، أيًّا كانت المصاعب؛ فالتجربة خير برهان على أن التعلم هو المفصل الفاعل في البحث عن حياة جديدة.

لذا كان عنوان رواية «الغريبتان» طريقًا إلى سرد روائي ليس غريبًا عن تمثّل العمر على أنه ليس عمرًا مجانيًا، بل تعتريه بعض المتاعب والعثرات، لكن، في النهاية، الحياة هي التي تنتصر.