حين يكسب الأردن احترام العالم
حين يكسب الأردن احترام العالم
الدكتور زياد القاضي
أحياناً تختصر الصورة الكثير من الكلام وتصبح المواقف أبلغ من الخطب نفسها وهذا ما شهدته قاعة الأمم المتحدة هذا الأسبوع منبر واحد لكن مشاهد مختلفة حمل كل منها دلالته أمام العالم وكشف كيف تصنع المواقف السياسية صورة الدول ومكانتها في الوعي الدولي.
في الثاني والعشرين من أيلول وقف جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة حاملاً صوت الأردن ومواقفه في مرحلة شديدة التعقيد.
تحدث جلالته عن فلسطين وما يجري في غزة والضفة الغربية وعن واقع المنطقة ومستقبل السلام وفي الوقت نفسه كان واضحاً وحازماً عندما تعلق الأمر بالأردن وأمنه ومصالح شعبه مؤكداً أن التهديدات التي تمس الحدود الشمالية أو الأمن المائي تمس الأمن الوطني الأردني وأن المملكة ستدافع عن أمنها ومياهها ومصالح شعبها.
ولم يكن الموقف الأردني وليد هذه اللحظة فمنذ عقود والأردن يعلن أمام العالم موقفه الثابت ويحذّر من خطورة استمرار الاحتلال وغياب العدالة ويدعو إلى سلام يحفظ الحقوق ويصون أمن المنطقة وهي الرسالة التي أكدها جلالة الملك مجدداً من على أهم منبر دولي بلغة واضحة تجمع بين الدفاع عن مصالح الأردن الوطنية والتمسك بحقوق الشعب الفلسطيني.
وقد منح هذا الثبات الأردن مكانة تحظى بالتقدير لأن العالم يعرف أن الموقف الأردني لا يتبدل بتبدل الظروف وأن صوت جلالة الملك ينطلق من مسؤولية تاريخية تجاه فلسطين ومن حرص صادق على أمن المنطقة ومستقبل شعوبها ولهذا يصغي العالم إلى الأردن ويحترم قيادته ويدرك أن كلمته تقوم على الحكمة والمصداقية والشجاعة في الدفاع عن الحق.
وفي القاعة نفسها جاءت صورة أخرى مختلفة عندما بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه فغادر عشرات المندوبين القاعة في موقف احتجاجي علني كانت المغادرة رسالة سياسية واضحة من الوفود المشاركة فيها عبّرت من خلالها عن اعتراضها على السياسات الإسرائيلية وما خلّفته الحرب من قتل ودمار ومعاناة إنسانية.
لقد أصبحت غزة خلال السنوات الأخيرة عنواناً لواحدة من أقسى المآسي الإنسانية في المنطقة آلاف الضحايا ودمار واسع وتهجير وتجويع ومعاناة متواصلة جعلت العالم يشاهد يومياً أطفالاً ونساءً ومدنيين يدفعون ثمن حرب طال أمدها واتسعت آثارها الإنسانية والسياسية حتى أصبحت صورتها حاضرة بقوة داخل أروقة الأمم المتحدة نفسها.
ولا تتوقف القضية عند غزة وحدها فالاحتلال المستمر للأراضي الفلسطينية والتوسع الاستيطاني والاعتداءات في الضفة الغربية ومحاولات فرض وقائع جديدة على الأرض كلها ملفات بقيت مفتوحة لعقود وما زالت قضايا القدس والأرض والدولة الفلسطينية وحقوق الشعب الفلسطيني تنتظر موقفاً دولياً قادراً على تحويل القرارات والخطابات إلى خطوات حقيقية.
إن الفارق بين الحضور الأردني والمشهد الإسرائيلي يستحق القراءة فالدول تستطيع أن تمتلك القوة والسلاح لكنها لا تستطيع أن تفرض على العالم احترام سياساتها والمكانة الدولية لا تُبنى بالقوة وحدها بل بالمواقف والعلاقات واحترام القانون الدولي والمحافظة على ثقة الشعوب والدول وعندما تهتز هذه الثقة تصبح القاعات الخالية تعبيراً سياسياً أقوى من كثير من الكلمات.
لقد كسب الأردن احترام العالم بقيادة جلالة الملك وبخطابه المتزن والواضح وبمواقفه الثابتة تجاه فلسطين وبحرصه على حماية أمن الوطن ومصالح شعبه وفي الوقت الذي كان فيه صوت الأردن يحظى بالتقدير كانت الوفود تغادر خطاب إسرائيل في مشهد اختصر كثيراً من الكلام وكشف الفارق بين دولة تبني حضورها بالحكمة والاحترام وسياسات تفقد أصحابها ثقة العالم وسيبقى الأردن بقيادته وشعبه ثابتاً في الدفاع عن وطنه وفياً لفلسطين وصوتاً للعقل والعدالة والسلام في عالم مضطرب.