الصحة النفسية للإنسان العربي
الصحة النفسية للإنسان العربي
من أوائل الكتب الفلسفية التي بحثت في النفس البشرية كتاب «النفس» (De Anima) لأرسطو، مع أنه لم يكن كتابًا في علم النفس، بل في الفلسفة، ولكنه أشار إلى النفس البشرية. لم ينفصل علم النفس عن الفلسفة إلا في القرن التاسع عشر، ليصبح علمًا مستقلًا.
ظهرت أهمية علم النفس بوضوح في القرن العشرين، عندما تكاثرت تلك الأمراض النفسية التي كانت بحاجة إلى علم يعالجها ويخفف من آثارها الضاغطة على الفرد والمجتمع.
ظهرت حاجة المواطن العربي الملحّة إلى فهم علم النفس والعلاج النفسي بعد كل الضغوط النفسية التي وقعت عليه بعد إنشاء الدولة العربية الحديثة، وما مرّت به المنطقة العربية من حروب ومآسٍ، وما تركته من آثار عميقة في وعيه وفي نفسه يصعب تحمّلها، وتصعب معالجتها.
من هنا يأتي الاهتمام العميق الذي على المواطن العربي أن يوليه لصحته النفسية، ففي ظل الظروف الصعبة التي يعيشها، وعليه التأقلم معها، تصبح تلك الصحة النفسية ضرورة حياتية له ولعائلته.
نبدأ بتربية الأطفال نفسيًا منذ مولدهم حتى شبابهم، فهم الذين سيصبحون عماد المجتمع وقادته. لذا كان علينا لفت نظر الأهل إلى أهمية التربية والانتباه إلى صحة الأطفال النفسية.
هناك فيلسوف فرنسي كتب مجلدًا مهمًا أسماه «حضارة المحبة»، فقد اعتبر أن حضارتنا الحالية هي حضارة المحبة بسبب عناية العائلات الجديدة بأطفالها ومحبتهم لهم، بحيث سيتكوّن جيل جديد يتمتع بالمحبة والعناية، لينتج مجتمعًا مرتاحًا في جلده، منسجمًا مع غيره. أظن أن الفيلسوف الفرنسي كان يشير إلى المجتمع الغربي الذي يُعنى بالأطفال وصحتهم النفسية، بل ويدلّلهم. بينما يعاني الأطفال في مجتمعات العالم الثالث، ومنهم أطفال مجتمعنا العربي، من صنوف شتى من الإهمال والفقر، وبعضهم لم تتوفر له أبسط مقومات الحياة، مثل الماء النظيف والغذاء الكافي، ناهيك عن عمالة الأطفال وتسربهم من المدارس ليساعدوا أهلهم وذويهم من خلال عملهم.
لا شك أن توفر وضع اقتصادي مريح يساعد الأهل على الاهتمام بأطفالهم وتوفير ما يحتاجون إليه من غذاء وتعليم وحياة صحية، ولكنه لا يكفي وحده لمعالجة كل الضغوط النفسية التي يعاني منها الأطفال. فالصحة النفسية للطفل تتطلب صحة نفسية للأب والأم وللعائلة بأجمعها، فهي التي توفر الأمان الجسدي والنفسي لأطفالها.
بنظرة سطحية إلى عائلتنا العربية من الخارج، يشعر الراصد أن هناك خللًا نفسيًا وغيابًا للمشاعر والعواطف والحب الأسري تعاني منه الأسرة العربية، لذا يتربى الطفل العربي في بيت وبيئة تسهّل عليه تعلّم العنف والغضب والسباب، دون أن يدرك أنه يكمن خلفها حاجات نفسية إلى الحب والحنان لم تُشبَع في صغره. والمكبوتات كثيرة ومتعددة في النفس العربية، التي لم يعالجها الأهل أولًا، والمدرسة ثانيًا، والمجتمع ثالثًا، فتبقى مخفية إلى أن تظهر بشكل عقد نفسية عند الكبر.
رأيت يومًا وزيرًا سابقًا ومهمًا يبلغ من السن سبعين عامًا، يتكلم دون انقطاع لمدة ساعات متواصلة، ويريد أن يلفت انتباه الآخرين ويحصل على اعترافهم بأهميته وتقديرهم له، دون أن يسمح للأشخاص الذين حوله بإبداء رأيهم أو حتى بالكلام. لا شك أن هذا الرجل المهم لم يحظَ في صغره بمن يستمع إليه ويقدّره، وإلا لما سعى في نضوجه إلى لفت الانتباه والكلام دون توقف. هي عقد الطفولة التي ظهرت في الشيخوخة. وكان عالم النفس سيغموند فرويد قد أشار إلى عقد الطفولة هذه وأساليب معالجتها.
الهدف من هذا المقال التنويه إلى أهمية الانتباه إلى الصحة النفسية للإنسان العربي، والتي تبدأ بالاهتمام بالصحة النفسية للعائلة العربية، وبخاصة الطفل العربي.
د. جورج الفار