الأردن بعد صدمات الطاقة ... من إدارة فاتورة الوقود إلى بناء المناعة الاقتصادية

بلاسمة: أمن الطاقة لم يعد تأمين الكهرباء والمحروقات وإنما بناء قدرة الاقتصاد على امتصاص الصدمات الخارجية


الأنباط – رهف الزعبي

لم يعد أمن الطاقة في الأردن يقتصر على تأمين الكهرباء والمحروقات وإنما أصبح مرتبطًا بقدرة الاقتصاد على التعامل مع الصدمات الخارجية وتقليل انعكاساتها على مختلف القطاعات في ظل اعتماد المملكة على استيراد جزء مهم من احتياجاتها من الطاقة.
يقول خبير الطاقة الدكتور فراس بلاسمة إن ارتفاع أسعار النفط أو اضطراب إمدادات الغاز لا يبقى تأثيره محصورا في قطاع الطاقة ينتقل سريعا إلى فاتورة الاستيراد والحساب الجاري وكلف توليد الكهرباء والنقل والإنتاج، قبل أن ينعكس على الأسعار والمالية العامة وتنافسية الاقتصاد.
وتظهر حساسية الاقتصاد الأردني لهذه التطورات، وفق تقديرات صندوق النقد الدولي الواردة في المادة مع توقع ارتفاع فاتورة استيراد الطاقة بنحو 35.9% خلال عام 2026، واتساع عجز الحساب الجاري إلى نحو 7.4% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما قد يؤدي انقطاع إمدادات الغاز لمدة شهر خلال آذار، إلى جانب ارتفاع تكاليف الطاقة، إلى زيادة كلفة توليد الكهرباء لدى شركة الكهرباء الوطنية بما يعادل نحو 0.3 نقطة مئوية من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام.
هذه المعادلة بحسب بلاسمة تفرض إعادة النظر في مفهوم أمن الطاقة؛ فالهدف لم يعد فقط توفير الطاقة وإنما تقليل حجم الانكشاف الذي يمكن أن يتعرض له الاقتصاد عند وقوع أزمة خارجية.

مزيج الطاقة.. لا استغناء سريعًا عن الغاز

غير أن تقليل الانكشاف الخارجي لا يعني التخلص الفوري من النفط والغاز، يؤكد بلاسمة أن الغاز الطبيعي سيبقى مهما لمرونة النظام الكهربائي، خصوصا في الأوقات التي لا تنتج فيها الطاقة الشمسية والرياح بالمستويات المطلوبة إلى جانب حاجة قطاعات الصناعة والنقل الثقيل إلى مرحلة انتقالية طويلة، ومن هنا لا تقوم استراتيجية الطاقة الأردنية للأعوام 2025–2035 على استبدال الغاز بالطاقة المتجددة، وإنما على بناء مزيج متكامل يجمع بين الطاقة الشمسية والرياح والتخزين والغاز المحلي ورفع كفاءة استخدام الطاقة وتطوير الشبكات.
وفي هذا السياق، تستهدف الاستراتيجية رفع إنتاج غاز الريشة إلى نحو 418 مليون قدم مكعب يوميًا عام 2029، وصولا إلى 812 مليون قدم مكعب يوميا بحلول عام 2035، بالتوازي مع زيادة مساهمة الطاقة المتجددة، وبذلك، تصبح المعادلة الأساسية هي الانتقال من طاقة تعتمد بدرجة أكبر على مصادر خارجية متأثرة بالأزمات والأسعار العالمية، إلى منظومة تضم مصادر محلية ومتنوعة وأكثر قدرة على امتصاص الصدمات.

الطاقة المتجددة وحدها لا تكفي

ويحذر بلاسمة من الربط المباشر بين زيادة مشاريع الطاقة الشمسية والرياح وانخفاض فاتورة الكهرباء بالنسبة نفسها، موضحا أن الكلفة النهائية لا ترتبط بسعر إنتاج الكهرباء فقط وإنما تشمل شبكات النقل والتوزيع والاستثمارات والتخزين والاحتياطيات والفواقد وغيرها من عناصر المنظومة.
ويشير الى أن المشكلة في اختلاف توقيت الإنتاج عن توقيت الطلب؛ فقد ترتفع الطاقة الشمسية خلال ساعات الظهيرة، في وقت يرتفع فيه الطلب على الكهرباء مساءً بعد تراجع الإنتاج الشمسي، وإذا توسعت مشاريع الطاقة المتجددة بوتيرة أسرع من قدرة الشبكة على استيعابها، فقد تظهر فوائض في أوقات الإنتاج المرتفع مقابل الحاجة إلى مصادر مرنة في ساعات الذروة وهنا يصبح التحدي الأساسي ليس فقط إنتاج الطاقة المتجددة وإنما إدارة الطاقة المتجددة.

التخزين.. حل فجوة التوقيت

ويبين بلاسمة أن الأردن يتجه إلى تنفيذ مشاريع تخزين، من بينها مشروع بطاريات بقدرة 100 ميغاواط ولمدة أربع ساعات، بما يعادل نظريًا نحو 400 ميغاواط ساعة، إلى جانب مشروع للتخزين المائي بالضخ بقدرة 450 ميغاواط ، وتتيح البطاريات نقل جزء من الكهرباء المنتجة في ساعات الوفرة إلى ساعات ارتفاع الطلب، إضافة إلى استخدامها في تنظيم التردد وتوفير الاحتياطي السريع، لافتا الى أنها لا تمثل بديلا كاملا عن مصادر التوليد القادرة على العمل لفترات طويلة عندما ينخفض إنتاج الشمس والرياح.
لذلك، فإن المنظومة المقبلة تحتاج إلى أكثر من أداة واحدة، عبر الجمع بين البطاريات والتخزين المائي والغاز المرن والشبكات وإدارة الأحمال والربط الكهربائي، بما يسمح باستيعاب حصة أكبر من الطاقة المتجددة دون التأثير في استقرار النظام.
من الكهرباء إلى الصناعة والنقل
ولا يتوقف أثر هذا التحول عند قطاع الكهرباء ، يوضحا بلاسمة أن كلفة الطاقة تمتد إلى قطاعات التعدين والإسمنت والبوتاس والفوسفات والصناعات الغذائية والكيماوية والنقل والمياه وغيرها، مضيفا إلى أن استقرار كلفة الطاقة وقابليتها للتنبؤ قد يكون أكثر أهمية للصناعة من انخفاض مؤقت في أسعار الكهرباء؛ فالمصنع الذي يستطيع التخطيط على أساس كلفة مستقرة لسنوات يمتلك قدرة أكبر على الاستثمار والمنافسة من مصنع يواجه قفزة مفاجئة في التكاليف نتيجة أزمة خارجية.
ومن هذه الزاوية، يتابع بلاسمة أن الطاقة المتجددة تصبح أداة للتحوط الاقتصادي على المدى الطويل، لأنها تعتمد على مورد محلي لا يتأثر سعره المباشر بأزمات النفط أو اضطرابات خطوط الإمداد، وإن كانت تتطلب في المقابل استثمارات في الشبكات والتخزين والبنية التحتية، مشيرا إلى أنها لا يكتمل تقليل الاعتماد على الطاقة المستوردة من دون معالجة قطاع النقل، الذي لا يزال يعتمد بدرجة كبيرة على الوقود السائل.
ويرى بلاسمة أن التوسع في المركبات الكهربائية والبنية التحتية للشحن يمكن أن يشكل جزءًا من إعادة تشكيل ميزان الطاقة في المملكة، خصوصا كلما ارتفعت مساهمة الطاقة الشمسية والرياح والغاز المحلي في إنتاج الكهرباء.

اقتصاد أقل تعرضا للصدمات

فنجاح التحول بحسب بلاسمة لا ينبغي أن يقاس فقط بنسبة الطاقة المتجددة، وإنما بقدرته على خفض فاتورة الطاقة المستوردة، وزيادة حصة الطاقة المحلية، وتحسين قدرة النظام على مواجهة انقطاع أحد مصادر الوقود، إلى جانب خفض كلفة الطاقة على الصناعة وتقليل الطاقة المتجددة غير المستغلة بسبب قيود الشبكة، وبذلك يتحول ملف الطاقة من إدارة منفصلة للكهرباء والوقود إلى إدارة متكاملة لميزان الطاقة الوطني بحيث تصبح الاستثمارات في الشمس والرياح والتخزين والغاز المحلي والشبكات والنقل الكهربائي أدوات اقتصادية لتقليل أثر الأزمات الخارجية.
ويختصر بلاسمة التحول المطلوب في أن الاختبار الحقيقي خلال السنوات المقبلة لن يكون في عدد مشاريع الطاقة المتجددة وحدها، وإنما في مقدار ما تسهم به هذه الاستثمارات في جعل أسعار الطاقة أكثر قابلية للتنبؤ، وتقليل فاتورة الاستيراد، وتعزيز قدرة الاقتصاد والصناعة الأردنية على مواجهة الصدمات والمنافسة.