الجذور الدينية والسياسية لفكرة عودة اليهود إلى فلسطين
الجذور الدينية والسياسية لفكرة عودة اليهود إلى فلسطين
د. أيوب أبودية
لفتني كتاب الاستاذ نواف الزرو الموسوعي الرائع عن الهولوكوست الفلسطيني المستمر، ٢٠٢٣، حيث يشير في صفحة ٣٨ الى دعوة مارتن لوثر المصلح البروتستانتي المعروف في القرن السادس عشر لعودة اليهود الى فلسطين. ثم تبعه كروميل قائد الثورة الانجليزية في القرن الذي يليه، لذلك سعيت لتوضيح بعض الحقائق التي كنت شخصيا غافلا عنها.
لم تبدأ فكرة عودة اليهود إلى فلسطين مع الصهيونية السياسية في القرن التاسع عشر كما كنت أعتقد، بل فعلا لها جذور أقدم في الفكر المسيحي الأوروبي، ولا سيما في بعض التيارات البروتستانتية التي ظهرت مع حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر. غير أن هذه الفكرة لم تكن في بدايتها مشروعا سياسيا يهوديا، بل كانت في جانب مهم منها تصورا مسيحيا مرتبطا بتفسير الكتاب المقدس ونبوءات آخر الزمان.
يُعد مارتن لوثر (1483–1546)، مؤسس الإصلاح البروتستانتي، شخصية أساسية في هذا التحول. فقد أعاد الإصلاح الاهتمام بالعهد القديم وبالنص العبري للكتاب المقدس، وفتح المجال أمام قراءة أكثر مباشرة للنبوءات المتعلقة بإسرائيل واليهود. وفي كتابه «يسوع المسيح وُلد يهوديا» الصادر عام 1523، اتخذ لوثر موقفا إيجابيا نسبيا تجاه اليهود، معتقدا أن إصلاح المسيحية التقليدية ( الكاثوليكية) قد يجعل اليهود أكثر استعدادا لقبول المسيحية.
لكن موقفه تغير لاحقا بصورة حادة، ولا سيما في كتابه «عن اليهود وأكاذيبهم» سنة 1543، الذي تضمن دعوات قاسية ضد اليهود ومؤسساتهم الدينية. لذلك ينبغي الحذر من تصوير لوثر بوصفه مؤيدا لليهود بالمعنى الحديث. ومع ذلك، تظهر في كتاباته المتأخرة فكرة ذات أهمية تاريخية، هي إمكان توجيه اليهود نحو فلسطين، وإن لم يكن ذلك مشروعا لإقامة دولة يهودية أو برنامجا صهيونيًا بالمعنى الحديث، ربما للتخلص منهم.
الأهم من موقف لوثر الشخصي هو التحول الفكري الذي أحدثه الإصلاح البروتستانتي. فقد أصبح عدد من اللاهوتيين البروتستانت، خصوصًا في إنجلترا، يقرأون النصوص المتعلقة بإسرائيل قراءة حرفية، ويربطون مستقبل اليهود بنبوءات العهد القديم وبعودة المسيح. وبرزت تدريجيا فكرة أن تجمع اليهود أو عودتهم إلى أرضهم القديمة يمكن أن يكون جزءًا من الأحداث التي تسبق الخلاص النهائي وعودة المسيح.
وفي القرن السابع عشر أخذت هذه الأفكار بعدا سياسيا أكثر وضوحا في إنجلترا، خصوصا في الأوساط البيوريتانية puritans المتدينة. وهنا يظهر أوليفر كرومويل (1599–1658)، الذي حكم إنجلترا بعد الحرب الأهلية الإنجليزية.
ولكن لا يصح القول إن كرومويل دعا مباشرة إلى إعادة اليهود إلى فلسطين، فهذه صياغة مبالغ فيها تاريخيا. فالقضية المباشرة في عهده كانت إعادة قبول اليهود في إنجلترا، بعد أن كانوا قد طُردوا منها رسميًا منذ عام 1290. وفي سنة 1655 تقدم الحاخام مناشه بن إسرائيل، من أمستردام، بطلب إلى السلطات الإنجليزية للسماح لليهود بالعودة إلى إنجلترا. ونوقشت القضية في مؤتمر وايتهول، ولم يصدر قرار رسمي بإعادة اليهود، لكن عهد كرومويل شهد تحولا مهما نحو السماح بوجود يهودي علني ومستقر في إنجلترا.
وكان لهذه القضية ارتباط بالفكرة الأوسع المتعلقة بفلسطين. فقد اعتقد بعض البروتستانت الإنجليز أن إنجلترا يمكن أن تؤدي دورا في «استعادة» اليهود لأرضهم القديمة. ولم تكن هذه الفكرة دينية خالصة؛ فقد تداخلت معها مصالح سياسية واقتصادية وتجارية. كانت إنجلترا تنافس هولندا وإسبانيا والبرتغال، وكان للتجار اليهود وشبكاتهم الدولية دور اقتصادي مهم، كما أن العلاقة مع العالم اليهودي كانت مرتبطة بالمنافسة التجارية والسياسية الأوروبية.
لكن العامل الديني ظل أساسيا. فقد انتشرت في البيئة البيوريتانية آنذاك أفكار الألفية الثانية (تؤلف ولا تؤلفان) والمجيء الثاني للمسيح، وكان بعض المؤمنين يرى أن التاريخ يسير نحو مرحلة أخيرة تتحقق فيها النبوءات الكتابية. ومن ثم ظهرت علاقة بين ثلاث أفكار: عودة اليهود، وارتباطهم بأرض فلسطين، وعودة المسيح عام ٢٠٠٠.
وهنا تظهر المفارقة التاريخية. فالدعم المسيحي المبكر لفكرة عودة اليهود لم يكن بالضرورة قائما على الاعتراف بحق اليهود القومي في فلسطين كما سيظهر لاحقا في الفكر الصهيوني. ففي كثير من الحالات كان اليهود يُنظر إليهم باعتبارهم شعبا له دور محدد في النبوءة المسيحية، وكان بعض المسيحيين يتوقعون في النهاية تحولهم إلى المسيحية عند عودة المسيح.
لذلك فإن المسار من لوثر إلى كرومويل لا ينبغي اعتباره بداية مباشرة للصهيونية، وإنما مرحلة مبكرة من انتقال فكرة عودة اليهود من التأويل الديني إلى المجال السياسي. ففي القرن السادس عشر أعاد الإصلاح البروتستانتي وضع اليهود وإسرائيل في مركز الاهتمام اللاهوتي، وفي القرن السابع عشر بدأت هذه الأفكار تتشابك مع السياسة الإنجليزية والمصالح الاقتصادية والاستراتيجية. ومن هذه البيئة ستتطور لاحقا، خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، حركة «الاستعادة» البروتستانتية، التي سيكون لها تأثير مهم في الموقف البريطاني من فلسطين، وصولًا في نهاية المطاف إلى الظروف الفكرية والسياسية التي سبقت وعد بلفور.
وبذلك فإن تاريخ فكرة «عودة اليهود إلى فلسطين» أكثر تعقيدا من اختزالها في الصهيونية الحديثة؛ فهي مرت أولًا عبر الإصلاح الديني الأوروبي، والتفسير البروتستانتي للنبوءات، والأفكار الألفية، ثم تداخلت مع المصالح السياسية والاقتصادية البريطانية، قبل أن تجد لاحقًا صياغتها القومية والسياسية الحديثة.