الملف الصامت والنافذة المفتوحة : من نيويورك الى برلين .. الشبكة الخفية في غرف القرار وإعادة تشكيل السياسة الغربية
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
في الغرف التي لا تصل إليها الكاميرات ، لا تقاس التحولات السياسية بعدد المقاعد وحدها ولا تبدأ دائما عند صناديق الاقتراع ، فأحيانا يبدأ التحول قبل ذلك بكثير حين يظهر اسم جديد في مكان لم يكن متوقعا له أن يصل إليه ، وحين يتحول تاريخ عائلة هاربة من الحدود إلى بطاقة عبور نحو واحدة من أهم غرف القرار
ومن " نيويورك إلى برلين " يبدو أن ثمة مشهدا جديدا يستحق أن يوضع تحت الضوء ، ف " زهران ممداني " المولود في أوغندا من أصول هندية أصبح عمدة لنيويورك ، وفي ألمانيا صعدت " إيلِيف إيرالب " المولودة في برلين لأبوين لاجئين من تركيا إلى واجهة المشهد السياسي في العاصمة بعد أن حقق حزب اليسار نتيجة انتخابية تاريخية في انتخابات برلين ، نعم قد تبدو القصتان منفصلتين جغرافيا لكن السياسة لا تقرأ الجغرافيا وحدها بل تبحث عن الخيط الذي يربط الأحداث المتباعدة ، فهل بدأت الهجرة تتحول من ملف أمني واجتماعي إلى ورقة في إعادة تشكيل النخب السياسية الغربية؟
ان السؤال هنا يضعنا أمام التفكير بتحركات سياسية كبرى تجري في الظل ، فصعود هؤلاء السياسيين لا يأتي من فراغ ، لان السياسة الدولية تعرف نوعا آخر من النفوذ لا يحتاج إلى تعليمات مكتوبة ولا إلى اجتماعات سرية ، إنه نفوذ يتشكل طبيعيا من تراكم الهوية والذاكرة والشبكات الاجتماعية والقدرة على التواصل عبر الحدود ، لتصبح قصة اللاجئ بذلك أكثر تعقيدا من مجرد قصة نجاة ، حيث أن الأب الذي وصل حاملا حقيبة المنفى قد يكون ابنه بعد عقود جالسا في البرلمان ، والابن الذي ولد في مدينة غربية قد يصبح مسؤولا عن إدارة مدينة تمتلك تأثيرا يفوق في بعض الأحيان تأثير دول بأكملها ، عندها لا تختفي الدولة الأم من المشهد لكنها أيضا لا تملك بالضرورة هذا السياسي بل تقف أمام نافذة جديدة ، فوجود شخص ذي جذور تركية في قلب السياسة الألمانية أو شخص ذي جذور هندية وأفريقية في قمة السياسة المحلية الأمريكية ، يخلق طبقة من العلاقات الإنسانية والثقافية والسياسية العابرة للحدود ، وهذه الطبقة يمكن أن تتحول بمرور الوقت إلى قوة ناعمة وإلى قنوات اتصال وإلى جسور يصعب بناؤها عبر الدبلوماسية التقليدية وحدها ، وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية في الملف ، فالدول لا تحتاج دائما إلى أن تسيطر على الشخص كي تستفيد من وجوده .. احيانا تكفي الصورة بذلك
فأن يرى العالم ابن اللاجئ وهو يصل إلى السلطة يعني أن الدولة المضيفة تقدم رواية سياسية عن نفسها من أبوابها التي يمكن أن تتحول إلى مؤسسات ، ومن المهاجر الذي يمكن أن يتحول إلى مواطن ، والمواطن الذي يتحول إلى صاحب قرار ، وهذه الصورة ذاتها جزء من معركة النفوذ العالمي ، الا أن اللعبة لا تسير في اتجاه واحد ، حيث أن الدول الأصلية تستطيع أيضا أن تستفيد رمزيا من صعود أبنائها في الغرب ، لان كل شخصية تصل إلى موقع سياسي بارز تصبح بصورة مباشرة أو غير مباشرة جزءا من سردية الجالية وذاكرتها وعلاقتها ببلد المنشأ
لكن الرمز لا يعني " الولاء " وهذه نقطة يجب ألا تضيع وسط سحر الحكاية ، فممداني ليس بالضرورة امتدادا للسياسة الأوغندية أو الهندية ، وإيرالب ليست بالضرورة قناة للسياسة التركية ، فالأصل العائلي شيء والقرار السياسي شيء آخر ، وقد تكون مواقف السياسي تجاه الدولة التي ينحدر منها أسرته متعارضة معها تماما ، لذلك فإن الأكثر إثارة ليس السؤال عن : من يسيطر على من؟ بل السؤال عن من يستفيد من وجود شبكة بشرية تمتد بين عالمين؟ ، ففي أوروبا وأمريكا تتغير المدن قبل أن تتغير الخرائط الرسمية ، لان الجيل الثاني والثالث من المهاجرين يدخل الجامعات والنقابات والإعلام والأحزاب والبرلمانات ثم يصل بعضه بعد ذلك إلى مواقع السلطة ، وهكذا يحدث التحول بهدوء
فالمهاجر الذي كان بالأمس رقما في إحصاءات اللجوء يصبح اليوم رقما في معادلة الانتخابات ، والجالية التي كانت تبحث عن حماية مصالحها قد تصبح قادرة على التأثير في صياغة السياسات ، والمدينة التي كانت تستقبل المهاجرين قد تجد نفسها بعد عقود تُدار جزئيا بأيدي أبنائهم ، ومن هنا يصبح السكن وتكاليف المعيشة والفقر والخدمات أكثر من شعارات انتخابية ، إنها مفاتيح لفتح الأبواب أمام طبقة سياسية جديدة تستخدم قضايا المدينة المحلية لتصنع لنفسها شرعية تتجاوز أصولها
ومن " نيويورك إلى برلين " يظهر السؤال مجددا : هل نحن أمام نهاية السياسة التي كان فيها " المهاجر " موضوعا للقرار ، وبداية سياسة يصبح فيها " ابن المهاجر " جزءا من صناعة القرار؟ ، فإذا كان الأمر كذلك فإن الغرب لا يغير فقط وجه قياداته بل يعيد تعريف معنى النفوذ ذاته ، لأن النفوذ القادم قد لا يعبر البحر في سفينة ولا الحدود في طائرة ولا يظهر في وثيقة دبلوماسية ، فقد يولد في مخيم ثم يكبر في مدينة غربية ويدخل حزبا سياسيا ويصل إلى صندوق الاقتراع ثم يستيقظ العالم ذات صباح ليكتشف أن صاحب الماضي المهاجر أصبح يجلس في المكان الذي كانت القرارات تصدر منه
وهنا تحديدا يبدأ الجزء الأكثر غموضا من الملف وهو عندما يصبح أبناء المنفى مفاتيح لغرف القرار ، فمن الذي يملك مفاتيحهم؟ ، ومن جانب آخر قد يصبح السؤال نفسه قديما .. لان المفاتيح لم تعد في يد أحد بل في يد مدينة تغيرت بصمت ، ثم بدأت تغير السياسة معها لتصل إلى حساباتها المستقبلية .