خطاب الملك عبد الله بالأمم المتحدة.. حين تصبح الحقيقة أقوى من الرواية
رجا طلب
لم يكن خطاب الملك عبد الله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة مجرد خطاب أردني جديد عن فلسطين وغزة، فقد بدا أقرب إلى محاولة لإعادة ترتيب الرواية التي حكمت المشهد منذ السابع من أكتوبر 2023، ووضعها أمام العالم في سياق مختلف: سياق الاحتلال والقانون الدولي والحقوق الفلسطينية، لا في سياق الرواية الإسرائيلية وحدها.
الملك لم يتجاهل ما حدث في السابع من أكتوبر، لكنه رفض أن يتحول ذلك اليوم إلى "شيك على بياض" لكل ما جاء بعده من مآسٍ وجرائم، وهذه نقطة جوهرية في الخطاب، فإدانة ما جرى للإسرائيليين لا تعني في منطق الملك إسقاط حقوق الفلسطينيين أو تحويل الحرب المفتوحة على غزة إلى واقع بلا نهاية أو القبول به، بل إن السؤال الذي طرحه بصورة أكثر عمقًا كان: ماذا يحدث عندما يصبح الاستثناء قاعدة، والمؤقت دائمًا، والاحتلال سياسة مستمرة؟.
وهنا ظهرت إحدى أهم أفكار الخطاب: غزة والضفة الغربية ليستا قصتين منفصلتين، وإنما جبهتان لاستراتيجية إسرائيلية واحدة، ففي غزة، كما قال الملك، يجري السعي إلى محو الوجود الفلسطيني وفرض واقع جديد، وفي الضفة يجري التهجير والاستيطان والعنف وتغيير الحقائق على الأرض، والنتيجة السياسية واحدة: جعل قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة أمرًا شديد الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا، هذه المقاربة تضرب في العمق إحدى أهم الروايات الإسرائيلية، وهي أن غزة قضية أمنية منفصلة عن القضية الفلسطينية، وأن ما يجري في الضفة شأن أمني آخر، فالخطاب أعاد ربط الجغرافيا بالسياسة، وربط ما يحدث على الأرض بهدف سياسي أكبر، ألا وهو إعادة تشكيل فلسطين قبل أن تصل إلى طاولة التفاوض.
والأكثر دلالة أن الملك لم يكتفِ بوصف المأساة، بل انتقل إلى السؤال الذي يصعب على المجتمع الدولي الهروب منه، ألا وهو: إذا كان القانون الدولي موجودًا، فما قيمته إذا كانت الانتهاكات المتكررة لا يترتب عليها عواقب؟ وقال: إن المجتمع الدولي امتلك أدوات استخدمها في حالات أخرى، من العقوبات إلى العزلة الدبلوماسية وتجميد الأصول، لكنه لم يستخدمها بالفاعلية نفسها تجاه إسرائيل، ووصف غياب الفعل بأنه "اختيار" أدى إلى نشوء حالة من الإفلات من العقاب وصنع ما معناه دولة "مارقة"، وإن لم يستخدم المصطلح ذاته.
وهنا تكمن إحدى أكثر نقاط الخطاب واقعية: الملك لم يراهن على البيانات والقرارات وحدها، بل سأل عن آلية تحويل القانون الدولي من نصوص إلى أدوات ضغط وتنفيذ، كما لم يتوقف الأمر عند فلسطين، فالتحذير من أن الطموحات التوسعية الإسرائيلية لا تتوقف عند حدود فلسطين، وربط ذلك بسوريا وبالأمن الإقليمي، وهو ما يعكس قراءة أردنية تعتبر أن ما يجري ليس حربًا محلية يمكن احتواؤها، وإنما مسارًا قد يعيد رسم توازنات المنطقة كلها، وهو تحذير يتصل مباشرة بالأمن القومي العربي وبسيادة دول الجوار، إلا أن المهم أن الخطاب لم يطرح مواجهة إسرائيل عسكريًا بديلًا عن السياسة، بل عاد إلى فكرة الدولة الفلسطينية والحل القائم على مبدأ الدولتين، مقرونًا بالضغط السياسي والقانوني والإنساني، ورفض التهجير وتغيير الواقع بالقوة.
وهذه ليست لغة عاطفية؛ إنها محاولة لإبقاء المعركة داخل إطار الشرعية الدولية، حيث يصعب على إسرائيل أن تجعل روايتها الأمنية وحدها هي الرواية المعتمدة التي تتسيد الحالة الصراعية، فمنذ أكتوبر 2023، حاولت إسرائيل تقديم الحرب باعتبارها معركة أمنية فرضتها عليها هجمات حماس، وخطاب الملك لم ينكر أصل الحدث، لكنه وضع سؤالًا آخر في مواجهة هذه الرواية: هل يمكن أن يصبح حدث واحد مبررًا إلى ما لا نهاية لتدمير مجتمع كامل، وتهجير شعب، وتغيير جغرافيا، وإعادة تعريف مستقبل المنطقة؟
لهذا أعتقد أن القيمة السياسية الحقيقية للخطاب ليست في ارتفاع نبرته، وإنما في انتقاله من الاحتجاج إلى تفكيك المنطق الذي سمح باستمرار الأزمة: احتلال بلا نهاية، قرارات بلا تنفيذ، تهجير يوصف بأنه مؤقت حتى يصبح دائمًا، وحرب يُراد لها أن تُقرأ خارج سياق القضية الفلسطينية.
لقد وضع الملك عبد الله الثاني المجتمع الدولي أمام معادلة واضحة تقول: إذا كان العالم يريد شرق أوسط أكثر أمنًا، فلا يمكن أن يبني أمنه في ظل استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي، وإذا كان يريد منع انفجار إقليمي أكبر، فعليه أن يعالج أصل الأزمة لا أن يكتفي بإدارة نتائجها.
وهنا ربما كانت الرسالة الأعمق في الخطاب: المشكلة لم تعد في غياب الحلول، بل في غياب الإرادة لتنفيذها.