خطاب الملك في الأمم المتحدة.. الأردن يحضر بثقة ويصنع تأثيراً

بقلم: د.محسن أبوعوض

 

في زمنتتسارع فيه الأزمات، وتتداخلفيه المصالح الدولية،وتتراجع فيه مساحة اليقينأمام مشهد عالمي شديدالتعقيد، يأتي حضور جلالةالملك عبدالله الثاني فيالجمعية العامة للأمم المتحدةليؤكد أن الأردن،رغم محدودية مواردهوحجم اقتصاده، يمتلك ماهو أكثر أهمية:وضوح الموقف، وثبات الرؤية،والقدرة على مخاطبة العالمبلغة الدولة والمسؤولية.

 

لم يكنخطاب جلالة الملك أمامالأمم المتحدة مجرد خطابسياسي يعيد التأكيد علىالمواقف الأردنية تجاه القضاياالإقليمية، وإنما كان رسالةمتكاملة تضع الأردن فيقلب النقاش الدوليحول السلام والأمنوالاستقرار، وتؤكد أن مايحدث في المنطقةلا يمكن فصلهعن مستقبل النظامالدولي ومصداقية مؤسساته.

 

وقد جاءتالقضية الفلسطينية في صدارةالرسائل الملكية، انطلاقاً منموقف أردني ثابت يرىأن السلام الحقيقيلا يمكن أنيتحقق من دونإنهاء الاحتلال، وتحقيق حقوقالشعب الفلسطيني، والوصول إلى حلعادل وشامل يضمن قيامالدولة الفلسطينية المستقلة.

 

لكن أهميةالخطاب لا تتوقفعند مضمون الرسائلالسياسية؛ بل تمتدإلى طريقة إدارةالأردن لعلاقاته الدولية.

 

فلقاءات جلالةالملك مع عددمن رؤساء الدولوالحكومات والمسؤولين على هامش اجتماعاتالجمعية العامة شكلت، إلىجانب الخطاب، منصة واسعةلتبادل وجهات النظر وتعزيزالعلاقات الثنائية وبحث فرصالتعاون في المجالاتالسياسية والاقتصادية والاستثمارية والتنموية.

 

وهنا تظهرقيمة الدبلوماسية الملكية؛ فهي لاتكتفي بإيصال الرسالة الأردنية،وإنما تعمل في الوقتذاته على بناء شبكةمن العلاقات الدوليةالتي يمكن أن تتحولإلى فرص حقيقيةللأردن.

 

والأردن بفضلجهود جلالة الملك عبدالله الثاني بن الحسينيعتبر صوتالاعتدال في منطقةمضطربة

وفي محيطإقليمي مثقل بالحروب والأزمات،تزداد أهمية الدول التيتتمسك بالحوار، وترفض منطقالفوضى، وتسعى إلى خفضالتصعيد.

 

وقد كرّسجلالة الملك في خطابههذه الصورة للأردن،باعتباره دولة تسعى إلىالسلام والاستقرار، وتؤمن بأن الحلولالسياسية والدبلوماسية تبقى الطريق الأكثرقدرة على حماية الشعوبوالدول من دوامةالعنف.

وهذه الصورةليست مسألة سياسية فحسب؛فهي أيضاً رصيداستراتيجي للأردن.

فالدول والمستثمرونوالمؤسسات الدولية عندما يبحثونعن شريك فيالمنطقة، فإنهم لا ينظرونفقط إلى حجمالسوق، وإنما إلى الاستقرار،والثقة، والقدرة على بناءالشراكات، واحترام الالتزامات الدولية.

 

من المهمألا ننظر إلىالمشاركة الأردنية في الأممالمتحدة باعتبارها نشاطاً سياسياًمنفصلاً عن الاقتصاد.

فكل حضورسياسي فاعل للأردن علىالمستوى الدولي يمكن أنيفتح أبواباً جديدة للتعاونالاقتصادي والاستثماري، خصوصاً في قطاعاتالتكنولوجيا والطاقة والنقل والتجارةوالسياحة والتعليم.

والأردن يمتلكموقعاً جغرافياً يؤهله للقيامبدور مهم في حركةالتجارة الإقليمية، وهو ما يمكنالبناء عليه من خلالعلاقات دولية أكثر اتساعاًوشراكات اقتصادية أكثر عمقاً.

 

ومن هنا،فإن الرسالة التييحملها الأردن إلى العالمينبغي أن تكونواضحة:

 

(نحن دولة سلامواستقرار، ولكننا أيضاً دولةفرص واستثمار وشراكات).

 

وفي ملفالقدس والمقدسات الإسلامية والمسيحية،حافظ جلالة الملك علىالتأكيد على الوصاية الهاشمية،وعلى ضرورة احترام الوضعالتاريخي والقانوني القائم فيالمدينة المقدسة.

ويمثل هذاالملف أحد أكثر عناصرالسياسة الخارجية الأردنية ارتباطاًبالهوية الوطنية والدور التاريخيللأردن، كما يؤكد أنالدبلوماسية الأردنية لا تتعاملمع القدس باعتبارهاقضية سياسية عابرة، وإنماباعتبارها قضية ترتبط بالأمنوالسلام والاستقرار في المنطقةبأسرها.

 

ان الأهميةالحقيقية لأي خطاب دوليلا تقاس بعددالكلمات التي قيلت، وإنمابقدرته على ترك أثرفي النقاش الدوليوفتح مساحات جديدة للحواروالتعاون.

ومن هذهالزاوية، فإن حضور جلالةالملك في الأممالمتحدة ولقاءاته مع قادةالعالم يمثلان فرصة لتعزيزحضور الأردن في الملفاتالدولية، وتوسيع شبكة علاقاته،وتثبيت صورته كشريك موثوقوقادر على التواصل معمختلف الأطراف.

والتحدي الآنهو كيفية تحويلهذا الحضور السياسيوالدبلوماسي إلى مخرجات عملية:مزيد من الاستثمارات،وشراكات اقتصادية، وتعاون دولي،ودعم للمواقف الأردنية، وفرصجديدة للشباب والاقتصاد الوطني.

 

لقد أثبتالأردن على مدى عقودأن التأثير الدوليلا يرتبط دائماًبحجم الدولة أو إمكاناتهاالمادية.

 

فقد استطاعالأردن أن يحافظعلى حضوره فيأصعب الظروف، وأن يكونصوتاً للحوار والاعتدال، وأنيحظى بعلاقات واسعة معمختلف القوى الدولية.

 

ومن هنايمكن قراءة خطاب جلالةالملك في الأممالمتحدة باعتباره حلقة جديدةفي مسيرة طويلةمن الدبلوماسية الأردنيةالتي تقوم على الثباتفي المواقف، والانفتاحفي العلاقات، والاعتدالفي الخطاب، والواقعيةفي التعامل معالأزمات.

 

إن القيمةالأهم لهذا الحضور هيأن العالم يسمعالأردن مباشرة من قيادته،ويرى دولة تعرف ماتريد، وتدافع عن مصالحها،وتتمسك بثوابتها، وفي الوقتذاته تمد يدها للتعاونوالسلام.

 

وهذه هيالقوة الناعمة التي يمتلكهاالأردن، والتي ينبغي أننحسن استثمارها سياسياً واقتصادياًودبلوماسياً في المرحلةالمقبلة.

 

فالأردن قدلا يكون الدولةالأكبر مساحة أو سكاناًأو موارد، لكنهيستطيع أن يكوندولة ذات حضور وتأثيروثقة.

 

وهذه، فيعالم اليوم، ثروة وطنيةلا تقل أهميةعن أي موردآخر.