خطاب الملك ثلاث مستويات وقيمة متفردة

بهدوء

عمر كلاب

لا يمكن الولوج الى خطاب الملك امس امام الجمعية العامة للامم المتحدة, بمعزل عن الصورة التي نقلتها الكاميرا, وهي تتجول بين الوفدين الاردني والاسرائيلي, على وجه الحصر, حيث الارباك والارتباك على الوفد الصهيوني, الذي تعرض لا لقصف اخلاقي وسياسي وحسب, بل لتفنيد لكل الرواية والسردية الصهيونية امام العالم, وعلى الهواء مباشرة, كاشفا ليس عورات الحكومة الصهيونية, بل المنهج الصهيوني الذي يقوم على التدمير والقتل في غزة, وفرض واقع القضم والضم والقتل في الضفة, مسميا الاشياء باسمائها, تهجير قسري بكل المعاني والمضامين, اي جريمة حرب.

الصورة على قاطع الوفد الفلسطيني, لا تحتاج الى كثير تحليل, فحجم التصفيق والفرح الباديان على الوفد, تكفي لان تقول للملك, نطقت بصوت جهور وصدق منهجي منقطع النظير, وكشفت اخر ما تبقي من التوت على العورة الصهيونية, بشكل لا يقدر عليه زعيم لا يمتلك قوة الاخلاق التي تمتلكها, ولا يحظى بمثوقية وصدقية عالمية كما انت, موثوقية واخلاق عكستها الافعال والاقول, فمواقف الاردن وافعاله على الارض وفي كل محفل لا تحتاج الى من يؤدها فقد اكدت نفسها بنفسها.

ما قاله الملك امس, كلمة سياسية من العيار الثقيل, وكلمة اخلاقية ربما هي الوحيدة المتوافقة مع شعار الاجتماع الاممي اليوم, بناء الثقة واسترداداها, ولكن هيبتها ليست فقط مما سبق, هيبتها جاءت من تلويح الملك بالقوة لصد اي محاولة اعتداء او عدوان على الاردن, سواء كان هذه العنوان من بوابة التهجير القسري, او العبث بامن الاردن الاقتصادي والتجاري و الموارد في الطاقة او المياه, لغة اظن حكومة صهيونية لم تسمعها من قبل, وتأتي من اعلى منبر كوني وعليه, اي انها ايضا رسالة للعالم اجمع, نمتلك القوة ونمتلك الارادة, للرد والتصدي وتثبيت الحقوق باللغة التي تفهمها حكومة التطرف.

لم يقف الملك عند حدود فلسطين والاردن, كوصي على المقدسات الاسلامية والمسيحية, بل كزعيم يحمل الهلال والصليب, في ارض المسيحية وموطنها الاصلي, ووريث العترة النبوية الاسلامية, فخاض غمار حرب الشآم كلها, وهو يتحدث عن الجنوب السوري وحجم الاعتداءات عليه, ومضى كزعيم انساني, يتحدث عن اوجاع الناس الصادقة في كل العواصم التي تتعرض لقتل وتدمير وتهجير, ويرفض كل ظلم او اعتداء على الانسان من السودان الى اوكرانيا الى كل اصقاع العالم, فالانسانية لا تُجزأ, ووارث رسالة الانسانية ووريثها لا يغفل عن مظلوم, فهو حفيد نبي الرحمة.

منطلق يخلو من القوة, اقرب الى الحياد, والحياد في الوطن والارض والانسان, ارتجاف وضعف, وربما يصبح استجداء, لذلك لوّح الملك بصرامة وحسم, ومن منبر الكون وبحضور قيادات الكون, بالرد الحاسم, فمن يتسلح بقوة الاخلاق, متسلح ايضا بقو شعبه وجيشه, والجميع يعلم ان الاردني اذا انتخاه وطنه وقائده, لا ينظر الى الخلف ابدا, ولا يسمع الا صوت الوطن ليحافظ على ثراه وامنه واستقراره, فكلنا جيش في المواجهة او محاولة الانتقاص, وكلنا شعب في الرخاء لكن في الحالتين لا نقبل الردية ابدا.