الأردن يرفع سقف الرسالة
ثلاثة مستويات في خطاب الملك في الأمم المتحدة
من فلسطين إلى سوريا.. ومن الدبلوماسية إلى القوة
الملك لا يطلب من العالم أن يتفهم الأردن بل أن يفهمه
الانباط – عمر كلاب
لم يكن خطاب جلالة الملك عبدالله الثاني أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، أمس، مجرد عرض للموقف الأردني من حرب غزة أو من القضية الفلسطينية، ولا تكرارًا لما اعتاد الأردن قوله في المحافل الدولية. كان الخطاب، في جوهره، محاولة لرفع مستوى النقاش من سؤال الحرب الجارية إلى سؤال أخطر, ماذا يفعل العالم لمنع تحول نتائج هذه الحرب إلى واقع سياسي وجغرافي دائم؟
وهنا تحديدًا تكمن قيمة الخطاب, فالملك لم يكتف بوصف ما يجري، وإنما بدأ من فكرة تبدو بسيطة لكنها شديدة الدلالة سياسيًا, الانتباه. فما نختار أن نراه، وما نختار أن نتجاهله، يحدد في النهاية القضايا التي تتحرك من أجلها الدبلوماسية الدولية والقضايا التي تترك لمصيرها, وهذه ليست فكرة إنسانية فقط، بل فكرة سياسية بامتياز, فالمشكلة، كما قدمها الملك، ليست أن العالم لا يعرف ما يجري في غزة والضفة الغربية أو سوريا، وإنما أن العالم يعرف، ثم لا يفعل بالقدر الذي يتناسب مع خطورة ما يعرف.
غزة ليست كل القصة
كان يمكن للخطاب أن يتوقف عند غزة، كما تفعل معظم الخطابات السياسية التي تتناول الحرب، لكنه اختار أن يضع غزة والضفة الغربية في صورة واحدة, التدمير في غزة، والتهجير، ومصادرة الأراضي، والتوسع الاستيطاني والضم الفعلي في الضفة، ليست في القراءة الأردنية ملفات منفصلة، بل أجزاء من مسار واحد يمكن أن ينتهي إلى جعل قيام الدولة الفلسطينية القابلة للحياة أمرًا بالغ الصعوبة، إن لم يكن مستحيلًا.
وهنا يصبح الموقف الأردني أكثر من دفاع عن حل الدولتين باعتباره صيغة سياسية متفقًا عليها دوليًا, إنه دفاع عن الشروط التي تجعل الحل ممكنًا أصلًا, فالحديث عن دولة فلسطينية لا معنى له إذا جرى في الوقت نفسه تغيير الجغرافيا التي يفترض أن تقوم عليها، أو تفكيك اتصالها الجغرافي، أو دفع سكانها إلى الرحيل، أو تحويل الاستيطان إلى واقع نهائي, ولهذا كانت تسمية الأشياء بأسمائها في خطاب الملك جزءًا من المعركة السياسية نفسها؛ لأن اللغة ليست محايدة عندما تصبح وسيلة لتطبيع الوقائع, وإذا كان المجتمع الدولي لا يزال يقول إن حل الدولتين هو الطريق إلى السلام، فإن السؤال الذي طرحه الخطاب، بصورة مباشرة, من سيحمي ما تبقى من إمكانية هذا الحل؟
إسرائيل في فلسطين.. وسوريا في الحساب الأردني
لكن اللافت في الخطاب أنه لم يتعامل مع ما يحدث في فلسطين باعتباره الخطر الإقليمي الوحيد, ففي الجزء المتعلق بسوريا، رفع الملك مستوى التحذير بوضوح، واعتبر أن ما وصفه بالأطماع التوسعية للحكومة الإسرائيلية بات تهديدًا إقليميًا، محذرًا من انعكاسات ذلك على أمن الأردن، بما في ذلك أمنه المائي, وهنا ينتقل الخطاب من السياسة الخارجية إلى الأمن الوطني, فالأردن ليس دولة بعيدة عن هذه التطورات، ولا يستطيع التعامل معها بوصفها أحداثًا تقع خلف حدود الآخرين, الحدود الشمالية جزء من الأمن الأردني, والمياه جزء من الأمن الأردني, وأي تغيير في قواعد الجغرافيا الإقليمية ينعكس، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، على الأردن.
لم تكن العبارة الملكية بشأن حماية الحدود والمياه والمصالح الأردنية تفصيلًا في خطاب طويل، بل كانت واحدة من أكثر الرسائل أهمية فيه, فالملك يقول، عمليًا، إن الأردن يستطيع أن يكون طرفًا في السلام، لكنه لن يكون طرفًا في دفع ثمن سياسات الآخرين.
الدبلوماسية الأردنية ليست ضعفًا
الأردن، كما قدمه الملك، دولة تؤمن بالدبلوماسية والحوار، وتعمل مع مختلف الأطراف، وتتمسك بالسلام, لكن هذه الدبلوماسية لا ينبغي أن تُفهم على أنها ضعف, وهذه الرسالة موجهة إلى أكثر من طرف, إلى إسرائيل، حتى لا تُقرأ الرغبة الأردنية في الاستقرار باعتبارها استعدادًا لقبول أي واقع جديد, وإلى المجتمع الدولي، حتى لا يُفهم تمسك الأردن بالقانون الدولي والحوار على أنه عجز عن حماية مصالحه, وإلى الإقليم، بأن الأردن يريد أن يبقى دولة استقرار، لكنه يعرف أيضًا كيف يحمي حدوده ومصالحه.
هذه نقطة تستحق التوقف, الدولة التي تختار الدبلوماسية ليست بالضرورة الدولة الأقل قدرة على استخدام القوة, أحيانًا تكون الدبلوماسية هي الخيار الذي تستخدمه الدولة القوية قبل أن تضطر إلى خيارات أخرى, والأردن، بحكم تجربته الطويلة، يعرف أن قوته لا تقاس بحجمه الجغرافي أو الاقتصادي فقط، وإنما أيضًا بقدرته على بناء المصداقية، وإدارة علاقاته، وحماية حدوده، والاحتفاظ بشبكة واسعة من العلاقات والتحالفات.
الخطاب لم يحصر البعد الأخلاقي في فلسطين, انتقل الملك إلى سوريا، والسودان، وأوكرانيا، وإلى ضحايا الحروب والنزاعات في أماكن مختلفة, وهنا تظهر فلسفة أوسع في الخطاب الإنسانية لا تتجزأ, لا يمكن أن يكون قتل المدنيين جريمة في مكان، ثم يصبح «أمرًا معقدًا» في مكان آخر, ولا يمكن أن يكون تهجير السكان مرفوضًا في أزمة، ثم يصبح مقبولًا عندما تتغير هوية الضحية أو موقعها الجغرافي, وهذه ليست مثالية سياسية, إنها محاولة لاستعادة معنى القانون الدولي نفسه، الذي يفقد قيمته عندما يصبح تطبيقه انتقائيًا, ومن هذه الزاوية، فإن حضور الأردن في الخطاب الدولي لا يقوم فقط على موقعه الجغرافي أو علاقاته، وإنما أيضًا على تقديم نفسه باعتباره دولة تستند إلى منظومة من المبادئ التي تقول إنها لا تتغير بتغير القضية.
القوة الأخلاقية تحتاج إلى قوة تحميها
لكن لا ينبغي أن نقع في فخ تحويل الخطاب إلى مرافعة أخلاقية فقط, فالسياسة الدولية لا تتحرك بالأخلاق وحدها, والحدود لا تحميها البيانات, والمياه لا تصان بالخطب, والأمن القومي يحتاج إلى قدرة سياسية وعسكرية واقتصادية ودبلوماسية, ولهذا كانت الإشارة الملكية إلى حماية الأردن لحدوده ومياهه ومصالح شعبه مهمة للغاية, القوة الأخلاقية تصبح أكثر تأثيرًا عندما تقف وراءها دولة تملك إرادة حماية مصالحها, وهنا تحديدًا تتكامل عناصر الخطاب الثلاثة, أخلاق ترفض الظلم, وسياسة تدفع باتجاه الحل, وقوة تقول إن للأردن حدودًا لا يسمح بتجاوزها.
وهذه ليست لغة حرب, بل هي، في جوهرها، لغة دولة تعرف ماذا تريد، وماذا ترفض، وما الذي يمكن أن تفاوض عليه، وما الذي لا يمكن أن يكون محل تفاوض.