جو حطاب وزيارة ثانية إلى السلط مدينة لا تُروى حكايتها من الزيارة الأولى

الأنباط – عمر الخطيب
هنالك مدن لا تكفيها عدسة ولا تختصرها زيارة ولا تمنحك حكايتها كاملة من اللقاء الأول، والسلط واحدة من تلك المدن.
لذلك أظن أن زيارة جو حطاب اليوم لم تكن سوى بداية لحكاية تستحق أن تُروى على مهل، فالسلط حين تراها للمرة الأولى تلفت انتباهك بحجرها الأصفر وبيوتها العتيقة وأدراجها وحاراتها لكن كلما اقتربت منها أكثر اكتشفت أن أجمل ما فيها لا يظهر من النظرة الأولى.
فالمدينة ليست حجارة صامتة وإنما ذاكرة حيّة في أبوابها وحاراتها وبيوتها تفاصيل مرت عليها أجيال، وفي شوارعها حكايات لا يمكن أن تلتقطها الكاميرا وحدها، تحتاج إلى أن تمشي قليلا وأن تنظر أكثر وأن تجلس مع أهل المكان حتى تبدأ الصورة الحقيقية بالظهور.
وأهل السلط جزء أساسي من هذه الصورة، فالكرم هنا ليس تفصيلا يُضاف إلى الزيارة وإنما هو جزء من شخصية المدينة، استقبال الضيف والقهوة والحديث والحرص على أن يرى القادم أجمل ما في المكان؛ كلها تفاصيل ربما تبدو بسيطة لكنها في النهاية ما يجعل للمدينة روحا لا تشبه سواها.
وجو حطاب، الذي جاء ليكتشف السلط بعدسته رأى اليوم شيئا من هذه الحكاية لكنه بالتأكيد لم يرها بأكملها، بقيت تفاصيل كثيرة تنتظر عودته؛ أماكن لم تُكتشف وحكايات لم تُروَ، ووجوه تستحق أن تكون جزءا من الصورة.
ثم إن للسلط مشهدا آخر لا يمكن أن يمر عليه الزائر مرورا عابرا من مرتفعاتها تتسع الرؤية وتظهر المدينة ممتدة على سفوحها فيما تأخذ العين طريقها نحو الأفق باتجاه فلسطين، هناك يصبح للمكان معنى آخر؛ فالجغرافيا نفسها تحمل ذاكرة والمشهد الذي تراه العين يضيف إلى حكاية السلط بُعدا يتجاوز حدود المدينة.
لهذا فإن الحديث عن زيارة أخرى لجو حطاب إلى السلط لا يبدو بالنسبة لي مجرد استكمال لما لم يتسع له الوقت اليوم وإنما فرصة لأن تُرى المدينة كما تستحق بوقت أطول وبمساحة أكبر للتفاصيل وبعين لا تبحث عن الصورة الجميلة فقط وإنما عن القصة التي تقف خلفها.
ربما لم يغادر جو السلط اليوم وقد اكتملت لديه الحكاية، لكنه غادر وفي ذاكرته ما يكفي ليعود إليها وهذا في حد ذاته جميل؛ لأن بعض المدن تشعر بعد مغادرتها بأن هناك شيئا بقي منك فيها أو بقي منها فيك، ولعل الموعد القادم يكون أطول فتأخذ السلط وقتها في أن تقول ما لديها وتأخذ أنت وقتك في أن تسمعها.