في جدل الانتخابات الفلسطينية


توفيق ابو ارشيد

وضع المرسوم الرئاسي الفلسطيني للانتخابات ( تموز 2026 ) الساحة الفلسطينية في جدل كبير. فالدعوه للأنتخابات التشريعية والمجلس الوطني أعادت خلط الاوراق التي كانت قد أصطفت أقلها منذ السابع من أكتوبر بشكل يوحي ان فرزاً واضحاً قد تبلور بين قوىً عديده, قوى المقاومة وانصارها من جهة والسلطة واتباعها في الجهة المقابله. واللافت ان الدعوة للانتخابات صدرت في وقت لم تهدأ فيه آلة القتل الصهيونية بل ازدادت وحشية رغم اتفاقات (وقف أطلاق النار ) في غزة ولبنان وتمدد التوحش الصهيوني بشكل أكبر مما كان عليه في الضفة الغربيه والقدس ووصل الى سوريا واليمن ثم أيران.
لم يجادل أحد حتى من أوساط السلطة ان هذه الدعوة من الرئيس عباس جاءت أستجابة لمطالبات من عدة أطراف تمثلت في:
1- مطالبات بعض الاوروبيين للسلطة بتجديد شرعيتها
2- مطالبة الولايات المتحدة للسلطة باصلاح وتجديد نفسها
3- مطالبة بعض القوى الاقليميه للسلطه بضرورة التجاوب مع الولايات المتحده والاوروبيين.
أي ان هذه الدعوه لم تكن استجابة من الرئيس عباس لمطالبات شعبه او نزولاً عند استحقاقات يفرضها النظام السياسي الفلسطيني , اذ انه سبق له على مدى عشرين عاماً وبظروف أفضل من هذه بكثير, ان ضرب بعرض الحائط بمطالبات الشعب الفلسطيني واستحقاقات النظام السياسي الفلسطيني.
وليس صعباً تفكيك دوافع هذا المرسوم. فالاوروبيين الذين قدموا مساعدات للسلطه بعد اتفاق أوسلو
(واعترافها باسرائيل على 80% من ارض فلسطين).. تلك المساعدات التي قُدمت لتشجيع وتقوية السلطه المتعاونة مع اسرائيل, بات صعباً عليها تحدي الولايات المتحده ونتنياهو حتى في تقديم مساعدات للفلسطينيين في المساحة المتبقيه من الارض. لذلك فهي تحاول ان تربط أي مساعدات محتمله بمزيد من التكيّف الفلسطيني مع نتنياهو والولايات المتحده والظهور- امام العرب والفلسطينيين - بمظهر من يحمل مشروعاً داعماً لحل الدولتين وتبرر بالتالي تراجعها هذا بضرورة تجديد الشرعية الفلسطينيه المتهالكه.
اما الولايات المتحده المتساوقه مع المشروع الصهيوني بكامل يمينيته, فهي تختبئ خلف ما تراه فساداً في السلطه لأقصاء أي طرف فلسطيني – حتى لو كان متعاوناً - نزولاً عند رغبة اسرائيل واللوبي الاسرائيلي الامريكي . وتطالب السلطة كذباً باصلاح نفسها (وتجديد ) قوامها علّها تجد لها دوراً ما في مشاريعها في غزه.
اما الاطراف الاقليميه والعربية بالذات فليس لها سوى ان تضغط لتجديد شرعية السلطه استجابه للاطراف الدوليه ومساهمة في مسرحيتها.
وجاء المرسوم الانتخابي على مقاس الفريق المتحكم بالسلطة ومنظمة التحرير وأيضاً الاطراف الدوليه والعربية على أمل ان توافق ( أسرائيل ) على السماح بالانتخابات التي لن تشكل أي تهديد لها وستُبقي مخرجاتها الوضع الفلسطيني على حاله.
لم يحصل ابداً ان فُرض سياسياً على مرشحين لبرلمان محلي او وطني ان يُقروا مقدماً بالتزامهم بالسياسه التي يمارسها رجالات العهد القائم. وفي قضية شعب تحت الاحتلال او مهجّر تبدو مثل هذه الالتزامات ضرباً من العبث او لتفريغ العملية الانتخابيه من بعدها السياسي لتستحيل الى تبديل وجوه بوجوه أخرى من نفس اللون.
هل يوافق شعب الشهداء وقادة أكبر مقاومة مستحيلة في التاريخ على ذلك؟
ثم دعونا نرى التفصيل الاغرب الذي لا يقلب معادلة الممكن وغير الممكن في ظروف أماكن تواجد الفلسطينيين فحسب وانما يولد انقسامات جديده. يطالب المرسوم بأجراء الانتخابات فعلياً في الضفه الغربيه وغزه والقدس , وهذه المناطق التي تشهد في هذا الوقت أشتداد العدوان عليها, يبدو أجرائها تقنياً أصعب من أي وقت مضى بسبب العدوان المستمر من جهه وتمزيق التواصل فيما بينها. بينما من الممكن اجراء الانتخابات في دول الطوق وبقية الشتات. ففي الاردن ولبنان وسوريا يمكن الوصول قطعاً بقليل من الجهد مع (الأونروا ) والحكومات لكشوفات الهيئة الناخبه. فهناك – في مناطق اللجوء والشتات - لا تدور معارك دم وجودية ميدانيه بل ان قليل من الضغط يمكن ان يسهّل تنظيم مثل هذه الانتخابات .. وهنا ليس صعباً ايضاً الكشف عن دوافع الاحجام الحقيقية لعدم بذل اي جهد لتنظيم انتخابات للمجلس الوطني في مناطق اللجوء والشتات. فالدافع الحقيقي خلف ذلك هو عدم ضمان نتائج هذه الانتخابات.
هل الدعوه للانتخابات في الضفه وغزه والقدس وتحت هذه الظروف تحدياً للاحتلال واحراجاً له وللمجتمع الدولي ؟ التحدي ينبغي ان يكون لمقاومة الاحتلال وحشد الطاقات والجهود لمواجهة جيش الاحتلال ومستوطنيه ميدانياً في معركة الدم والوجود وليس للمناوره السياسيه الخائبه معه.
لقد سُمح لهذه الدعوة وهذا المرسوم ان يمرا دون حوار وطني حقيقي طالبت به الاوساط الفلسطينيه المدنيه والشعبيه والفصائل. ووضع الجميع من جديد امام معضلة التفرد والهيمنه على القرار الفلسطيني.
لقد جادل الفلسطينيون منذ سنوات طويله حول التمسك بالوحده الوطنيه, وفي كل مرة يشتعل النقاش حول مسائل سياسيه ووطنيه هامه, يُشهر بالوجوه شعار ( الوحده الوطنيه ) الى ان ينتهي الامر بالتسليم لقيادة فتح ومنظمة التحرير المدعومه من النظام الرسمي العربي بما تريد ويحصل الشعب الفلسطيني على ( وحدته الوطنيه ) بثمنٍ سياسي غالٍ. وبقيت توهمات مثل ان يُقدِم الشعب الفلسطيني نفسه للعالم كشعب واحد له مؤسسات دوله ويُجري انتخابات ( ديمقراطيه ) او توافق وطني تسيطر على العقل السياسي الفلسطيني. وحتى في محطات مفصليه مثل توقيع ( أتفاق أوسلو) الذي كان وحده أكثر من كافٍ لتقتنع النخب الفلسطينيه ان هذا الاتفاق الفضيحة لا يلزمها وعليهم التوجه بصدق لبناء منظومة قياديه جديده تقود الكفاح الفلسطيني وتسعى الى حشد طاقات شعبها بعيداً عن منظمة التحرير المحبوسه في أدراج السلطه وبعيداً عن القيادة التقليديه, ورغم هذا الاتفاق المشؤوم لم يحصل شيء. ولم يفلح الفلسطينيون الرافضون للاتفاق في الابتعاد عن قيادة تنتهك ثوابت الشعب الفلسطيني وتهدر تضحياته وتكشف عن عقلية أقلها انها جاهلة في فهم مشروع أعدائها. ولم تنتبه النخب الفلسطينيه, ان جزء لا يستهان به من الشعب الفلسطيني قد أعطى حركة سياسيه مثل ( حركة حماس ) الثقه والدعم في حين تضاءل الدعم المقدم لحزب السلطه الى حدود التلاشي, أي ان الشعب الفلسطيني مستعد الى الابتعاد عن التعويل على قيادته ( التاريخيه ! ) لصالح حراك كفاحي أكثر صدقاً ووطنيه. وبعكس ذلك تم جر حركة ( حماس ) الى المصيده المسماه ( الوحده الوطنيه ) لتعود الدوامه من جديد يتحكم بها رئيس السلطه دون غيره. ولغاية الآن لم تشأ النخب الفلسطينيه ان ترى حركتها الوطنيه برأسين, رغم ان تاريخ الشعوب وحركات التحرر طالما ظهر لديها في مراحل عده نوعين او فريقين من القياده دون ان يتأثر كفاحها وحراكها في القضايا الوطنيه والمصيريه.
كان يجب ان يتم رفض مراسيم الرئيس الملغومه والمفخخه ولا يتم التفاعل معها, وان تسعى الاوساط الوطنيه من فصائل مقاومه وحراكات شعبيه ومدنيه الى ابعاد الرئيس وفريقه والسعي الى انشاء جبهة وطنيه فلسطينيه أو قيادة فلسطينية أخرى يتطلع اليها الشعب الفلسطيني تقود كفاحه وتجنبه شرّ التشتت والحيره ويتجمع تركيزه وجهده باتجاه مقاومة الجيش الفاشي الصهيوني والمستوطنين الاكثر فاشيه ودعم الثبات في الارض ونجدة غزه ولمملمة ومتابعة الشتات الذي هو بحاجه الى الدعم والتنظيم في وقت استثنائي وفره له أنكشاف الوجهه الحقيقي الفاشي لعدوه على المستوى العالمي.
ان الدعوة لهذه الانتخابات في نوفمبر القادم ليست ما رغب به الشعب الفلسطيني بما هي ليست أولويه على ما يواجهه شعبنا في الداخل ولا تأتي بما يحتاجه شعبنا في مناطق اللجوء والشتات بما يحاك له من مصادرة حقوقه في التمثيل عبر التعيين والانتقائيه تحت أسم المجمّعات الانتخابيه البائسه. ولا هذه الوحدة الوطنية التي ينشدها وتقوم على التنازل لقياده فلسطينيه لا تحسن سوى التنازل عن ثوابت شعبنا والتساوق مع أعدائه وداعميه ورعاته.
 
* أمين سر لجنة المتابعة - المؤتمر الشعبي الفلسطيني-14 مليون