توجيهات ولي العهد للحكومة.. من إدارة تداعيات الأزمة إلى بناء القدرة على مواجهتها
د. خالد العاص
لم يكن ترؤس نائب جلالة الملك، سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد، جانبا من جلسة مجلس الوزراء يوم أمس الأربعاء، مجرد متابعة لعدد من الملفات الحكومية، بل عكس توجهاً واضحاً نحو رفع جاهزية الدولة للتعامل مع التحديات الاقتصادية والإقليمية، بالتوازي مع الدفع باتجاه تحديث أدوات العمل الحكومي وتحسين أثره على حياة المواطنين.
الملفات التي تناولها الاجتماع، من سلاسل التوريد والمخزون الاستراتيجي إلى السياحة والانفتاح الاقتصادي والتحول الرقمي والذكاء الاصطناعي، تبدو في ظاهرها متباعدة، لكنها تلتقي عند هدف واحد، تعزيز قدرة الدولة على مواجهة الضغوط والاستفادة من الفرص وتحويل الأولويات الوطنية إلى نتائج ملموسة.
الدعوة إلى التعامل مع سلاسل التوريد باعتبارها أولوية وطنية، والحفاظ على مخزون استراتيجي من المواد والسلع الأساسية، تعكس إدراكاً لتأثير التطورات الإقليمية على الاقتصاد الأردني، وفي ظل منطقة تشهد اضطرابات متلاحقة، فإن ضمان استمرار تدفق السلع والمواد الأساسية لم يعد مسألة تجارية فحسب، بل أصبح جزءاً من منظومة الأمن الاقتصادي، خصوصاً أن أي اضطراب في خطوط الإمداد يمكن أن ينعكس سريعاً على الأسواق والأسعار وحياة المواطنين.
ومن الملفات اللافتة في حديث ولي العهد، التأكيد على مواصلة البناء على الجهود الملكية في فتح آفاق سياسية واقتصادية مع مختلف دول العالم. المطلوب هنا لا يقتصر على توسيع العلاقات الدولية، وإنما تحويل هذا الانفتاح إلى فرص اقتصادية حقيقية، سواء من خلال جذب الاستثمارات، أو فتح أسواق جديدة أمام المنتجات الأردنية، أو تعزيز التعاون في قطاعات واعدة، بما ينعكس على الاقتصاد وفرص العمل.
وفي قطاع السياحة، تبرز الحاجة إلى معالجة مجموعة من التحديات التي تتجاوز أعداد الزوار إلى طريقة إدارة المواقع السياحية وتجربة السائح والأسواق المستهدفة؛ فالأردن يمتلك مقومات سياحية متعددة، إلا أن الحفاظ على تدفق السياحة الوافدة يتطلب تنويع الأسواق وعدم الاعتماد على نطاق محدود من الزوار، إلى جانب تحسين الخدمات في المواقع السياحية والارتقاء بتجربة الزائر، وهذا يعني أن السياحة يجب أن ينظر إليها باعتبارها قطاعاً اقتصادياً متكاملاً، قادراً على توليد فرص العمل وتحريك قطاعات النقل والضيافة والتجارة والخدمات.
الشق الآخر من الاجتماع حمل عنواناً مختلفاً لكنه لا يقل أهمية، تمثل في التكنولوجيا والبيانات والذكاء الاصطناعي، والحديث عن تطوير التجارب الناجحة، مثل مركز الصحة الرقمية وتطبيق "سند"، ما يعكس اتجاهاً نحو جعل التحول الرقمي جزءاً أساسياً من علاقة المواطن بالدولة.
لكن الأهم هو الدعوة إلى تحسين إدارة البيانات الحكومية والاستفادة منها في التحليل واستخلاص المؤشرات ودعم اتخاذ القرار، وهنا يكمن أحد أهم تحديات الإدارة الحديثة؛ فامتلاك البيانات وحده لا يكفي، ما لم تكن هذه البيانات دقيقة ومنظمة وقابلة للتحليل والاستخدام.
وبين مختلف الملفات التي نوقشت، تبدو كلمة "التنفيذ" هي العنوان الأكثر أهمية؛ فالأردن يمتلك خططاً وبرامج وأهدافاً في قطاعات عديدة، لكن التحدي يكمن في ضمان انتقالها من مستوى التصور إلى مستوى الإنجاز، ولهذا فإن ربط الخطط بأطر زمنية واضحة، وتحديد المسؤوليات ومؤشرات الأداء، يمكن أن يشكل عاملاً أساسياً في تقييم مدى تقدم الحكومة في الملفات التي تتصدر الأولويات الوطنية.