هل موقعك بين النجوم… أم بين الكواكب… أم في قلب المجرّات؟

بقلم: الدكتورة إيمان أمين الشمايلة

في هذا الكون الواسع، لا أحد يسأل النجم عن صوته، ولا الكوكب عن عدد الذين رأوه، ولا المجرة عن مقدار المسافة التي تفصلها عن العابرين.
كلّ جرمٍ في السماء يعرف موضعه، ويمضي في مداره دون أن يستأذن أحدًا في وجوده.
لكن الإنسان… كثيرًا ما يقضي عمره يبحث عن موقعه.
يسأل:
أين أنا؟
بين مَن أقف؟
ومَن يراني؟
ومَن يعترف بي؟
وهل وصلت إلى المكان الذي يليق بي؟
وربما كان السؤال الأعمق مختلفًا تمامًا:
هل موقعك بين النجوم… أم بين الكواكب… أم أنك ما زلت تبحث عن مجرّتك؟
فالنجوم كثيرة، لكنها ليست سواء في اللمعان.
والكواكب كثيرة، لكن لكل واحد منها مدار.
أما المجرّات، فلا تُقاس بما يلمع فيها فقط، بل بما تحتويه من عوالم لا تُرى من النظرة الأولى.
وهكذا هم البشر.
منهم مَن يعيش حياته كنجمة؛ يريد أن يُرى.
ومنهم مَن يعيش ككوكب؛ يعرف مداره، ويحافظ على توازنه، ولا يحتاج إلى أن يثبت وجوده كل صباح.
ومنهم مَن يصنع حوله مجرّة كاملة؛ أفكارًا، وأشخاصًا، ومشروعات، وذكريات، وأثرًا يبقى حتى بعد أن يغيب عن المشهد.
وهنا يكمن الفرق.
ليس كل مَن لمعَ كان نجمًا عظيمًا، وليس كل مَن ابتعد عن الأضواء كان صغيرًا.
فبعض أعظم الأشياء في الكون لا تُرى بالعين المجردة.
وبعض أعظم البشر كذلك.
قد ترى إنسانًا في الصفوف الأولى، فتظن أن مكانه هناك لأنه أكثر أهمية. ثم تكتشف أن الضوء أحيانًا لا يدل على القيمة، بل يدل فقط على أن صاحبه يقف في المكان الذي تصله الأضواء.
وقد ترى آخر يمشي بهدوء، لا يرفع صوته، ولا يزاحم أحدًا، ولا يطلب أن يُصفَّق له؛ ثم تكتشف بعد سنوات أن كثيرًا من الطرق التي عبرها الآخرون كانت قد بدأت من فكرة قالها هو ذات يوم.
فليس السؤال: كم يراك الناس؟
بل: ماذا يحدث للأشياء حين تمر من عندك؟
هناك من يدخل حياة الناس فيترك ضجيجًا.
وهناك من يدخلها فيترك أثرًا.
والفرق بينهما كالفرق بين شرارةٍ تلمع للحظة، وشمسٍ تمنح الضوء دون أن تسأل مَن ينظر إليها.
ولعل أجمل ما يمكن أن يتعلمه الإنسان من السماء أن الأجرام العظيمة لا تتصارع على المواقع.
النجم لا يحاول أن يصبح كوكبًا.
والكوكب لا يغادر مداره ليُثبت أنه مجرّة.
والمجرة لا تحتاج إلى أن تشرح للكون أنها كبيرة.
كل شيء يعرف قيمته حين يعرف مداره.
ولهذا، ربما لا تحتاج في هذه الحياة إلى أن تبحث عن مكانٍ في سماء الآخرين.
ربما تحتاج فقط أن تعرف سماءك أنت.
أن تعرف أين تضع قدمك، ومتى تتقدم، ومتى تصمت، ومتى تغادر، ومتى تتمسك بمكانك رغم محاولات الآخرين تغيير مدارك.
فالحياة لا تمنح الجميع المدار نفسه.
هناك من خُلق ليبدأ فكرة.
ومن خُلق ليكمل طريقًا.
ومن خُلق ليحمي بيتًا.
ومن خُلق ليعلّم جيلًا.
ومن خُلق ليترك وراءه سؤالًا يغيّر طريقة الناس في التفكير.
ومنهم مَن لا يعرف قيمة أثره إلا بعد سنوات، حين يجد أن شيئًا جميلًا في حياة الآخرين يحمل، بطريقة ما، جزءًا من بصمته.
فلا تقارن مدارك بمدار غيرك.
قد يكون الذي تظنه متقدمًا عنك يسير في طريق لا يشبه طريقك أصلًا.
وقد يكون تأخرك الظاهري هو المسافة التي احتجت إليها كي تنضج.
وقد يكون ابتعادك عن بعض الأماكن هو بداية اقترابك من مكانك الحقيقي.
إن الكون لا يضع الشمس في مكان القمر، ولا يطلب من البحر أن يصبح جبلًا، ولا من الجبل أن يتحول إلى نهر.
فلماذا يصرّ الإنسان على أن يصبح نسخةً من غيره؟
كن أنت.
لكن لا تكتفِ بأن تكون موجودًا.
كن ذا أثر.
فالموقع الحقيقي للإنسان ليس في قائمة المشاهير، ولا في مقدمة الصفوف، ولا في عدد العيون التي تراقبه.
موقعه الحقيقي في تلك المساحة الخفية التي يتركها خلفه في حياة الآخرين.
قد يغيب الاسم، ويبقى الموقف.
وقد تنسى الوجوه، وتبقى كلمة.
وقد ينتهي اللقاء، ويبقى أثر إنسانٍ لم يعرف يومًا أنه غيّر حياة شخص آخر.
وهنا تبدأ المجرّة الحقيقية.
حين لا يصبح حضورك مجرد ضوءٍ يراه الناس، بل يصبح جاذبيةً تصنع حولها حركةً جديدة.
فاسأل نفسك اليوم، لا أين يقف الآخرون منك، بل:
أين أقف أنا من نفسي؟
هل أعيش لأُرى؟
أم أعيش لأصنع أثرًا؟
هل أبحث عن مكان بين نجوم الآخرين؟
أم أبني سمائي الخاصة؟
وهل أنت مجرّد جرمٍ يدور في فلكٍ رسمه الآخرون لك…
أم أنك بدأت أخيرًا تكتشف مدَارك؟
في النهاية، ربما لا يكون أعظم إنجاز للإنسان أن يصل إلى أعلى السماء.
بل أن يعرف، بعد كل ما مرّ به، أي سماءٍ تستحق أن ينتمي إليها.