في هندسة أمن الجزيرة

د. حازم قشوع

مع دخول المشروع الصيني «حزام الطريق» حيز التطبيق، يعاد رسم الخطوط الاستراتيجية الدولية عبر ممرات الطاقة، وهذا ما جعل الصين تعيد رسم سياستها استناداً إلى ذلك، حيث قامت ببناء شراكات استراتيجية للغاز المسال مع كندا، كما عملت على إنشاء مشروع مرجان مع السعودية، وراحت لعقد مشروع للغاز المسال في قطر تقدر قيمته بأربعة مليارات، تزامناً مع إعادة انتشار «سنتكوم» من قاعدة العديد إلى الأردن، وهذا ما جعل المنطقة تدخل في بناء مربعات جديدة، ناقلة بذلك نقطة الاشتباك من هرمز إلى باب المندب المرتبطة عضوياً مع قناة السويس.

وعليه، فلا يمكن فصل هذا التحول عن إعادة ترتيب الأولويات بين القوى الكبرى، فزيارة الرئيس الصيني شي جين بينغ المرتقبة إلى البيت الأبيض خلال هذا الشهر تسبق اللقاء الثلاثي المنتظر بين شي وترامب وبوتين في نوفمبر المقبل، الأمر الذي يجعل مرحلة ما قبل القمم مرحلة تفاوض على جدول الأعمال قبل بيان مخرجاته. فملفات الطاقة والممرات التجارية والأمن البحري لم تعد ملفات اقتصادية منفصلة، وإنما أصبحت جزءاً من التفاوض على توزيع النفوذ ومصادر القوة، وهو ما يفسر اتساع حركة الاتصالات والتحضيرات السابقة للقاءات القادة.
وعلى هذا الأساس، فإن هرمز وباب المندب وقناة السويس لا ينبغي قراءتها كنقاط جغرافية منفصلة، وإنما كخط استراتيجي واحد تتحرك عبره الطاقة والتجارة. هرمز يمثل بوابة الخليج، وباب المندب بوابة البحر الأحمر، وقناة السويس بوابة العبور إلى المتوسط؛ ولذلك فإن انتقال الضغط من هرمز إلى باب المندب يعني إعادة توزيع نقطة التأثير على الخط نفسه، وليس انتهاء الأزمة عند نقطة وتحولها إلى نقطة أخرى.

وهنا تتغير طبيعة الأمن نفسه فالممرات البحرية أصبحت جزءاً من معادلة القوة، والطاقة أصبحت أداة تأثير، والموانئ أصبحت نقاط ارتكاز، وأي اضطراب في واحدة منها يمكن أن ينتقل إلى الاقتصاد ثم إلى القرار السياسي. لذلك لم تعد حماية الجزيرة العربية مسألة حدود برية، وإنما حماية منظومة حركة تشمل الطاقة والملاحة والتجارة وسلاسل الإمداد، في ظل تقاطع مصالح مرجعية التأمين الدولية مع الرسوم التي تجنيها دول الممرات، وهو ما أدى إلى تنامي أساطيل الظل ذات الخطورة والمغامرة، وهي المحصلة التي جعلت من ممرات النقل والتنقل معضلة حقيقية لحركة التجارة الدولية، وإن كانت شركات التأمين ذات المرجعية البريطانية ما زالت تمتلك كامل مفاتيحها التسعيرية، وبالتالي عوائدها الاستراتيجية، الأمر الذي ينتظر أن يزيد من حالة التضخم، لا سيما على المجتمعات المستهلكة.

وفي هذا السياق تأتي التحركات العسكرية والسياسية الأخيرة  فاللقاءات المرتبطة بـ«سنتكوم»، والاتصالات السعودية الأميركية، والتحرك السعودي نحو مصر، ثم زيارة الملك عبدالله الثاني إلى الإمارات، تعكس اتساع دائرة التنسيق حول أمن المنطقة. ودلالة هذه التحركات ليست في كل لقاء منفرداً، وإنما في تقاطعها حول جغرافيا واحدة تمتد من الخليج إلى البحر الأحمر، حيث أصبح أمن هرمز مرتبطاً بأمن باب المندب، وأصبح أمن باب المندب مرتبطاً بقناة السويس وبحركة التجارة والطاقة.

ومن هنا تعود أهمية الدعوة الأردنية إلى تشكيل قوة إقليمية ردعية، ليس باعتبارها إطاراً لإنشاء جبهة حرب، وإنما باعتبارها آلية لمنع انتقال الصراع بين الممرات. فالردع في هذه الحالة يقوم على رفع كلفة استهداف المصالح الحيوية، وحماية الممرات، ومنع انتقال التهديد من الخليج إلى البحر الأحمر أو العكس، مع إبقاء القرار العسكري ضمن مسار سياسي قادر على ضبط التصعيد.

السعودية تقع في مركز هذه المعادلة بحكم امتدادها على الخليج والبحر الأحمر، ومصر تمسك بمفتاح البحر الأحمر وقناة السويس، والإمارات تتحرك داخل منظومة الخليج والممرات البحرية، فيما يرتبط الأردن بالمجال المشرقي المتصل بهذه الجغرافيا. وبالتالي فإن المصالح الأمنية لم تعد قابلة للفصل وفق الحدود السياسية، لأن الخطر نفسه يتحرك عبر مسارات عابرة للحدود.

وهنا تظهر وظيفة «شبكة الأمان» العربية: ليست إنشاء تحالف عسكري تقليدي، وإنما بناء ترابط في المصالح والقدرات والمعلومات والممرات، بحيث لا يستطيع أي طرف نقل الأزمة من عقدة جغرافية إلى أخرى دون أن يواجه منظومة عربية أكثر تماسكاً. فالهدف هو منع انتقال الاشتباك، لا إعادة إنتاجه؛ وتأمين الممرات، لا عسكرة الجغرافيا؛ وامتلاك الردع، لا استخدامه إلا لمنع الحرب.

إن المعادلة التي تتشكل اليوم في الجزيرة العربية والبحر الأحمر تقوم على أن من يملك أمن الممرات يمتلك جزءاً من أمن الطاقة، ومن يملك أمن الطاقة يمتلك جزءاً من الاستقرار الاقتصادي، ومن يملك الاستقرار الاقتصادي يمتلك مساحة أوسع في القرار السياسي. ولذلك فإن شبكة الأمان العربية لم تعد خياراً مرتبطاً بظرف عابر، وإنما أصبحت مرتبطة بتحول أعمق في طبيعة الجغرافيا الاستراتيجية للمنطقة، وهذا هو بيت القصيد في المفهوم الجيوستراتيجي لما يحدث من تحولات.

إن الربط الذي يدعو الأردن إلى بلورته لا يقوم على مفاهيم آنية تستند لشعارات حقائقية، بل مبنية على واقعية سياسية تقوم على روابط استراتيجية أمنية باقتصادية، سيما وأن هندسة المشهد العام تتطلب ربط المصالح والمنافع بعضها ببعض، بما يؤدي إلى بناء جملة تفعيل مركزية تكون على طاولة البحث في اللقاءات الثنائية والثلاثية القطبية، وهو أمر يمكن بلورته من خلال شبكة الأمان «أمن + تنمية» في الجزيرة العربية، من مركز الأردن الذي بات يشكل مركز الزاوية الجيوسياسية في ظل حالة الانتقال والتنقل في المربعات الأمنية والعسكرية المتسارعة السائدة.