«الهاتف المحمول، في جيب كل إنسان خريطة… والسؤال: من يملك حق قراءتها؟»

بقلم: الدكتورة ايمان الشمايلة

في زمنٍ لم تعد فيه الأشياء تكتفي بأن تُرى، بل أصبحت تترك وراءها أثرًا، صار الهاتف المحمول أشبه بذاكرةٍ صغيرة تسير مع الإنسان أينما ذهب؛ يحمل صوته، وصوره، ومحادثاته، وأسماء من يعرفهم، والأماكن التي مرّ بها، وآثارًا رقمية قد لا ينتبه إليها صاحبها، لكنها ترسم في مجموعها ملامح خريطةٍ صامتة لحياته.
ومن هنا يأتي السؤال بهدوءٍ لا يخلو من العمق:
في جيب كل إنسان خريطة… والسؤال: من يملك حق قراءتها؟
إن معرفة الموقع أو الحركة أو بعض البيانات الرقمية لم تعد أمرًا بعيدًا عن عالمنا؛ فالتقنيات الحديثة قادرة على إنتاج معلومات دقيقة يمكن أن تكون ذات قيمة في حماية الإنسان والمجتمع، وفي حالات الطوارئ، والعثور على المفقودين، ومواجهة الجرائم، وتتبع مصادر الخطر، ودعم الجهات المختصة عندما تقتضي الضرورة ذلك.
وهنا تظهر إحدى أجمل صور التكنولوجيا حين توضع في موضعها الصحيح: أن تكون المعرفة وسيلةً للحماية، لا مصدرًا للقلق.
فالدولة التي تسهر على أمن مجتمعها تحتاج إلى أدواتٍ حديثة تواكب طبيعة العصر، والجريمة نفسها لم تعد تسير دائمًا في الطرقات؛ بعضها يعبر من خلف الشاشات، وبعضها يختبئ في فضاءٍ رقمي لا تُرى حدوده بالعين.
ولذلك أصبحت القدرة على التعامل مع الأثر الرقمي جزءًا من منظومة الحماية الحديثة.
لكن الوعي لا يكتمل بمجرد معرفة أن الهاتف يمكن أن يكشف موقعًا أو يحتفظ ببيانات؛ بل يبدأ من إدراك الإنسان لقيمة ما يحمله في يده.
فقد يفتح المرء تطبيقًا بسيطًا، ويمنحه صلاحيةً لا يحتاج إليها. وقد يشارك موقعه دون أن يفكر فيمن يمكنه رؤيته. وقد يلتقط صورةً عابرة، ولا ينتبه إلى أن تفاصيل صغيرة فيها قد تكشف مكانه أو توقيتها أو بعض خصوصيات حياته.
وهكذا، قد لا يحتاج الآخر إلى أن يسأل الإنسان أين هو؛ فقد يكون الهاتف قد أجاب عنه قبل أن يُسأل.
وهنا لا ينبغي أن يكون الخوف هو المعلم، بل الوعي.
ليس المطلوب أن يعيش الإنسان مرتابًا من هاتفه، ولا أن ينظر إلى كل تقنية باعتبارها خطرًا؛ فالتكنولوجيا في أصلها أداة، وقيمتها تتحدد بطريقة استخدامها والغاية التي توضع من أجلها.
لكن من الحكمة أن يعرف الإنسان ما الذي يشاركه، ومع من، ولماذا، وأن يراجع صلاحيات التطبيقات، ويحمي حساباته، ويتعامل بحذر مع الروابط والرسائل والطلبات غير المألوفة، وألا يجعل تفاصيل حياته متاحةً بلا ضرورة.
وفي المقابل، فإن حماية البيانات ليست مسؤولية الفرد وحده؛ بل هي مسؤولية مشتركة بين الإنسان والمؤسسات والجهات المختصة وشركات التقنية، بحيث تبقى المعلومات في إطار الغاية المشروعة التي جُمعت من أجلها، وتظل الحماية متوازنة مع احترام خصوصية الإنسان وكرامته.
فليس كل وصولٍ إلى البيانات يحمل المعنى نفسه.
هناك فرق بين معلومة تُستخدم لإنقاذ إنسانٍ ضل طريقه، أو حماية شخصٍ يواجه خطرًا، أو مساعدة الجهات المختصة في كشف جريمة؛ وبين أن تصبح المعلومات الشخصية مجالًا مفتوحًا بلا حاجة أو ضوابط.
ولهذا، فإن أجمل ما يمكن أن تصنعه التكنولوجيا هو ذلك التوازن الدقيق بين عينٍ يقظة تحمي المجتمع، وخصوصيةٍ مصونة تحفظ للإنسان مساحته الآمنة.
إن الدولة حين تحمي مواطنيها تحتاج إلى أن ترى بعض ما لا يستطيع الفرد رؤيته وحده، خصوصًا حين يتعلق الأمر بالخطر والجريمة والأمن العام؛ والمواطن في المقابل يحتاج إلى أن يكون واعيًا بأن هاتفه ليس مجرد شاشة، بل نافذة تحمل جزءًا من عالمه.
وبقدر ما تتقدم التكنولوجيا، ينبغي أن يتقدم معها الوعي.
فليس الذكاء أن تعرف كيف تستخدم الهاتف فقط، بل أن تعرف ماذا يكشف الهاتف عنك وأنت تستخدمه.
وليس الأمان أن تغلق الباب أمام التكنولوجيا، بل أن تعرف أي الأبواب تفتح، ولمن، ومتى.
وفي المستقبل، ستصبح البيانات أكثر حضورًا في حياتنا، وستصبح الخرائط الرقمية أكثر دقة، وستصبح القدرة على قراءة الأنماط والحركة والمعلومات أوسع من اليوم.
ولهذا فإن السؤال سيبقى قائمًا، وربما يصبح أكثر أهمية:
في جيب كل إنسان خريطة… فمن يملك حق قراءتها؟
والإجابة الأكثر نضجًا ليست في رفض الحماية، ولا في التخلي عن الخصوصية؛ بل في أن تكون هناك حمايةٌ واعية، وتقنيةٌ مسؤولة، وقانونٌ واضح، ومواطنٌ يعرف قيمة أثره الرقمي.
فالهاتف قد يحمل طريقًا إلى إنقاذ إنسان، وقد يحمل تفاصيل حياة كاملة؛ وبين الأمرين تقف الحكمة.
أن نسمح للتكنولوجيا بأن تحرس أبوابنا… دون أن ننسى أن لكل إنسان بابًا داخليًا اسمه الخصوصية، يستحق أن يبقى مصانًا.