ارتفاع الثقة لا يحسم المعركة والاقتصاد ما يزال اختبار الحكومة
نتائج الباروميتر العربي ترصد تحسن الثقة بالحكومة مقابل استمرار القلق الاقتصادي لدى الأردنيين
الأنباط – عمر الخطيب
في الرابع من أيلول 2026 صدر تقرير الرأي العام الأردني ضمن الدورة التاسعة من الباروميتر العربي، مستندا إلى استطلاع ميداني أُجري خلال الفترة من 1 إلى 12 تشرين الأول 2025، ليرسم صورة واسعة لاتجاهات الأردنيين تجاه أوضاعهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
وتكشف القراءة الاقتصادية لنتائجه مفارقة تستحق التوقف عندها اذ ارتفعت الثقة بالحكومة إلى 49 % مقارنة بـ 39 % في أواخر 2023 ، وارتفع الرضا عن أدائها إلى 61 % مقابل 45% ، لكن 59% من الأردنيين ما زالوا يرون الاقتصاد أكبر تحد يواجه المملكة فيما يصف 73 % الوضع الاقتصادي بأنه سيئ ويتوقع 47% أن تسوء الأوضاع الاقتصادية خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة مقابل 30% يتوقعون تحسنها .
ولا تقف الصورة عند تقييم الاقتصاد بصورة عامة إذ تتصدر قلة فرص العمل المشكلات الاقتصادية بنسبة 38% تليها انخفاض الأجور بنسبة 23% ثم التضخم بنسبة 20% فيما يضع 35% التنمية الاقتصادية في مقدمة أولويات الإنفاق الحكومي مقابل تراجع أولوية الدعم من 41% إلى 25%.
وعلى مستوى المعيشة، يقول 61% إن الطعام الذي اشترته أسرهم كان ينفد أحيانا أو كثيرا من الأحيان قبل توفر المال لشراء المزيد، وفي الطرف الآخر من الصورة فكر 44 % من الأردنيين بالهجرة، ترتفع النسبة إلى 53% بين الشباب فيما يقول 92% ممن يفكرون بالهجرة إن دوافعهم اقتصادية.
هذه الأرقام رغم تفرقها ترسم مسارا واحدا ، الثقة بالمؤسسات تحسنت لكن القلق بشأن الاقتصاد لم ينتهِ؛ لأن المواطن لا يقيس الاقتصاد فقط بما تحققه الدولة على مستوى الأداء وإنما بما ينعكس على عمله ودخله ومعيشته وقدرته على بناء مستقبله.
الثقة بالحكومة ترتفع والاقتصاد يبقى التحدي الأكبر
وهنا تبدأ المفارقة التي تكشفها نتائج التقرير بوضوح؛ فالثقة بالحكومة ارتفعت إلى 49% والرضا عن أدائها العام وصل إلى 61%، لكن الاقتصاد بقي التحدي الأكبر في نظر الأردنيين بنسبة 59% فيما وصف 73% الوضع الاقتصادي بأنه سيئ.
هذه النتائج تقول إن تحسن صورة الحكومة لدى الأردنيين لم يتحول بعد إلى تحسن مماثل في نظرتهم إلى الاقتصاد. وهذه نقطة مهمة؛ لأن المواطن يستطيع أن يقيّم أداء الحكومة بصورة إيجابية وفي الوقت نفسه يبقى غير راض عن وضعه الاقتصادي، والسبب أن الحكم على أداء الحكومة أوسع من الحكم على الاقتصاد؛ فالأول يرتبط بطريقة إدارة الدولة وملفاتها المختلفة، بينما الثاني يرتبط بما يشعر به المواطن في حياته اليومية من عمل ودخل وأسعار وقدرة على تلبية احتياجاته.
وهذا ما يجعل نسبة 59% الذين يرون الاقتصاد أكبر تحد أكثر أهمية من مجرد كونها رقما مرتفعا؛ فهي تعني أن الاقتصاد ما زال الملف الذي تنتظر فيه الحكومة نتائج أكثر وضوحا، فحتى مع تحسن الثقة، هناك شعور لدى شريحة واسعة من الأردنيين بأن التحسن في الإدارة لم يصل بالسرعة نفسها إلى الواقع الاقتصادي.
المواطن راضي عن الأداء بإنتظار نتائج اقتصادية ملموسة
وتزداد أهمية ذلك عند النظر إلى تقييم الحكومة في الملفات الاقتصادية نفسها فرغم تحسن تقييم أدائها في عدد من المجالات، بقيت الثقة بقدرتها على خلق فرص العمل وتقليل اللامساواة، والحفاظ على استقرار الأسعار منخفضة، وفي حدود تراوحت بين 22% و24% .
وهنا يظهر الفرق بين رضا المواطن عن الحكومة كإدارة للدولة، وثقته بقدرتها على حل مشكلاته الاقتصادية ، فالمواطن يرى أن الحكومة تؤدي بصورة أفضل لكنه يريد أن يرى هذا التحسن في الملفات التي تمس دخله مباشرة، ولذلك فإن ارتفاع الثقة لا يعني أن الملف الاقتصادي حُسم، وإنما ربما يعني أن الحكومة حصلت على مساحة أكبر من القبول وأصبح عليها أن تثبت أن هذا القبول قادر على إنتاج نتائج اقتصادية يشعر بها الناس.
وهناك رقم آخر يجعل الصورة أكثر تعقيدا؛ 73 % من الأردنيين يصفون الوضع الاقتصادي بأنه سيئ، هذا الرقم لا يعني بالضرورة أن الاقتصاد لم يحقق أي تحسن، لكنه يكشف أن التحسن الاقتصادي عندما يحدث لا يُقاس فقط بالمؤشرات العامة وإنما بمدى وصول أثره إلى الأسر، فإذا بقيت فرص العمل محدودة، أو بقي الدخل لا يواكب تكاليف المعيشة، فإن المواطن لن يغيّر تقييمه للاقتصاد لمجرد تحسن بعض المؤشرات الكلية.
القلق غير متعلق بالحاضر بل بالمستقبل
وهنا نصل إلى نقطة أهم المشكلة ليست في تقييم الحاضر فقط، وإنما في الثقة بالمستقبل فـ47 % من الأردنيين يتوقعون أن تسوء الأوضاع الاقتصادية خلال العامين أو الأعوام الثلاثة المقبلة مقابل 30% يتوقعون تحسنها.
التشاؤم بشأن المستقبل يجعل المشكلة الاقتصادية أكبر من مجرد ضغوط حالية فحين يعتقد المواطن أن وضعه الاقتصادي قد يصبح أصعب، يصبح أكثر تحفظا في الإنفاق، وأكثر قلقا بشأن العمل والدخل، وأقل قدرة على التخطيط لقرارات طويلة الأجل مثل شراء منزل أو تأسيس أسرة أو الاستثمار في مشروع.
بالتالي فإن التحدي أمام الاقتصاد ليس فقط تحسين الظروف الحالية، وإنما إقناع المواطن بأن الاتجاه الذي يسير فيه الاقتصاد يمكن أن يوفر له مستقبلا أفضل.
رصيد الثقة أمام الاختبار الاقتصادي
ومن هنا يمكن فهم لماذا لا تكفي زيادة الثقة بالحكومة وحدها لرفع الثقة بالاقتصاد، الثقة السياسية يمكن أن تتحسن خلال فترة قصيرة إذا شعر المواطن بتحسن في أداء الدولة، لكن الثقة الاقتصادية تحتاج إلى نتائج متراكمة، وظيفة جديدة، دخل أفضل، أسعار أكثر استقرارا وفرص حقيقية للشباب؛ هذه هي الأشياء التي تجعل المواطن يعيد النظر في تقييمه للاقتصاد.
ولذلك فإن ارتفاع الثقة بالحكومة يمكن قراءته من زاوية أخرى الحكومة تمتلك الآن رصيدا أفضل من الثقة، لكن هذا الرصيد سيخضع للاختبار في الاقتصاد تحديدا، فالمواطن الذي منحها تقييما أفضل في إدارة الدولة سيريد أن يرى في المرحلة المقبلة ترجمة لهذا التحسن في أكثر الملفات التي تشغله.
من تقييم الاقتصاد إلى البحث عن أصل المشكلة
وهنا تأتي المعلومة التي تفتح الباب للمحور التالي عندما سُئل الأردنيون عن المشكلات الاقتصادية نفسها، جاءت قلة فرص العمل في المرتبة الأولى بنسبة 38%، تلتها الأجور بنسبة 23% والتضخم بنسبة 20% .
أي أن الاقتصاد الذي يقلق الأردنيين ليس فكرة مجردة؛ إنه في الأساس اقتصاد الوظيفة والدخل، ومن هنا يبدأ السؤال التالي لماذا أصبحت فرصة العمل والدخل في قلب المشكلة الاقتصادية كما يراها الأردنيون؟