البطالة وشروط التوظيف التعجيزية..معاناة مستمرة بين الشباب

ابو نجمة: بطالة الشباب 46 % وانتقادات لغياب بياناتها عن التقارير الحديثة

خزاعي: دخل 33 % من العاملين 300 دينار لا يكفي ل"الأساسيات"

البشير: ضعف النمو الاقتصادي يعمّق البطالة ويضيّق فرص الشباب في سوق العمل

الأنباط-آية شرف الدين
البطالة من أهم المشاكل التي يعاني منها الشباب وتعد من أبرز التحديات الاجتماعية والاقتصادية في المجتمع، حيث نرى اليوم العديد من الشباب تحمل شهادات علمية وخبرات عملية لامحدودة لكن بل عمل.
يوم بعد يوم تتزايد أعداد الخريجين وبعد التخرج والجهد في الدراسة حاملين هؤلاء الشباب طموح وأحلام في إيجاد وظائف تناسب تخصصاتهم الجامعية ألا أنهم يجدون أنفسهم في واقع يصدم تأملاتهم عكس ما كانوا يحلمون، ويعاد الكثيرين من الشباب في نفس المعادلة وهي الدراسة والتعب والتخرج والبحث عن عمل لسنين لكن بلا جدوى، فما الفائدة اليوم حين يصبح شبابنا يحملون شهادات علمية وخبرات واسعة في حين أن الواقع نفسه؟
البطالة اليوم لاتعني فقط نقص عمل وبلى وظيفة بل لها تبعات نتجت عنها العديد من المشاكل الاجتماعية والنفسية والاقتصادية التي تؤثر على الشباب والمجتمع بشكل كبير كعزوف الشباب عن الزواج وارتفاع نسبة العنوسة وغيرها من التحديات.


ومن هذا المنطلق أكد أستاذ علم الاجتماع الدكتور حسين الخزاعي في حديثه للأنباط عن البطالة التي تواجه مجتمعنا وما يرافقها من طول فترة التعطل عن العمل وفي فترة البحث عن العمل وتدني الأجور، موضحا أنها تعد من أخطر القضايا التي يواجهها الشباب في المجتمع، لما تتركه من آثار اجتماعية واقتصادية ونفسية تمتد إلى مختلف جوانب حياتهم.

وأوضح خزاعي أن البطالة من أبرز التحديات التي تواجه فئة الشباب بالأخص، مشيرا إلى بيانات رسمية صادرة عن دائرة الإحصاءات العامة (الجولة الثانية لعام 2026) أن معدل البطالة بين الشباب الذين تتراوح أعمارهم بين 15 و24 عاما يبلغ 31%، فيما تصل نسبة العاطلين من حملة البكالوريوس فأعلى إلى 40%. كما تبلغ نسبة من لم يسبق لهم العمل 37.8%، في حين تصل نسبة المتعطلين عن العمل لمدة تزيد على عامين إلى 26.8%.

وبين خزاعي إلى أن البطالة لا تقتصر آثارها على فقدان الدخل، بل تؤدي إلى العزلة الاجتماعية، إذ يحجم كثير من الشباب عن المشاركة في المناسبات الاجتماعية والوطنية، أو حضور الندوات والمؤتمرات والأنشطة المختلفة، بسبب عدم قدرتهم على تحمل تكاليف المواصلات والمصاريف المترتبة على ذلك، ما يزيد من الأعباء الواقعة على أسرهم، لهذا السبب اليوم نرى العديد من الشباب يعزفون المشاركة في المناسبات الاجتماعية.

ومن الجدير بالذكر أن تدني الأجور يمثل تحديا لا يقل خطورة عن البطالة، مبينا أن نحو 32.9% من الشباب العاملين يتقاضون أقل من 300 دينار شهريا، وهو دخل لا يكفي لتلبية الاحتياجات الأساسية أو تمكينهم من بناء مستقبلهم والاستقلال اقتصاديا.

وفي السياق لفت خزاعي إلى أن الاستفادة الفعلية من الحد الأدنى للأجور تتركز في العاصمة عمان، وإلى حد ما في محافظة الزرقاء، بينما تواجه المحافظات الأخرى صعوبات كبيرة في توفير فرص العمل، موضحا أن اضطرار الشباب للعمل خارج محافظاتهم يرفع كلفة التنقل، ما يؤدي في كثير من الأحيان إلى عزوفهم عن فرص العمل أو تركها بسبب ارتفاع نفقات المواصلات وما يرافقها من إرهاق جسدي.

واستنادا إلى ما سبق أشار خزاعي إن سوق العمل في الأردن بات بيئة طاردة للشباب، ويأتي ذلك نتيجة تدني الأجور وضعف الفرص المتاحة، خاصة في المحافظات البعيدة عن العاصمة، مشيرا أن الحد الأدنى للأجور لا يوفر حياة معيشية مستقرة، في حين تعاني المحافظات من نقص واضح في فرص العمل، ما يحد من قدرة الشباب على الالتحاق بوظائف تتناسب مع مؤهلاتهم، ويدفع الكثيرين إلى العزوف عن العمل أو البحث عن فرص خارج مناطق سكنهم.

وتابع خزاعي أن تدني الدخل أصبح من أبرز العوامل التي تدفع الشباب إلى تأجيل الزواج، مبينا إلى أن من يقل دخله الشهري عن نحو 800 دينار يجد صعوبة في تحمل تكاليف الحياة الزوجية ومتطلباتها، ما يجعله يعزف عن الإقدام على هذه الخطوة.

ومما لاشك فيه نرى اليوم أن أولويات الشباب لم تعد تتجه نحو الزواج، بل تتركز في الحصول على فرصة عمل مستقرة تضمن لهم دخلا مناسبا، ما يدفعهم أيضا للتفكير بالهجرة بحثا عن فرص معيشية ومهنية أفضل.

وأشار خزاعي إن طول فترة التعطل عن العمل لا ينعكس على الوضع الاقتصادي للفرد فحسب، بل يترك آثارا سلبية على الاقتصاد الوطني أيضا، إلى جانب تداعياته النفسية والاجتماعية على الشباب.

وعلاوة على ذلك أن البطالة الممتدة تسهم في زيادة مشاعر القلق والتوتر والغضب والعصبية لدى الشباب، كما تدفع اعدادا متزايدة منهم إلى التفكير بالهجرة بحثا عن فرص عمل ودخل أفضل، مشيرا إلى أن نحو 42% من الشباب الأردنيين يفكرون بالهجرة لهذا السبب.

الأمر الذي يقضي أن استمرار البطالة قد يجعل بعض الشباب أكثر عرضة للانحراف نحو سلوكيات سلبية، خاصة عند التأثر برفاق السوء، الأمر الذي يفرض ضرورة تعزيز برامج التشغيل والدعم النفسي والاجتماعي، إلى جانب توفير فرص عمل حقيقية تسهم في الحد من هذه الآثار.

ومما لا شك في ذلك أن للبطالة تداعيات لا تقتصر على الشباب وحدهم، بل تمتد لتطال أسرهم أيضا، إذ تعيش العديد من العائلات حالة من القلق على مستقبل أبنائها المتعطلين عن العمل، في ظل تراجع فرص تحقيق طموحاتهم واستقلالهم الاقتصادي.

ولفت خزاعي في ختام حديثه أن استمرار اعتماد الشباب على أسرهم في تلبية احتياجاتهم المعيشية بسبب غياب فرص العمل يدفع الكثير منهم إلى تأجيل الزواج والعزوف عن تحمل مسؤولياته، نتيجة عدم امتلاكهم مصدر دخل يوفر لهم الاستقرار المالي وبناء حياة أسرية مستقرة.


وفي هذه السياق أكد رئيس مركز بيت العمال، المحامي حمادة أبو نجمة إن معدل البطالة في الأردن شهد انخفاضًا طفيفًا خلال السنوات الأخيرة، إذ لم يتجاوز التراجع نحو 1.6 نقطة مئوية خلال أربع سنوات، ليبقى المعدل العام فوق 21%، وهو مستوى مرتفع مقارنة بالمتوسط العربي البالغ نحو 9.5%.

وأوضح أن عدد المتعطلين عن العمل يقدّر بنحو 420 ألف شخص، في وقت يدخل فيه سوق العمل سنويًا قرابة 130 ألف باحث عن عمل من خريجي مؤسسات التعليم والتدريب، ما يجعل خفض معدلات البطالة بصورة ملموسة تحديًا مستمرًا، خاصة أن جزءًا من الداخلين الجدد لا يجدون فرص عمل وينضمون إلى صفوف المتعطلين.

وأشار أبو نجمة إلى أن معدل البطالة بين فئة الشباب يبلغ مستويات أعلى بكثير من المعدل العام، إذ وصل في الفترة الأخيرة إلى نحو 46%، منتقدًا عدم تضمين بعض التقارير الرسمية الحديثة بيانات واضحة حول بطالة الشباب، باعتبارها مؤشرًا مهمًا يجب أخذه بعين الاعتبار عند وضع السياسات والبرامج التشغيلية.

وبين أن ارتفاع البطالة بين الشباب يعود إلى مجموعة من الأسباب، أبرزها ضعف قدرة الاقتصاد الوطني على توليد فرص عمل كافية، في ظل استمرار معدلات النمو الاقتصادي المنخفضة خلال السنوات الماضية، الأمر الذي أدى إلى اتساع الفجوة بين أعداد الباحثين عن عمل والفرص المتاحة.

وأضاف أن من بين الأسباب أيضا عدم امتلاك بعض الشباب المهارات والخبرات اللازمة لمتطلبات سوق العمل، وضعف قدرتهم على تسويق أنفسهم ومؤهلاتهم، إلى جانب محدودية معرفتهم بطرق البحث عن الوظائف، والمهارات المطلوبة، والبرامج التدريبية التي تؤهلهم للمنافسة على فرص العمل.

ولفت أبو نجمة إلى الحلول التي يمكن تطبيقها في مجتمعنا للحد من البطالة مثل الدول التي نجحت في الحد من بطالة الشباب، حيث اعتمدت برامج متخصصة للانتقال من مقاعد الدراسة إلى سوق العمل، تتضمن الإرشاد والتوجيه المهني، وتعزيز المهارات، والتدريب، وتعليم الشباب كيفية إعداد السيرة الذاتية وتسويق قدراتهم والبحث عن فرص تتناسب مع تخصصاتهم.

وأكد أن مثل هذه البرامج ما تزال محدودة أو غير متوافرة بالشكل الكافي في الأردن، ما يترك الشباب أمام فجوة بين مخرجات التعليم ومتطلبات سوق العمل، دون إرشاد أو دعم مهني يساعدهم على الوصول إلى الوظائف المناسبة.

وأضاف أبو نجمة إلى أن عدم مواءمة التخصصات الجامعية مع احتياجات سوق العمل يمثل سببًا رئيسيًا آخر لارتفاع البطالة، في ظل توجه الاقتصاد نحو التخصصات التقنية والرقمية، مقابل تراجع الطلب على العديد من التخصصات الإنسانية والنظرية.

وأوضح أن المشكلة تبدو أكثر وضوحًا بين الإناث، اللواتي تتركز نسبة كبيرة من تخصصاتهم، تقدر بنحو 70%، في مجالات الصحة والتعليم وبعض الأعمال الإدارية، وهي قطاعات أصبحت العديد من تخصصاتها مشبعة أو راكدة، ما يحد من فرص الحصول على وظائف جديدة.

لفت أبو نجمة أن ضعف جاذبية بعض المهن والقطاعات للشباب، نتيجة ضعف الحماية القانونية، وعدم توافر شروط العمل اللائق، وضعف تطبيق التشريعات الناظمة للعمل، مشيرا أنه يشكل عاملا إضافيا يدفع بعضهم إلى العزوف عن الالتحاق بهذه الوظائف، الأمر الذي يساهم في استمرار ارتفاع معدلات البطالة.


ومن جانبه، يرى الخبير الاقتصادي محمد البشير أن مشكلة البطالة في الأردن ترتبط بشكل أساسي بقدرة الاقتصاد الوطني على استحداث فرص عمل تتناسب مع أعداد الداخلين إلى سوق العمل، مبينا أن تواضع معدلات النمو الاقتصادي يحول دون توفير العدد الكافي من الوظائف الجديدة، الأمر الذي يؤدي إلى اتساع الفجوة بين أعداد الباحثين عن العمل والفرص المتاحة أمامهم.
وأوضح البشير أن استمرار هذه الفجوة لا يرتبط بمستوى تعليم الشباب أو امتلاكهم للشهادات والخبرات فقط، وإنما بقدرة الاقتصاد على استيعاب هذه الكفاءات وتوفير وظائف جديدة لها، لافتا إلى أن الاقتصاد عندما يعجز عن تحقيق نمو قادر على استيعاب الأعداد المتزايدة من الباحثين عن العمل، تتفاقم أزمة التوظيف وترتفع معدلات البطالة.
وأشار إلى أن قدرة القطاع الخاص على التوسع واستحداث فرص عمل تتأثر بمجموعة من العوامل، في مقدمتها ارتفاع كلف الإنتاج والطاقة والضرائب، إلى جانب ارتفاع كلف الاقتراض ، موضحا أن هذه الأعباء تحد من قدرة المنشآت على زيادة إنتاجها والتوسع في أعمالها وبالتالي قدرتها على خلق وظائف جديدة.
وبين البشير أن انعكاسات البطالة لا تتوقف عند فقدان الفرد لفرصة العمل، وإنما تمتد إلى الاقتصاد المحلي من خلال التأثير في القوة الشرائية والإنفاق، إذ إن ارتفاع أعداد العاطلين عن العمل يعني انخفاض قدرة شريحة واسعة على الإنفاق في وقت تتحمل فيه الأسر أعباء معيشية متزايدة ما ينعكس على النشاط الاقتصادي بصورة عامة.
وأكد أن سوق العمل يواجه ضغطا إضافيا يتمثل في عودة أعداد من المتقاعدين إلى سوق العمل، نتيجة عدم كفاية الرواتب التقاعدية لتغطية احتياجاتهم المعيشية، موضحا أن كثيرا منهم يبحثون عن مصدر دخل إضافي لتغطية تكاليف التعليم والرعاية الصحية والنقل والإيجارات والنفقات الأساسية.
وأضاف أن عودة المتقاعدين إلى سوق العمل تزيد المنافسة على الوظائف المتاحة أمام الشباب، خصوصا أن بعض المتقاعدين قد يقبلون بالعمل مقابل أجور أقل من تلك التي يبحث عنها الشباب الأمر الذي يقلل من فرص الجيل الجديد في الحصول على وظائف ويضيف ضغطا جديدا إلى سوق العمل.
واختتم البشير أن معالجة البطالة تتطلب تعزيز قدرة الاقتصاد على تحقيق معدلات نمو أعلى، بما يسمح بتوسيع النشاط الاقتصادي واستحداث فرص عمل جديدة، إلى جانب تخفيف الأعباء التي تحد من قدرة القطاع الخاص على الاستثمار والتوسع، باعتبار أن زيادة قدرة الاقتصاد على خلق الوظائف هي العامل الأساسي في تضييق الفجوة بين أعداد الشباب الباحثين عن العمل والفرص المتاحة.