بين السفارة والاستخبارات : عشرة وجوه وملف واحد .. ماذا عرفت بودابست ولم تقله ؟
بقلم / دعاء هزاع الجابري ـ اليمن
في الملفات التي لا تصل إلى الصحافة ، لا تكون الأسماء دائما هي الأكثر أهمية ولا تكون البيانات الرسمية سوى الجزء الذي سمحت العواصم بأن يراه الضوء ، أما الجزء الآخر فيبقى في الأدراج المغلقة بين تقارير أجهزة الأمن ومحاضر الاستجواب وحركة الاتصالات ، التي لا تظهر في البيانات الدبلوماسية
ففي أوروبا اليوم ثمة شيء يتحرك خلف الواجهات الهادئة للسفارات ، وجوه تأتي تحت صفة دبلوماسية ووجوه تغادر فجأة وملفات تتراكم حول نشاط سري لا تستطيع الحكومات أن تسميه صراحة لكنها تستطيع أن تتخذ بحقه قرارا واضحا ، وبين " الدبلوماسية " و " الاستخبارات " مساحة ضيقة تكفي أحيانا لسنوات من العمل السري لكنها قد تنتهي في يوم واحد بقرار " طرد " ، ولهذا حين أعلنت بودابست طرد عشرة دبلوماسيين " روس " لم يكن الرقم مجرد رقم في بيان رسمي ولم يكن الصمت حول التفاصيل فراغا في المعلومات ، ففي عالم الاستخبارات ما تحجبه الدولة عن العلن هو الجزء الأكثر أهمية في القصة ، والسؤال هنا ليس فقط : ماذا فعل هؤلاء الدبلوماسيون ؟ بل : ماذا عرفت بودابست ولم ترغب في قوله؟
ومن هذه النقطة يبدأ ملف آخر للحكاية ، ملف الحرب التي لا تحتاج إلى جبهة ، والأقنعة التي قد تحمل جوازات دبلوماسية ، والمسافة الغامضة بين الرجل الذي يمثل دولته والرجل الذي يعمل لصالحها من مكان لا يفترض أن يعمل منه أحد ، فقرار المجر اليوم بطرد عشرة دبلوماسيين " روس " بسبب ما وصفته بودابست ب " أنشطة غير مقبولة " أكثر من إجراء بروتوكولي عابر ، فعلى رغم أن السلطات المجرية لم تكشف طبيعة تلك الأنشطة بالتفصيل ولم تعلن أن الدبلوماسيين العشرة " جواسيس " لكنها قالت : إن ما قاموا به لا يتوافق مع القواعد التي تحكم العمل الدبلوماسي ، وإن القرار يأتي في إطار حماية الأمن والسيادة الوطنية
ومن هنا يبدأ محور الحكاية الحقيقية ، فالدبلوماسي في صورته الرسمية هو رسول الدولة ووجهها الذي يتحدث حين تعجز العواصم عن الكلام المباشر ، لكن التاريخ السياسي يعرف جيدا أن بعض السفارات كانت في أزمنة الصراع أكثر من مجرد أماكن لاستقبال السفراء وتبادل أوراق الاعتماد ، فقد كان تحت البدلة الرسمية عالم آخر ، عالم " المعلومات والمصادر والاتصالات وقراءة موازين القوى " ، ولذلك فإن طرد عشرة أشخاص دفعة واحدة لا يبدو مجرد إجراء إداري داخل بعثة دبلوماسية بل يحمل في توقيته وعدده رسالة أمنية وسياسية ثقيلة ، والأكثر دلالة في ذلك أن الرسالة جاءت من " بودابست " ، فالمجر لطالما احتفظت بعلاقة أكثر انفتاحا على موسكو من كثير من العواصم الأوروبية ، وحافظت على قنوات اتصال معها حتى في أكثر مراحل التوتر " الأوروبي / الروسي " حدة ، أما اليوم ومع التحولات السياسية التي شهدتها البلاد فإن العلاقة مع روسيا تبدو وكأنها تدخل مرحلة جديدة لا تختفي فيها الدبلوماسية لكنها تصبح أكثر حذرا وأكثر التصاقا بمفردات الأمن والسيادة ، ليتحول الخبر هنا من رقم إلى علامة ، فحين تطرد دولة عشرة دبلوماسيين دفعة واحدة فهي لا تقول فقط : إن هناك أشخاصا تجاوزوا قواعد العمل الدبلوماسي ، بل تقول ايظا بصورة أعمق : إن الثقة نفسها بدأت تضيق مساحتها
فقد أفادت تقارير سابقة بأن المجر طردت في وقت سابق موظفا روسيا كان يعمل تحت غطاء " دبلوماسي " بعدما خلصت أجهزة مكافحة التجسس المجرية إلى أنه " ضابط استخبارات روسي " وأنه حاول جمع معلومات وبناء مصادر داخل مؤسسات سياسية وبحثية مجرية ، هذه الواقعة السابقة تجعل النشاط الاستخباراتي داخل البعثة الروسية مفهوما وواضحا ، كما أنها تتصل مباشرة بالتصريح الغير مباشر بطبيعة عمل الدبلوماسيين العشرة المطرودين اليوم وان كان تصريح غير مباشر بالإدانة ، ففي عالم الاستخبارات كثيرا ما تكون المعلومات التي تملكها الأجهزة الأمنية أكبر من المعلومات التي تستطيع الحكومات إعلانها ، وقد تعرف الدولة المضيفة شيئا لا تستطيع نشره بل وقد تتخذ قرارا أمنيا دون أن تكشف للرأي العام مصادره أو أدلته ، لذلك يبقى بين القرار والتهمة جدار من السرية
وفي أوروبا التي تعيش منذ سنوات تحت ظلال " الحرب الروسية / الأوكرانية " لم تعد المخاوف مقتصرة على الجبهات العسكرية ، فقد اتسع مفهوم الصراع ليشمل " التجسس ، والهجمات السيبرانية ، والتخريب ، والتأثير السياسي ، والحرب المعلوماتية " وسائر أشكال ما بات يعرف " بالحرب الهجينة " ، حيث إنها حرب لا تحتاج إلى صفارات إنذار ، فقد تكون الجبهة في شبكة إلكترونية ، أو مؤسسة بحثية ، أو حملة تضليل ، أو غرفة مغلقة ، أو حتى في مقعد دبلوماسي ، وقد يكون أخطر الأسلحة هو ذلك الذي لا يصدر صوتا ، لكن السؤال الأعمق في كل ذلك يبقى : ماذا يحدث للدبلوماسية عندما تصبح كل نافذة منها قابلة لأن تُقرأ باعتبارها نافذة أمنية؟ ، فالسفارة التي يفترض أن تكون جسرا بين دولتين قد تتحول في زمن الشك إلى مساحة مراقبة ، والدبلوماسي الذي يفترض أن يكون رسولا للسلام قد يصبح موضع اشتباه ، لا لأن التهمة ثبتت عليه بالضرورة وإنما لأن البيئة السياسية نفسها أصبحت أكثر ارتيابا
ومن هنا فإن طرد الدبلوماسيين العشرة ليس بالضرورة إعلانا عن حرب دبلوماسية بين " بودابست وموسكو " ، فقد يكون إعلانا عن إعادة تعريف حدود المقبول في العلاقة بينهما ، فالرسالة المجرية تبدو أقرب إلى القول : يمكن أن تبقى قنوات الحوار مفتوحة ويمكن أن تستمر العلاقات الرسمية ، لكن ذلك لن يكون على حساب الأمن الوطني ، وفي هذا المعنى لا تغلق بودابست الباب أمام موسكو ، لكنها تعيد ترتيب الأقفال ، أنها لحظة تكشف شيئا أعمق من أسماء الأشخاص المطرودين ، لحظة تكشف أن أوروبا باتت تتعامل مع الدبلوماسية الروسية ضمن بيئة أمنية مختلفة ، وأن المسافة بين السياسة والاستخبارات أصبحت أكثر حساسية من أي وقت مضى ، ولهذا لا يكون السؤال الأهم هنا : لماذا طردت المجر عشرة دبلوماسيين روس؟ بل : ما الذي جعل عاصمة أوروبية ترى أن بعض ما يحدث خلف الأبواب الدبلوماسية أصبح يستحق أن تغلق في وجهه أبواب الإقامة؟
لنستنتج من ذلك بأنها لعبة الأقنعة في زمن لم تعد فيه الجغرافيا وحدها ساحة للصراع ، فالسفارات ستظل مفتوحة ، والأعلام ستظل مرفوعة ، والسفراء سيواصلون ارتداء البدلات وربط الكلمات بعبارات دبلوماسية محسوبة ، لكن خلف الأبواب ستظل أجهزة الأمن تسأل السؤال الذي لا تستطيع المؤتمرات الصحفية الإجابة عنه ، وهو : من دخل بصفته دبلوماسيا .. ومن دخل بصفته شيئا آخر؟ ، وفي عالم تتراجع فيه المسافة بين الحرب والسلام ، قد لا تكون أخطر المعارك هي تلك التي نراها بل تلك التي تحدث أمام أعيننا ولا نملك أسماءها بعد .