حين يراهن المتحرش على صمت الطفل

المدرسة مطالبة بحماية الطفل والاسرة خط الدفاع الاول
د. العدرة: "ثقافة الصمت" تزيد من خطورة المشكلة
د. الفاعوري: ردة فعل الأسرة قد تساعد بتعافي الطفل أو تتحول لصدمة
الضمور: الهواتف والمنصات الرقمية فتحت أبواب الاستدراج والتحرش


الانباط - د. أڤين الكردي
طفل لا يعرف كيف يصف ما حدث، وأسرة قد لا تعرف كيف تسأله، ومعتدٍ يراهن على الخوف والعار والسرية... بين هذه الدائرة قد تمر جريمة الاعتداء الجنسي على الأطفال بصمت، فيما تبقى آثارها قادرة على ملاحقة الضحية سنوات طويلة.
قد لا يعرف الطفل أصلاً معنى كلمة "تحرش"، ولا يمتلك اللغة التي يشرح بها ما حدث له، أو القدرة على فهم لماذا جعله شخص يثق به يشعر بالخوف أو الخجل أو الارتباك.
قد يعود إلى منزله طبيعيًا في نظر الجميع، يلعب ويأكل ويذهب إلى مدرسته، بينما يحمل سراً أكبر من عمره. وهنا تحديداً قد يجد المعتدي المساحة التي يحتاج إليها: طفل لا يعرف كيف يحكي... وكبار لا يعرفون كيف يسألون.
وفي الأردن، لا تسمح الأرقام بالتعامل مع القضية باعتبارها حوادث فردية يمكن تجاهلها؛ إذ تشير بيانات اليونيسف، استناداً إلى الدراسة الوطنية حول العنف ضد الأطفال لعام 2020، إلى أن أكثر من 25% من الأطفال بين عمر عام و14 عاماً تعرضوا لشكل من أشكال العنف الجنسي، تراوح من الكلام غير الملائم إلى أشكال أكثر خطورة من الإساءة.
أمام ذلك، لم يعد السؤال فقط: هل يتعرض أطفالنا للتحرش والاعتداء؟
السؤال الأصعب هو: كيف يمكن أن يحدث الاعتداء بالقرب منا دون أن نراه؟ لماذا يصمت الطفل؟ من يعلّمه أن لجسده حدودًا؟ ومتى تبدأ الحماية... بعد وقوع الجريمة أم قبلها؟

الصمت الذي قد يحمي المعتدي

يرفض الدكتور إبراهيم العدرة المختص في علم الاجتماع اختزال الاعتداء الجنسي على الأطفال في سلوك فردي شاذ يحدث بمعزل عن المجتمع، معتبراً أن القضية تتقاطع فيها دوافع المعتدي مع بيئة اجتماعية وثقافية قد توفر له، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، الظروف التي تساعد على استمرار الاعتداء وإخفائه.
ويضع العدرة "ثقافة الصمت" في مقدمة العوامل التي تزيد خطورة المشكلة، خصوصاً عندما تصبح سمعة الأسرة أولوية تتقدم على حق الطفل في الحماية والإنصاف.
ففي بعض الحالات، بحسب العدرة، قد يدفع الخوف من الوصمة أو "كلام الناس" الأسرة إلى التكتم على الاعتداء أو محاولة تسويته داخليًا، ليجد الطفل نفسه أمام معادلة قاسية: بدل أن يُعامل باعتباره ضحية تحتاج إلى الحماية، يصبح ما تعرض له مصدر للخجل والقلق على سمعة الأسرة.
وتكمن الخطورة، وفق العدرة، في أن الإنكار والتكتم لا يضاعفان ألم الطفل فقط، بل يمكن أن يوفرا للمعتدي مساحة للإفلات والاستمرار. وقد يشعر الطفل عندها بما وصفه بـ"خيانات متعددة"، اعتداء من شخص انتهك حدوده، ثم خذلان من المحيط إذا لم يصدقه أو قلل من ألمه أو طالبه بالصمت.

الخطر ليس دائمًا خلف وجه غريب

وينتقد العدرة أحد أكثر مفاهيم الحماية التقليدية رسوخًا؛ وهو اختصار التربية الوقائية بعبارة "لا تتحدث مع الغرباء"
فالمشكلة، بحسب رأيه، أن الخطر قد يأتي أيضاً من داخل دائرة يعرفها الطفل ويثق بها؛ كقريب أو جار أو معلم أو شخص مقرّب يستطيع استخدام مكانته أو سلطته أو علاقته بالطفل لكسر الحدود تدريجيًا.
وهنا تظهر مشكلة أخرى في بعض أنماط التربية القائمة على الطاعة المطلقة للكبار، إذ يرى العدرة أن تنشئة الطفل على أن رفض الكبير «عيب» أو «عصيان» قد تسلبه تدريجيًا القدرة على الاعتراض عندما يتجاوز بالغٌ حدوده الجسدية.
ويضاف إلى ذلك غياب التربية الجسدية الممنهجة التي تعلّم الطفل، بلغة تناسب عمره، خصوصية جسده وحدوده، وما هو مقبول وما هو غير مقبول في تعامل الآخرين معه.
لذلك، لا يرى العدرة حماية الطفل مسؤولية الأسرة وحدها، رغم أنها خط الدفاع الأول؛ فالمدرسة مطالبة بإدماج مفاهيم السلامة الجسدية وتفعيل دور المرشد النفسي والتربوي، فيما يقع على الإعلام والمؤسسات الدينية والاجتماعية دور في تفكيك الخطاب الذي يحمّل الضحية العار بدل توجيه الإدانة نحو المعتدي.
ويختصر العدرة التحول المطلوب بالانتقال من «ثقافة حماية سمعة العائلة» إلى ثقافة حماية أجساد الأطفال ونفوسهم.
حين يصمت الطفل... تتكلم الصدمة

لكن ماذا يحدث داخل الطفل نفسه؟

يوضح استشاري الأمراض النفسية والعصبية الدكتور هاشم الفاخوري أن صمت الطفل بعد تعرضه للتحرش أو الاعتداء الجنسي لا يعني أن الحادثة لم تؤذه؛ فالصمت قد يكون ناتجاً عن الخوف أو التهديد أو العار والارتباك، أو خشية الطفل من ألا يصدقه أحد، أو اعتقاده أن حديثه سيتسبب بمشكلة داخل أسرته.
وفي أحيان أخرى، قد تكون المشكلة أبسط وأقسى في الوقت نفسه: الطفل لا يملك الكلمات التي تصف ما حدث له.
ويشير الفاخوري إلى أن إدراك الطفل لطبيعة الاعتداء يرتبط بعمره ونضجه ومدى فهمه للحدود الجسدية. وتزداد حالة الارتباك عندما يأتي الفعل من شخص يحبه أو يثق به، أو عندما يستخدم المعتدي الهدايا والعاطفة والسرية أو التهديد لجعل ما يحدث يبدو طبيعيًا أو "سرًا" مشتركاً.
وقد يصل الأمر بالطفل إلى لوم نفسه، أو الاعتقاد بأنه شارك فيما حدث لأنه قبل هدية، أو لم يستطع الرفض، أو التزم بالصمت. إلا أن الفاخوري يؤكد لـــالأنباط بأن المسؤولية تقع كاملة على المعتدي، ولا يتحمل الطفل منها شيئاً.
وقد يتحدث الطفل أحيانًا من خلال سلوكه بدلاً من الكلمات؛ إذ يمكن أن تظهر تغيرات مفاجئة كالخوف والقلق، الانسحاب، الكوابيس واضطرابات النوم، تراجع المستوى الدراسي، التغيرات الحادة في المزاج، أو الخوف من شخص أو مكان معين، وقد تظهر لدى بعض الأطفال معرفة أو سلوكيات جنسية لا تتناسب مع أعمارهم.
لكن شدد الفاخوري في الوقت ذاته على أن هذه العلامات لا تكفي وحدها لإثبات وقوع اعتداء، وإنما هي مؤشرات تستحق الانتباه والحوار الهادئ والتقييم المتخصص.

عندما يتكلم الطفل... لا تجعلوه يندم

قد تكون اللحظة التي يقرر فيها الطفل الكلام واحدة من أكثر اللحظات حساسية في القضية كلها.
ويحذر الفاخوري من أن ردة فعل الأسرة قد تساعد الطفل في طريق التعافي، أو تتحول إلى صدمة إضافية.
فالتشكيك في روايته، أو لومه وسؤاله: "لماذا لم تقل من قبل؟" أو "لماذا لم ترفض؟"، أو الضغط عليه لإعادة تفاصيل الواقعة مرارًا، قد يدفعه إلى الانغلاق والتراجع عن الإفصاح.
وفي المقابل، يحتاج الطفل إلى شخص بالغ يستمع إليه بهدوء، ويشعره بأنه مصدَّق ومحمي، ويؤكد له أن ما حدث ليس ذنبه.
وبعد اكتشاف الاعتداء، يصبح استعادة الشعور بالأمان أولوية، إلى جانب التقييم النفسي المتخصص لتحديد احتياجات الطفل العلاجية؛ إذ يمكن للتدخل النفسي المناسب والمبكر أن يسهم في الحد من امتداد آثار الصدمة على المدى الطويل.
فالاعتداء الجنسي على الطفل لا ينتهي بالضرورة بانتهاء الفعل ذاته، وقد تمتد انعكاساته إلى الصحة النفسية والسلوك والنوم والعلاقات والأداء الدراسي إذا لم يحصل الطفل على الاستجابة والدعم المناسبين.

حين لا تكفي العقوبة وحدها

وعلى الصعيد القانوني، يوضح المحامي بسام الضمور أن التشريع الأردني لا يضع تعريف جامع ومحدد لمصطلحي "الاعتداء الجنسي" و"التحرش الجنس" وإنما ترك تحديد صور هذه الأفعال للفقه والقضاء، فيما أفرد قانون العقوبات نصوصاً للجرائم الواقعة على العرض والآداب العامة، وتضمن أحكام خاصة تتعلق بالجرائم الواقعة على الأطفال.
ويبين الضمور لــالأنباط- بأن العقوبات تختلف وفق طبيعة الفعل وعمر الطفل وصفة المعتدي وعلاقته بالضحية، وتتشدد في عدد من الحالات عندما يكون الجاني من أصول الطفل أو محارمه، أو ممن أوكلت إليهم رعايته أو تربيته، أو ممن يملكون سلطة عليه.
وعند إفصاح الطفل عن الاعتداء، يشدد الضمور على أهمية التوجه إلى إدارة حماية الأسرة والأحداث والإبلاغ عن الواقعة دون تأخير غير مبرر، مع التعامل بحذر مع الطفل وعدم تحويل عملية الحصول على المعلومات منه إلى سلسلة من الاستجوابات والتفاصيل المتكررة التي قد تربكه.
ويشير إلى أن الملاحقة في هذه الجرائم، وفق توصيفه القانوني، لا تتوقف بالضرورة على شكوى شخصية من الضحية، إذ يمكن لعلم الجهات القضائية المختصة بالواقعة أن يفتح باب التحقيق فيها ارتباطًا بالحق العام وحماية المجتمع.

الاعتداء يعبر إلى الشاشة أيضاً

ولا تقف القضية عند حدود العالم الواقعي. فالهواتف والمنصات الرقمية ووسائل الاتصال الحديثة فتحت بدورها أبواب جديدة أمام بعض صور الاستدراج والاستغلال والتحرش الجنسي بالأطفال.
ويرى الضمور أن النصوص التشريعية القائمة، ومن بينها قانون العقوبات وقانون الجرائم الإلكترونية، تسمح بملاحقة صور من الجرائم الجنسية المرتكبة باستخدام وسائل الاتصال الحديثة، لكنه يدعو في الوقت ذاته إلى إطار قانوني أكثر وضوحاً وتحديداً للجرائم الجنسية المرتكبة عبر التكنولوجيا.
وتؤكد إدارة حماية الأسرة والأحداث في مديرية الأمن العام ضمن اختصاصاتها التحقيق في قضايا الاستغلال الجنسي عبر الإنترنت، وفحص الأدلة الرقمية والمساهمة في التحقيق في الاعتداءات الجنسية باستخدام التقنيات الرقمية الحديثة.

القانون يعاقب... لكن من يكسر دائرة الصمت؟

بالنسبة للضمور، لا تكمن المشكلة في النصوص والعقوبات وحدها. فهو يرى أن التشريعات الأردنية توفر، كأصل عام، حماية قانونية للطفل، مع ضرورة استمرار مراجعة التشريعات والعقوبات وفق تطور أنماط الجرائم، إلا أنه يعتبر أن هناك فجوة اجتماعية موازية يجب مواجهتها.
وتتمثل هذه الفجوة في الوصمة التي قد تلاحق ضحايا الاعتداءات الجنسية، فتضع الطفل بين جريمتين: ما وقع عليه أولاً، والخوف من نظرة المجتمع إليه لاحقاً.
وهذه البيئة، بحسب الضمور، قد تعمل في النهاية لمصلحة الجاني إذا دفعت الضحية أو الأسرة إلى الإنكار أو التكتم، ولذلك فإن الردع القانوني يحتاج إلى مسار اجتماعي موازٍ يغيّر النظرة إلى الضحية ويعزز الحماية من التشهير والإساءة.
فالقانون وحده لا يستطيع دخول كل منزل، والمدرسة وحدها لا تستطيع معرفة كل سر، والطبيب لا يستطيع علاج طفل لم يصل إليه، والأسرة لا تستطيع الحماية إذا كانت لا تعرف كيف تصغي.
ولهذا فإن مواجهة الاعتداء الجنسي على الأطفال لا تبدأ عند باب المحكمة فقط؛ بل تبدأ قبل الجريمة: في البيت، وطريقة التربية، والمدرسة، والإنترنت، واللغة التي نستخدمها مع أطفالنا، ومدى شعورهم بأن بإمكانهم الكلام مهما كان الشخص الذي أساء إليهم.
وفي قراءة مجمل ما يطرحه المختصون، تبدو القضية أبعد من حدود الجريمة لحظة وقوعها؛ فهي تبدأ من الطريقة التي يتعلم بها الطفل فهم جسده وحدوده، وتمر بقدرته على الإفصاح، ورد فعل الأسرة، ومدى جاهزية المؤسسات للاستجابة، وصولاً إلى القانون وقدرته على حماية الضحية ومحاسبة المعتدي.
وبين الخوف والوصمة والصمت، قد تضيع فرصة التدخل في وقت مبكر، فيما يبقى الطفل هو من يدفع الثمن الأكبر. لذلك، فإن مواجهة الاعتداء الجنسي على الأطفال لا تتطلب تشديد العقوبات فحسب، بل بناء منظومة حماية تبدأ بالوقاية والتوعية، وتضمن للطفل مساحة آمنة للكلام، ولأسرته طريق واضح للإبلاغ، وللمؤسسات قدرة سريعة ومتخصصة على التدخل.فالحماية الحقيقية لا تبدأ عندما تصل القضية إلى المحكمة، بل قبل ذلك بكثير؛ عندما يعرف الطفل أن له حدودًا، ويعرف الكبار أن أول واجب عليهم حين يتكلم هو أن يسمعوه ويحموه.