الثقة والتحديث والإنسان اللواء الركن مجدي الحراسيس رئيسا لهيئة الأركان المشتركة
بقلم: العميد م ممدوح سليمان العامري
في المؤسسات العسكرية الكبرى، لا تكون عملية انتقال القيادة مجرد تغيير في الأشخاص أو انتقال في المواقع؛ فهي، في جوهرها، تجديد للثقة، واستمرار للمسيرة، وتأكيد على اتجاه المؤسسة نحو المستقبل.
ومن هنا، فإن الإرادة الملكية السامية بتعيين اللواء الركن مجدي محمد حماد الحراسيس رئيسا لهيئة الأركان المشتركة، اعتبارا من الثاني من أيلول 2026، لا ينبغي النظر إليها فقط باعتبارها قرارا يتعلق بتعيين قائد جديد، وإنما باعتبارها مناسبة لقراءة أوسع لما تريده القيادة من القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي في المرحلة المقبلة.
فالإرادة الملكية جاءت في سياق يحمل رسائل واضحة ومتكاملة: الثقة والتكليف، واستمرار إعادة الهيكلة والتحديث، وتعزيز القدرات والجاهزية، والاستثمار في الإنسان العسكري وتمكينه وتأهيله.
وهذه ليست عناوين منفصلة؛ بل حلقات مترابطة في بناء قوة عسكرية حديثة قادرة على التعامل مع بيئة أمنية تتغير بسرعة، وتفرض على المؤسسات العسكرية أن تتطور باستمرار، لا أن تنتظر التهديد حتى يقع.
وحين يصف جلالة الملك رئيس هيئة الأركان المشتركة بأنه جندي مخلص وضابط متميز، ثم يعهد إليه بمسؤولية خدمة الأردن وأداء هذه الأمانة بكل حرص وتفانٍ، فإن الرسالة هنا تتجاوز التهنئة بالتعيين إلى تحديد طبيعة المسؤولية.
فالرتبة والموقع لا يصنعان القائد، وإنما حجم المسؤولية التي يحملها القائد، وقدرته على تحويل الثقة إلى عمل، والتوجيه إلى نتائج، والطموح إلى قدرة مؤسسية مستدامة.
ورئاسة هيئة الأركان المشتركة ليست موقعًا إداريا فحسب؛ إنها مسؤولية قيادة مؤسسة وطنية عريقة، لها تاريخها وتقاليدها وسمعتها، وتتحمل مسؤولية الدفاع عن الوطن وحماية أراضيه وأجوائه ومقدراته، وتعمل في بيئة إقليمية شديدة التعقيد.
ولهذا جاءت الرسالة الملكية واضحة في تأكيد ضرورة الحفاظ على سمعة القوات المسلحة وهيبتها، ومواصلة تعزيز قدراتها لتبقى سياج الوطن ودرعه الحصين.
والثقة، في المؤسسات العسكرية، لا تعني التوقف عند ما تحقق؛ بل تعني أن القائد الجديد يحمل مسؤولية البناء على ما أنجزه من سبقه، وتصحيح ما يحتاج إلى تطوير، واستشراف ما قد تحتاجه المؤسسة قبل أن يصبح حاجة ملحّة.
وهنا تكمن قيمة الاستمرارية.
تواجه القوات المسلحة تحديات القرن الحادي والعشرين وهي هنا لا يمكن أن تبقى أسيرة نماذج الماضي، مهما كانت نجاحاتها، فطبيعة الحرب تغيرت، ومصادر التهديد تغيرت، وأصبحت التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأنظمة غير المأهولة والحرب الإلكترونية والفضاء السيبراني والمجال المعلوماتي جزءا من البيئة الأمنية الحديثة. ولذلك فإن إعادة الهيكلة والتحديث ليستا مجرد تغيير في التنظيم أو إدخال أسلحة ومعدات جديدة؛ وإنما هما عملية مستمرة لإعادة بناء المؤسسة بما يتناسب مع طبيعة التهديدات المستقبلية. وهذا تحديدا ما أكدته التوجيهات الملكية للواء الركن الحراسيس؛ إذ وجّه جلالة الملك بمتابعة جهود إعادة هيكلة القوات المسلحة، وتطوير إمكانات الجيش العربي وتحديث أدواته بما يمكّنه من مواجهة ما يستجد من تحديات وتطورات وتهديدات بأعلى مستويات الكفاءة والجاهزية.
وقد بدأت القوات المسلحة بالفعل، خلال العام الحالي، تنفيذ توجيهات ملكية تتعلق بإعادة هيكلة الجيش العربي وتحديثه، بهدف إحداث تحول بنيوي يعزز الكفاءة ويرفع الجاهزية، مع التركيز على بناء قوة أكثر رشاقة ومرونة ونوعية، وقادرة على العمل في بيئة عمليات مختلفة ومواكبة متطلبات الحروب الحديثة وغير التقليدية.
وهنا ينبغي أن نفهم إعادة الهيكلة باعتبارها وسيلة وليست غاية. فالهيكل لا يحقق القوة بذاته، والمعدات لا تحقق الجاهزية وحدها، والتكنولوجيا لا تعوض عن الإنسان، وكل ذلك يحتاج إلى منظومة قيادة، وعقيدة، وتدريب، وتأهيل، وثقافة مؤسسية قادرة على استثمار الإمكانات وتحويلها إلى قدرة فعلية.
وهنا نصل إلى الجانب الذي أراه الأهم في التوجيه الملكي الأخير، فبعد الحديث عن الهيكلة والتحديث وتطوير الأدوات، تأتي الرسالة الملكية لتضع نشامى ونشميات القوات المسلحة من الضباط وضباط الصف والأفراد في مقدمة الاهتمام والرعاية والتمكين وبناء القدرات.
وهذه ليست مصادفة، فالجيوش الحديثة لا تُبنى بالمعدات وحدها، وإنما بالعقول التي تشغلها، والكوادر التي تطورها، والقادة الذين يحسنون استخدامها، والأفراد الذين يمتلكون المعرفة والمهارة والقدرة على اتخاذ القرار في الوقت المناسب.
ولهذا فإن الاستثمار الحقيقي في القوات المسلحة يبدأ من الاستثمار في الإنسان، فالتدريب لم يعد مجرد إعداد بدني وانضباط عسكري؛ بل أصبح عملية متكاملة لبناء المعرفة والمهارات والقدرة على التفكير والتحليل والتكيف مع بيئة العمليات المتغيرة. والتأهيل لم يعد مرتبطا بالرتبة أو الاختصاص فقط، وإنما أصبح مسارا مستمرا طوال الحياة المهنية للعسكري. أما التعليم العسكري، فينبغي أن يواكب العلوم والتقنيات الحديثة، وأن يفتح المجال أمام الضباط وضباط الصف والأفراد لاكتساب مهارات جديدة في مجالات التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني وإدارة المعلومات والقيادة واتخاذ القرار.
فالمؤسسة التي تريد أن تكون جاهزة للمستقبل، عليها أن تبني إنسان المستقبل.
وهذا المعنى عبّر عنه اللواء الركن مجدي الحراسيس بوضوح في رسالته الجوابية إلى جلالة الملك، حين أكد أن نشامى ونشميات القوات المسلحة سيبقون في مقدمة الأولويات، وأن الإنسان هو أساس القوة والجاهزية والركيزة التي يقوم عليها أداء الجيش العربي وتميزه.
ربما يكون من السهل أن نرى التحديث عندما يتعلق بطائرة أو منظومة أو آلية أو تقنية جديدة، لكن التحديث الأعمق هو ذلك الذي لا نراه بسهولة:
تحديث العقل العسكري.
أن يتعلم القائد كيف يقرأ بيئة استراتيجية معقدة.
أن يمتلك الضابط القدرة على التعامل مع معلومات متدفقة واتخاذ القرار في بيئة سريعة التغير.
أن يمتلك ضابط الصف والأفراد مهارات تتناسب مع طبيعة الأنظمة الحديثة.
أن تصبح المعرفة جزءا من الثقافة العسكرية اليومية، لا مجرد دورة تدريبية تنتهي بشهادة.
وأن تتحول القوات المسلحة من مؤسسة تتعامل مع التغيير عندما يحدث، إلى مؤسسة تستشرف التغيير وتستعد له قبل حدوثه.
وهنا تصبح إعادة الهيكلة والتحديث والتدريب والتأهيل مشروعا واحدا متكاملا، لا مشاريع منفصلة.
في الماضي، كان يمكن قياس جزء كبير من القوة العسكرية بحجم القوات، وعدد المعدات، ونوعية الأسلحة. أما اليوم، فالمعادلة أكثر تعقيدا، فالجاهزية الحقيقية هي قدرة المؤسسة على استخدام مواردها البشرية والتكنولوجية والتنظيمية في الوقت المناسب، وبالطريقة المناسبة، وتحت مختلف الظروف. قد تمتلك المؤسسة أحدث المعدات، لكنها تحتاج إلى إنسان مدرب قادر على تشغيلها، وقد تمتلك منظومات متقدمة، لكنها تحتاج إلى قيادة تعرف كيف تدمجها في منظومة واحدة، وقد تمتلك معلومات كثيرة، لكنها تحتاج إلى عقول قادرة على تحليلها وتحويلها إلى معرفة وقرار. ولهذا فإن الإنسان والتكنولوجيا والتنظيم والقيادة يجب أن تعمل كمنظومة واحدة.
من الطبيعي أن تكون لكل مرحلة أولوياتها.
والمرحلة المقبلة تبدو أكثر ارتباطا بتسريع مسار التحديث، وتعزيز المرونة والجاهزية، وتطوير القدرات البشرية، ومواصلة بناء قوة قادرة على التعامل مع تهديدات متعددة ومتغيرة. وهنا تأتي أهمية اختيار القيادة في المؤسسات العسكرية.
فالقائد لا يبدأ من الصفر، ولا يعمل خارج سياق المؤسسة؛ بل يأتي ليضيف إلى رصيد متراكم من الخبرة والتجربة والتضحيات.
ومن هذه الزاوية، فإن تعيين اللواء الركن مجدي الحراسيس يمثل حلقة جديدة في مسيرة طويلة من التطوير المستمر للقوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي. والمطلوب ليس أن يبدأ عهد جديد بإلغاء ما سبقه، وإنما أن يستمر البناء: نحافظ على ما أثبت نجاحه، ونطوّر ما يحتاج إلى تطوير، ونغيّر ما لم يعد مناسبا، ونستشرف ما سيحتاجه الجيش قبل أن تفرضه الظروف. وهذه هي فلسفة المؤسسات التي تريد أن تبقى قوية.
وفي خضم الحديث عن الهيكلة والتحديث، يجب ألا ننسى الإنسان الذي يقف في نهاية كل هذه السياسات، الجندي الذي يقضي سنوات من عمره في الخدمة، والضابط الذي ينتقل من موقع إلى آخر ويحمل مسؤولية رجاله، وضابط الصف الذي يمثل العمود الفقري للخبرة والانضباط في الوحدات، والأسرة التي تتحمل مع العسكري أعباء الخدمة والغياب والانتظار. ولهذا فإن الاهتمام بالعنصر البشري لا يعني التدريب والتأهيل فقط؛ بل يعني أيضًا الرعاية، والتحفيز، وتطوير المسار المهني، والعدالة في الفرص، والحفاظ على الروح المعنوية، وبناء بيئة مؤسسية تجعل العسكري يشعر بقيمة دوره وأهمية ما يقدمه.
فالمعنويات ليست أمرا ثانويا في القوة العسكرية، إنها جزء من القوة نفسها. والجندي الذي يشعر أن مؤسسته تستثمر فيه وتحترمه وتطور قدراته، يكون أكثر قدرة على تحمل المسؤولية وأكثر استعدادا للعطاء.
القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي، وهي تدخل مرحلة جديدة من مسيرتها، لا تحتاج فقط إلى المحافظة على ما راكمته من خبرة وتقاليد، وإنما تحتاج إلى تجديد مستمر لقدرتها على التفكير والعمل والتكيف. فالقوة العسكرية الحقيقية ليست تلك التي تتوقف عند إنجازاتها، وإنما تلك التي تسأل باستمرار:
ماذا بعد؟
ما الذي تغير؟
ما التهديد الذي قد يظهر غدا؟
ما المهارات التي يحتاجها الجندي؟
ما القدرات التي يجب أن نبنيها؟
وما الذي ينبغي أن نفعله اليوم حتى لا نضطر إلى فعله تحت ضغط الأزمة غدا؟
هذه الأسئلة هي جوهر الاستراتيجية.
وفي النهاية، فإن الإرادة الملكية السامية بتعيين اللواء الركن مجدي محمد حماد الحراسيس رئيسا لهيئة الأركان المشتركة تحمل، في تقديري، رسالة تتجاوز تغيير القيادة إلى تأكيد مسار كامل: ثقةٌ تتجدد، ومؤسسةٌ تتطور، وقدراتٌ تتحدث، وإنسانٌ يبقى محور القوة. وإذا كان التكليف هو بداية المسؤولية، فإن النجاح الحقيقي سيكون في تحويل الثقة الملكية إلى قدرة مؤسسية أكثر كفاءة، وجاهزية أكثر مرونة، وقوة أكثر قدرة على استشراف المستقبل.
وإذا كانت إعادة الهيكلة والتحديث ضرورة لمواجهة المتغيرات، فإن الاستثمار في الإنسان هو الذي يمنح هذه الهيكلة والتحديث معناهما الحقيقي.
لأن السلاح يمكن تحديثه، والمنظومة يمكن تطويرها، والهيكل يمكن إعادة تنظيمه؛ لكن الإنسان هو الذي يحوّل كل ذلك إلى قوة، ولهذا، فإن مستقبل الجيش العربي لن تحدده المعدات وحدها، ولا الهياكل وحدها، ولا التكنولوجيا وحدها؛ بل سيحدده الإنسان العسكري الأردني: علما، وتدريبا، وتأهيلا، وانضباطا، وكفاءة، وانتماء.
وفي هذه المناسبة، نبارك للواء الركن مجدي الحراسيس الثقة الملكية السامية، ونسأل الله أن يعينه على حمل أمانة المسؤولية، وأن يوفقه وإخوانه في القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي لمواصلة مسيرة البناء والتحديث والتطوير، وأن يبقى هذا الجيش كما كان دائما: درعا للوطن، وسياجا للدولة، ومدرسة للانضباط والاحتراف، ومؤسسة تتجدد قوتها بتجدد رجالها وقدرتها على صناعة المستقبل. فالقائد يتغير، والمرحلة تتغير، والتحديات تتغير؛ أما الأمانة فتبقى واحدة: أن يبقى الجيش العربي جاهزا للأردن، وقادرا على حماية مستقبله، في ظل راعي المسيرة وحادي الركب القائد الأعلى للقوات المسلحة جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله ورعاه.