الجيش العربي… مؤسسة لا تُقرأ بمنطق الفرضيات
عماد عبدالقادر عمرو
إلى كل من حلّل وكتب وأسهب في وضع الفرضيات والتكهنات حول تغيير قائد الجيش في هذه الظروف الحساسة، أقول له: وفّر جهدك ووقتك.
فالجيش العربي ليس مؤسسة تُدار بمنطق الأشخاص، ولا تتوقف مسيرته عند اسم قائد أو منصب. إنها مؤسسة وطنية راسخة، لها تاريخها وعقيدتها العسكرية ومهنيتها، وتخضع لأوامر قائدها الأعلى جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، حفظه الله.
ومن قاد الجيش خلال السنوات الماضية هو قائد عسكري أردني مخلص لوطنه ولقائده ولمؤسسته، حمل الأمانة في مرحلة دقيقة، وكان موضع ثقة القائد الأعلى واحترام أبناء الوطن. واليوم يترجل هذا الفارس عن موقعه، ليسلّم الراية إلى قائد جديد، في صورة تعكس طبيعة العمل المؤسسي داخل القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي.
القائد السابق أدى واجبه، والقائد الجديد يبدأ مهمته من حيث انتهى سلفه، بهمة وعزيمة ومسؤولية، مستكملاً مسيرة مؤسسة لا تُبنى على الأشخاص، وإنما على تراكم الخبرة والانضباط والعقيدة والواجب.
وهذه هي النقطة التي يغفل عنها كثيرون عند محاولة قراءة مثل هذه القرارات.
الجيش العربي أبعد ما يكون عن تحليلات هواة الكتابة والسياسة، وعن القصص التي تُبنى على سؤال: لماذا الآن؟ وماذا وراء القرار؟ ومن المستفيد؟ وكأن مؤسسة بحجم القوات المسلحة يمكن أن تُختزل في هذه الأسئلة.
داخل الجيش، انتقال المسؤولية من قائد إلى قائد ليس حدثاً استثنائياً يستدعي كل هذه الروايات. إنها سنة العمل العسكري، حيث يعرف كل ضابط منذ اليوم الأول أن المواقع لا تدوم، وأن الراية أهم من حاملها، وأن الواجب يستمر مهما تغيرت الأسماء.
والأردنيون يعرفون جيشهم جيداً.
يعرفون أن القوات المسلحة الأردنية – الجيش العربي لم تكن يوماً مؤسسة مرتبطة بشخص، وأن رجالاتها الذين تعاقبوا على قيادتها تركوا بصماتهم فيها، ثم غادروا مواقعهم وبقي الجيش شامخاً، يؤدي دوره ويحمل رسالته.
ولهذا فإن الجيش العربي، إلى جانب أجهزتنا الأمنية، سيبقى في وجدان الأردنيين مؤسسة وطنية لها مكانتها الخاصة، ليس لأنها فوق النقد أو فوق الدولة، وإنما لأنها إحدى أهم ركائز أمن الدولة واستقرارها، ولأن الأردنيين يعرفون جيداً ماذا يعني أن يبقى الوطن آمناً في محيط إقليمي لا يعرف الهدوء.
ومن هنا، فإن التعامل مع قرار تغيير القيادة يجب أن يكون من هذه الزاوية: قرار صادر عن القيادة العليا، ضمن مؤسسة عسكرية راسخة، وفي إطار مسؤولية الدولة عن حماية أمنها ومصالحها العليا.
نبارك لقائد الجيش الجديد مهمته ومسؤوليته الوطنية، ونسأل الله أن يوفقه في حمل الأمانة، وأن يكون خير خلف لخير سلف.
وللقائد السابق نقول بكل تقدير:
كفيت ووفيت.
حملت المسؤولية في ظروف صعبة، وأديت واجبك تجاه وطنك ومؤسستك، وستبقى محل فخر واعتزاز لكل أردني يقدّر قيمة الجندية الأردنية ويعرف معنى المسؤولية التي يحملها قائد القوات المسلحة.
أما قرار التغيير نفسه، فلا أراه مناسبة للقلق ولا مادة لصناعة السيناريوهات.
في دولة مؤسسات، يتغير المسؤول ويبقى الوطن، يتبدل القائد وتبقى المؤسسة، وينتقل الموقع من رجل إلى رجل بينما تستمر الراية في مكانها.
وهذه بالضبط قوة الجيش العربي.
أن لا يكون مرهوناً بفرد، وأن لا تتوقف مهمته على اسم، وأن يعرف كل من يرتدي بزته العسكرية أن خدمته للوطن أكبر من موقعه، وأن الأمانة التي يحملها اليوم سيحملها من يأتي بعده غداً.
في هذه المرحلة الإقليمية المعقدة، نحن أحوج ما نكون إلى الثقة بمؤسسات دولتنا، وإلى ترك الملفات العسكرية والأمنية لأهل الاختصاص والجهات التي تملك كامل الصورة، لا إلى بناء مواقف على قراءة ناقصة أو معلومة مبتورة.
نحن نثق بقرارات سيد البلاد، ونثق بجيشنا العربي وقادته ورجاله، ونثق بأجهزتنا الأمنية، ونعرف أن خلف هذه المؤسسات رجالاً يعرفون معنى المسؤولية، ويضعون الأردن وأمنه واستقراره فوق كل اعتبار.
لذلك، بعيداً عن كل ما كُتب وقيل وسيقال:
مبارك للقائد الجديد، وكل التقدير للقائد السابق.
الراية واحدة، والمؤسسة واحدة، والواجب واحد، والأردن أولاً وأخيراً.
حفظ الله الوطن، وحفظ جلالة الملك عبدالله الثاني ابن الحسين، القائد الأعلى للقوات المسلحة، وولي عهده الأمين سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني، وحفظ جيشنا العربي وأجهزتنا الأمنية ورجالها، وأدام على الأردن أمنه واستقراره وعزته.
رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً