هندسة الدولة Vs هندسة النفوذ

د. حازم قشوع

تدخل المنطقة مرحلة جديدة من إعادة تشكيل منظومتها السياسية والأمنية والاقتصادية، وهي مرحلة لن تتضح صورتها النهائية قبل انتهاء المخاض السياسي والانتخابي الذي تشهده مراكز القرار الدولية والإقليمية، ولا سيما مع اقتراب استحقاقات نوفمبر وما يمكن أن تنتجه من إعادة ترتيب للأولويات والتحالفات وموازين القوة. ولذلك فإن قراءة المشهد الإقليمي اليوم لا ينبغي أن تتوقف عند الأحداث الجارية، وإنما يجب أن تتجه إلى ما بعدها، أي إلى شكل المنطقة بعد انتهاء هذا المخاض واتضاح اتجاهات السياسة الدولية ومواقف القوى المؤثرة فيها.

وفي هذا السياق بدأت بعض الدول في بناء صيغ حماية إقليمية جديدة، كما يظهر في التقارب التركي السعودي الباكستاني الذي يعكس محاولة لتشكيل حالة توازن وعدم انحياز، في الوقت الذي تواصل فيه إسرائيل توسيع نطاق حضورها الأمني والجغرافي في الجنوب اللبناني والجنوب السوري، وتدفع باتجاه فرض وقائع جديدة في الضفة الغربية، إلى جانب السعي نحو ترتيبات أمنية عازلة على الحدود الأردنية الإسرائيلية، بما قد يفتح لاحقاً مسارات مواجهة أو احتواء مختلفة في اتجاه مصر، التي تعمل بدورها على بناء نموذج استراتيجي جديد في علاقاتها مع الصين، ضمن قراءة أوسع لتحولات ما بعد إيران، باعتبارها أحد المداخل المحتملة لإعادة ترتيب الإقليم.

ومن هنا فإن المرحلة المقبلة لا تبدو مجرد انتقال من تحالف إلى آخر، أو من حالة صراع إلى حالة تهدئة، وإنما تبدو أقرب إلى إعادة تعريف لطبيعة الدولة نفسها، ولدورها في النظام الإقليمي القادم. فالمنطقة لا تتجه بالضرورة نحو إعادة رسم الحدود وتقسيم الدول بالصورة التقليدية، وإنما نحو نموذج أكثر تعقيداً يقوم على إعادة هندسة الدولة من الداخل، وإعادة تعريف مصادر القرار ومراكز القوة وعلاقاتها الخارجية. وهنا يظهر الفارق بين "هندسة الدولة" و"هندسة النفوذ"؛ فهندسة الدولة تعني بناء المؤسسات وتوحيد القرار السياسي والأمني والاقتصادي وترسيخ السيادة وإنتاج دولة قادرة على إدارة علاقاتها وفق مصالحها الوطنية، بينما تقوم هندسة النفوذ على إنتاج بيئات سياسية وأمنية واقتصادية تسمح بتوزيع التأثير داخل الدولة وعبرها، بحيث تبقى الدولة قائمة بحدودها وشكلها القانوني، لكن تتعدد داخلها مراكز القوة ومصادر القرار والارتباطات الخارجية. ولذلك فإن التحدي القادم لن يكون فقط في منع تقسيم الدول جغرافياً، وإنما في منع تحول الهويات الفرعية إلى وحدات سياسية متنافسة داخل الدولة الواحدة.

وهنا تصبح "دولة المواطنة" نقطة البداية في هندسة الدولة لذاتها؛ فالدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية وسيادة القانون ووحدة المؤسسات وتكافؤ الحقوق والواجبات تستطيع احتواء التنوع الاجتماعي والسياسي، وتحويل تعدد الهويات إلى مصدر قوة داخل الإطار الوطني، بدلاً من أن يتحول إلى مشاريع انقسام. أما عندما تضعف دولة المواطنة، فإن الهويات الفرعية تبدأ بالبحث عن تمثيل سياسي وأمني واقتصادي مستقل، وعندها يمكن أن يبدأ التقسيم من الداخل قبل أن يظهر على الخريطة. فبدلاً من أن يكون التقسيم بين دول وحدود، يصبح بين جماعات وهويات ومناطق ومصالح، وقد تتحول الدولة الواحدة تدريجياً إلى مجموعة "دول مواطنة" متجاورة داخل الإطار الجغرافي نفسه، لكل منها سرديتها ومصالحها وشبكات ارتباطها، وهو ما يفتح المجال أمام هندسة النفوذ لكي تعمل من داخل الدولة لا من خارجها.

ومن هذه الزاوية يمكن فهم الحالة السورية باعتبارها مدخلاً لقراءة النموذج القادم، لا باعتبارها أساس هذا النموذج أو نهايته. فما يجري في سوريا يتجاوز الأزمة السورية إلى سؤال أكبر يتعلق بكيفية إعادة إنتاج الدولة في منطقة تتغير فيها موازين القوى. فاستعادة الدولة السورية لوحدتها وسيادتها وقدرتها على إدارة أراضيها وعلاقاتها الخارجية تمثل نموذج "هندسة الدولة"، بينما يمكن أن تتحول تعددية مراكز النفوذ والترتيبات الأمنية والارتباطات الخارجية إلى نموذج "هندسة النفوذ". ولذلك فإن القضية السورية لا تكمن فقط في مستقبل العلاقة السورية الإسرائيلية أو في طبيعة التفاهمات الأمنية التي يجري بحثها، وإنما في السؤال الأوسع: هل ستنجح سوريا في إعادة بناء دولة المواطنة والمؤسسات، أم ستدخل مرحلة جديدة من توزيع النفوذ بين هويات ومراكز قوة متعددة؟..!

ومن هذه الزاوية أيضاً ينبغي قراءة المسار السوري الإسرائيلي بعيداً عن اختزاله في عنوان التطبيع؛ فالتفاوض ليس بالضرورة تطبيعاً، وخفض التصعيد لا يعني بالضرورة إقامة علاقات سياسية، كما أن التفاهمات الأمنية لا تعني بالضرورة انتقالاً فورياً إلى تسوية سياسية. لكن أهمية هذه المسارات تكمن في موقعها من عملية إعادة تشكيل المنطقة. فإذا جاءت ضمن مشروع يعزز سيادة الدولة السورية ووحدتها وقدرتها على إدارة حدودها، فإنها يمكن أن تكون جزءاً من هندسة الاستقرار، أما إذا جاءت في سياق ترتيبات تتجاوز الدولة أو تسبق اكتمال بنائها، فقد تصبح جزءاً من هندسة النفوذ. ولذلك فإن السؤال الأهم ليس "هل ستطبع سوريا؟"، وإنما "هل ستعيد سوريا بناء دولتها أولاً، أم سيعاد تشكيل موقعها قبل اكتمال الدولة؟". وهذا السؤال لا يخص سوريا وحدها، وإنما يمكن أن يصبح سؤال المرحلة الإقليمية كلها.

ومن هنا يبرز الدور الأردني باعتباره نموذجاً مختلفاً في التعامل مع المرحلة المقبلة؛ فالأردن لا ينظر إلى سوريا باعتبارها ملفاً حدودياً منفصلاً، وإنما باعتبارها جزءاً من منظومة أمن إقليمي مترابطة، ولذلك فإن التعامل مع الملف السوري يقوم على قاعدة حماية الدولة السورية ووحدتها وسيادتها، لأن أمن الأردن لا يتحقق من خلال إنتاج دولة سورية ضعيفة أو موزعة النفوذ، وإنما من خلال دولة سورية قادرة على ضبط حدودها وإدارة علاقاتها. وهذا المنظور يتجاوز الحسابات الآنية إلى إدراك أن المنطقة المقبلة تحتاج إلى دول قادرة على إدارة أمنها ومصالحها، لا إلى كيانات تتحول إلى ساحات لتوزيع النفوذ. ومن هنا فإن الدور الأردني يمكن قراءته في إطار دعم منطق الدولة، باعتبار أن استقرار الدولة السورية ووحدتها يشكلان جزءاً من استقرار الإقليم بأكمله.

لكن المسألة تتجاوز سوريا والأردن، لأن النموذج الذي يتشكل اليوم قد يصبح عنوان المرحلة الإقليمية المقبلة، خصوصاً بعد انتهاء المخاض السياسي والانتخابي في نوفمبر. فقد تنتقل المنطقة من مرحلة كانت فيها القوى الكبرى تتنافس على الجغرافيا إلى مرحلة تتنافس فيها على اتجاهات القرار داخل الدول، وعلى الاقتصاد والطاقة والتكنولوجيا والأمن والممرات التجارية والتحالفات السياسية. وفي مثل هذه المرحلة لن يكون السؤال فقط: من يمتلك النفوذ؟ وإنما: هل تمتلك الدولة القدرة المؤسسية والسياسية والاجتماعية على احتواء هذا النفوذ ومنعه من التحول إلى قوة داخلية موازية للدولة؟ وهنا تحديداً تصبح هندسة الدولة لذاتها ضرورة استراتيجية، لأن الدولة التي تعيد بناء مؤسساتها وتحصّن مواطنتها وتوحد قرارها تستطيع استقبال الشراكات الخارجية دون أن تتحول تلك الشراكات إلى مراكز نفوذ داخلية.

وهنا تبرز المعادلة الأكثر أهمية في المرحلة القادمة: إما أن تتشكل "دولة المواطنة"، وإما أن يبدأ تشكيل "دول المواطنة" داخل الدولة الواحدة. والفرق بين الحالتين ليس لغوياً، وإنما يتعلق بمستقبل الدولة نفسها. ففي الحالة الأولى تصبح المواطنة إطاراً جامعاً للهويات والتنوعات والانتماءات، وتكون الدولة هي المرجعية السياسية والقانونية والأمنية والاقتصادية لجميع مواطنيها. أما في الحالة الثانية فتبدأ الهويات الفرعية في إنتاج أطر سياسية وأمنية واقتصادية خاصة بها، ويصبح الانتماء الفرعي أكثر قدرة على إنتاج القرار من الانتماء الوطني، وعندها يبدأ التقسيم على أساس الهوية قبل أن يبدأ على أساس الجغرافيا. وقد تبقى الخريطة كما هي، بينما تكون الدولة قد تغيرت من الداخل، فتتحول إلى أنظمة متعددة داخل نظام واحد، ومراكز نفوذ متعددة داخل دولة واحدة.

ولهذا فإن "هندسة الدولة لذاتها" لا ينبغي أن تُفهم باعتبارها مشروعاً إدارياً أو إصلاحياً فقط، وإنما باعتبارها مشروعاً وقائياً لحماية الدولة من هندسة الآخرين لها. فالدولة التي تمتلك مشروعاً وطنياً جامعاً، وتبني دولة المواطنة، وتعيد تعريف العلاقة بين المواطن والمؤسسة، وتضمن تكافؤ الفرص وسيادة القانون، تستطيع أن تستوعب تعدد المصالح والهويات ضمن إطار وطني واحد. أما الدولة التي تترك فراغاً في مفهوم المواطنة أو تسمح بتحول الانتماءات الفرعية إلى بدائل عن الانتماء الوطني، فإنها تفتح الباب أمام هندسة النفوذ لكي تجد لها حوامل داخلية. وعندها لا يعود الخارج بحاجة إلى تقسيم الدولة؛ إذ يكفي أن يساعد على تشكيل مراكز نفوذ داخلها، وأن يعيد ترتيب العلاقة بين مكوناتها، لتصبح الدولة موحدة في الشكل، متعددة في القرار.

ومن هنا فإن الخطر القادم قد لا يكون "تقسيم الدول" بالمعنى الجغرافي التقليدي، وإنما "تقسيم الدولة على الهويات"، أي الانتقال من دولة المواطنة إلى دول المواطنة داخل الدولة الواحدة. وهذا النوع من التقسيم أكثر تعقيداً، لأنه لا يحتاج إلى إعلان حدود جديدة، وإنما يحتاج إلى إعادة تعريف المواطن باعتباره عضواً في جماعة فرعية قبل أن يكون مواطناً في الدولة. وعندما يحدث ذلك، تتحول الهوية إلى مؤسسة سياسية، والمكوّن إلى مركز قرار، والمنطقة إلى مجال نفوذ، وعندها يصبح النفوذ الخارجي قادراً على العمل من خلال الداخل، لا عليه فقط. وهنا تكون هندسة النفوذ قد حققت غايتها بأقل تكلفة، لأن الدولة نفسها تصبح البيئة التي يعمل النفوذ من خلالها.

ولهذا فإن ما بعد نوفمبر ينبغي أن يقرأ باعتباره مرحلة اختبار لقدرة الدول على هندسة ذاتها قبل أن تتعرض لهندسة الآخرين. فالدولة التي تعيد بناء مؤسساتها على قاعدة المواطنة وتكافؤ الفرص وسيادة القانون تستطيع أن تحتوي سياسات النفوذ وتعيد توجيهها نحو الشراكة، بينما الدولة التي تعجز عن إنتاج إطار وطني جامع ستجد أن النفوذ الخارجي يمكن أن يتحول إلى نفوذ داخلي، وأن الهويات الفرعية يمكن أن تصبح أدوات لإعادة تشكيل الدولة من الداخل. وفي هذه الحالة يصبح "هندسة الدولة لذاتها" هو المشروع الوقائي الذي يحول دون تحول "هندسة النفوذ" إلى مشروع بديل عن الدولة، ويصبح بناء دولة المواطنة ليس مجرد خيار سياسي، وإنما شرطاً لبقاء الدولة موحدة وقادرة على صناعة قرارها.

إن المنطقة تقف اليوم أمام مفترق يتجاوز التحالفات والحدود؛ فإما أن تنجح دولها في بناء دولة المواطنة القادرة على استيعاب تنوعها وإدارة مصالحها وصناعة قرارها، وإما أن تبدأ مرحلة تشكيل "دول المواطنة" داخل الدولة الواحدة، وعندها يبدأ التقسيم من الهوية قبل الجغرافيا، ومن المجتمع قبل الخريطة. وسوريا هنا ليست نهاية الحكاية، وإنما مدخل لقراءة ما يمكن أن يكون عليه النموذج القادم، لأن السؤال السوري يمكن أن يتحول إلى سؤال إقليمي أوسع: هل ستنجح الدولة في هندسة ذاتها، أم ستترك فراغاً تتقدم إليه هندسة النفوذ؟ فالمعادلة القادمة ليست بين الانفتاح والانغلاق، ولا بين التطبيع وعدم التطبيع، ولا حتى بين التحالف والخصومة، وإنما بين دولة قادرة على هندسة ذاتها ودولة تسمح للآخرين بهندسة نفوذهم داخلها.

ولذلك فإن ما بعد نوفمبر قد لا يكون مجرد مرحلة سياسية جديدة، وإنما بداية اختبار حقيقي للدول: من يستطيع أن يحافظ على وحدته من خلال المواطنة، ومن يسمح بأن تتحول الهويات الفرعية إلى أدوات نفوذ، ومن يستطيع أن يجعل الشراكات الخارجية إضافة إلى قوته الوطنية لا بديلاً عنها. وهنا تكون "هندسة الدولة" هي الوسيلة، و"دولة المواطنة" هي القاعدة، واحتواء "هندسة النفوذ" هو الهدف، لأن الدولة التي لا تعيد تشكيل نفسها وفق مصالح مواطنيها، قد تجد أن الآخرين سيعيدون تشكيلها وفق مصالحهم.