الإنسان العربي والحب


هذا ما قاله يوماً الشاعر العربي الكبير "أدونيس": "أشك في وجود الحب في العالم العربي.. هناك غرائز، علاقات جنسية، رغبة في التملك، رغبة في الإنجاب، لكن لا وجود للحب". فأدونيس، الذي خبر الحياة في الوطن العربي وعاش في خضم الحروب الأهلية والصراعات الطائفية والديكتاتوريات التي قمعت الحرية في الوطن العربي، ثم انتقل ليعيش عمره المديد في باريس منذ عقود من الزمن، لكنه ما زال يلاحظ ويكتب ناقداً بذهن متوقد عن الحياة العربية، معبراً بالشعر العالي عما يجول في ذاته.

الذي دفعني للقبول المتحفظ لما قاله أدونيس، هو رؤيتي لكمية البغض والحقد والكراهية المعاكسة للحب في الوطن العربي، ليس للأعداء، إنما لأبناء الوطن الواحد أو للطائفة المختلفة لطائفتهم أو لديانتهم أو لقوميتهم وعرقهم وحتى لأصحاب الرأي المناوئ لرأيهم، ولو كانوا هؤلاء من بني جلدتهم ومن بني جنسهم وقوميتهم.

أتساءل بألم: ما مصدر هذه الشرور، وكيف تزرع، ومتى في قلوب أصحابها؟ من المسؤول عن كمية هذا الحقد والكراهية؟ أظن أنه الإحباط وحالة القرف والتعصب الأعمى التي يعيشها المواطن العربي في أغلب مراحل حياته، والتي أوصلته إلى كبت الكثير من مشاعر الكراهية والحقد على ذاته التي لم تنجز ما كان يحلم به وما أراد تحقيقه، وعلى مجتمعه ودولته التي حدتها من حريته ولم تتح له الفرصة اللازمة لتحقيق أحلامه وذاته، فتحولت هذه الطاقة السلبية إلى نوع من الكره والحقد على الحياة ذاتها.

الحب طاقة إيجابية عظيمة، إذا توفرت فإنها قادرة على إسعاد الفرد والمجتمع معاً، لكنها ليست عاطفة عابرة أو حالة عشق ملتهبة زائلة، بل هي موقف عاطفي وعقلي ومبدأ تربوي يتربى عليه الناس منذ صغرهم، ليحبوا أنفسهم أولاً ومن ثم من حولهم من الناس. وتتسع دائرة الحب رويداً رويداً مع العمر والمعرفة والانفتاح لتشمل الإنسانية كافة. تبدأ الحلقة الأولى من حلقات "دائرة الحب" من حب الأم والأب والعائلة لتتوسع إلى دائرة الزملاء والرفاق في العمل وحتى في الشارع وإلى أهل المدينة والوطن لتشمل العالم بأسره.

لا يهتم صراع البقاء المسيطر في العالم العربي بهذه الطاقة الإيجابية الرائعة، وليست ضمن أولوياته في التربية والتعليم وفي تنشئة الطفل لتنغرس هذه الطاقة في وجدانه منذ الصغر، بالقول والمثل، بل إن صراع البقاء الذي يعيشه المواطن العربي يفرض عليه قيماً مغايرة للحب، مثل تعلم القوة والشراسة والأنانية ليدافع عن وجوده وعن عائلته، وليبقى حياً، لكنه دون أن يعرف حقيقة الحيلة التي تكمن بالحب نفسه.

السؤال الذي يطرح نفسه: هل علينا أولاً أن نوفر الشروط الضرورية واللازمة لتنمو طاقة الحب وتزدهر في قلوب الأطفال والشباب ومن ثم ندعوهم ليمارسوها؟

صحيح أن النبتة من النبات لا تنمو في ظروف صعبة أو مستحيلة لنموها، ولكنها في اللحظة التي تقاوم فيها كل تلك الظروف الصعبة والمستحيلة تكمن فيها قد قاومت كل ظروف الموت واختارت الحياة لتزدهر ولتعطي مثالاً واضحاً على قوة وإرادة الحياة فيها.

هو الحب مثل النبتة التي تقاوم الموت وتعطي أملاً لحياة خالية من الحقد والكراهية تائقة دوماً نحو حياة مفعمة بالسعادة والعطاء والتضحية.

د. جورج الفار