الذكاء الاصطناعي وسوق العمل... هل خريجو الجامعات مستعدون؟


الدكتور أحمد علي
متخصص في إدارة سلاسل التزويد

لم تعد الشهادة الجامعية وحدها ضمانة كافية للحصول على وظيفة، فسوق العمل الذي يستقبل خريجي اليوم يتغير بسرعة غير مسبوقة، وأصبح الذكاء الاصطناعي أحد أهم العوامل التي تعيد تشكيل الوظائف والمهارات المطلوبة. ولم يعد السؤال مرتبطًا فقط بالتخصص أو المعدل الجامعي، بل بما يستطيع الخريج القيام به فعليًا، ومدى قدرته على استخدام التكنولوجيا والتكيف مع بيئة عمل تتغير باستمرار.

وفي الأردن، تبدو هذه القضية أكثر إلحاحًا في ظل استمرار تحديات البطالة وصعوبة انتقال بعض الخريجين من الجامعة إلى سوق العمل. وتشير أحدث بيانات دائرة الإحصاءات العامة إلى أن معدل البطالة بين الأردنيين بلغ 21% خلال الربع الثاني من عام 2026، مقارنة بـ21.3% في الفترة نفسها من العام السابق. وهذا الرقم، رغم التحسن الطفيف، يؤكد أن قضية التشغيل لا ترتبط فقط بتوفير فرص العمل، وإنما أيضًا بمدى توافق مهارات الباحثين عن العمل مع احتياجات المؤسسات والقطاعات الاقتصادية.

وعالميًا، تكشف المؤشرات حجم التحول القادم. فبحسب تقرير مستقبل الوظائف 2025 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، سيؤثر التحول في سوق العمل في نحو 22% من الوظائف بحلول عام 2030، مع توقع إنشاء نحو 170 مليون وظيفة جديدة مقابل إزاحة نحو 92 مليون وظيفة، أي صافي زيادة يقدر بنحو 78 مليون وظيفة. ويشير التقرير أيضًا إلى أن قرابة 40% من المهارات المطلوبة في الوظائف مرشحة للتغير، بينما يرى 63% من أصحاب العمل أن فجوة المهارات تمثل أحد أبرز العوائق أمام تحول مؤسساتهم.

وهذا يقودنا إلى حقيقة مهمة: الذكاء الاصطناعي لا يعني بالضرورة اختفاء الإنسان من سوق العمل، لكنه سيغير طريقة أداء الكثير من الوظائف. وربما لن تكون المنافسة في المستقبل بين الإنسان والذكاء الاصطناعي، بقدر ما ستكون بين شخص يعرف كيف يوظف الذكاء الاصطناعي في عمله وآخر لا يعرف.

فالذكاء الاصطناعي لم يعد حكرًا على المبرمجين ومتخصصي تكنولوجيا المعلومات. المحاسب يستخدم أدوات الأتمتة وتحليل البيانات، والمسوق يعتمد على التحليلات الرقمية، والمتخصص في سلاسل التزويد يستخدم تقنيات التنبؤ بالطلب وإدارة المخزون، والموظف المالي يستفيد من الأدوات الذكية في تحليل المخاطر واتخاذ القرارات. وهذا يعني أن المهارات الرقمية أصبحت جزءًا من معظم التخصصات وليست مسارًا منفصلًا عنها.

ومن هنا تبرز أهمية التعليم التقني والتطبيقي بصورة أكبر من أي وقت مضى. فالسوق الجديد لا يحتاج فقط إلى من يعرف النظرية، بل إلى من يستطيع تشغيل الأنظمة، وتحليل البيانات، واستخدام التكنولوجيا، والتعامل مع مشكلات حقيقية داخل بيئة العمل. وهذا تحديدًا ما يمنح التعليم التقني قيمة استراتيجية، لأنه يربط التعلم بالتطبيق ويقرب الطالب من متطلبات الوظيفة الفعلية.

وتعكس بعض المؤشرات الأردنية أهمية هذا التوجه. فقد أعلنت مؤسسة التدريب المهني مؤخرًا عن فتح التسجيل في 34 معهدًا ومركز تميز، تقدم أكثر من 140 برنامجًا تدريبيًا في تخصصات مختلفة، منها نحو 30 برنامجًا جديدًا أو مطورًا في قطاعات مرتبطة باحتياجات سوق العمل. كما أظهرت بيانات المؤسسة عن عام 2024 تسجيل نحو 9,500 متدرب، وتحديث 76 برنامجًا واستحداث 33 برنامجًا جديدًا، مع تحقيق معدل تشغيل بلغ نحو 62%.

هذه الأرقام تعطي إشارة واضحة إلى أن التعليم والتدريب التقنيين ليسا خيارًا ثانويًا، بل يمكن أن يكونا أحد أهم المسارات لمعالجة فجوة المهارات. فنجاح أي نظام تعليمي في المرحلة المقبلة لن يقاس فقط بعدد الخريجين، بل بقدرة هؤلاء الخريجين على الانتقال بسرعة إلى سوق العمل وأداء وظائف حقيقية بكفاءة.

وهذا يفرض على الجامعات والكليات التقنية إعادة التفكير في طبيعة البرامج الأكاديمية. فالمطلوب ليس إلغاء الجانب النظري، بل تحقيق توازن حقيقي بين المعرفة والتطبيق. ويمكن أن يتحقق ذلك من خلال زيادة الساعات العملية، والتدريب داخل الشركات، والمشروعات التطبيقية، والمحاكاة، والمختبرات الرقمية، والشهادات المهنية، وربط تقييم الطالب بقدرته على تنفيذ المهمة وليس فقط بحفظ محتواها.

كما أن التعليم التقني يجب ألا يبقى محصورًا في المهن التقليدية؛ فمفهومه اليوم اتسع ليشمل مجالات متقدمة مثل الذكاء الاصطناعي، وتحليل البيانات، والأمن السيبراني، والأتمتة، والتجارة الإلكترونية، والتكنولوجيا المالية، واللوجستيات الذكية، وأنظمة إدارة المخزون وسلاسل التزويد. وهنا يمكن للتعليم التقني أن يشكل جسراً حقيقياً بين الجامعة والقطاع الخاص.

ولا يعني ذلك أن يتحول كل طالب إلى مبرمج، بل أن يمتلك القدرة على استخدام التكنولوجيا التي تخدم تخصصه. فطالب الإدارة يحتاج إلى فهم التحليلات والذكاء الاصطناعي، وطالب المحاسبة يحتاج إلى معرفة أثر الأتمتة في مهنته، وطالب سلاسل التزويد واللوجستيات يحتاج إلى التعامل مع أنظمة التنبؤ وإدارة المخزون، وطالب التسويق يحتاج إلى فهم أدوات التسويق والتحليل الرقمي.

وفي المقابل، لا تقع المسؤولية على المؤسسات التعليمية وحدها. فالطالب نفسه مطالب بالاستثمار في مهاراته وعدم انتظار التخرج للبدء في الاستعداد لسوق العمل. فالدورات الرقمية، والشهادات المهنية، والتدريب، والتعلم الذاتي أصبحت متاحة أكثر من أي وقت مضى، والقدرة على التعلم المستمر أصبحت في حد ذاتها إحدى أهم المهارات المهنية.

إن سوق العمل الجديد يفرض معادلة مختلفة: شهادة أكاديمية، ومهارة تقنية، وخبرة عملية، وكفاءة رقمية، وقدرة مستمرة على التعلم والتكيف. ولذلك فإن التحدي أمام الأردن ليس فقط تخفيض البطالة أو زيادة عدد الوظائف، بل بناء منظومة تعليمية أكثر ارتباطًا بالإنتاج والعمل والتكنولوجيا.

فالذكاء الاصطناعي يغير قواعد سوق العمل بسرعة، والتعليم التقني يمكن أن يكون أحد أهم أدوات الاستجابة لهذا التحول. والسؤال الذي يجب أن يشغل الجامعات والطلبة وأصحاب القرار اليوم ليس فقط: كم خريجًا نُخرج كل عام؟ بل: هل نُخرج خريجين يمتلكون فعلًا المهارات التي يحتاجها عصر الذكاء الاصطناعي؟