قنوات دحلان المتعددة: فرصة سياسية أم مخاطرة استراتيجية؟

قنوات دحلان المتعددة: فرصة سياسية أم مخاطرة استراتيجية؟

محسن الشوبكي خبير امني واستراتيجي

في المعادلة السياسية الراهنة لقطاع غزة، يبرز نمط واضح في تحركات محمد دحلان: القدرة على فتح قنوات متزامنة مع أطراف تبدو في الظاهر متناقضة. فمن جهة، اتصالات مستمرة مع حماس والجهاد الإسلامي تتناول الترتيبات الانتخابية وخريطة الطريق. ومن جهة أخرى، قنوات مع مبعوثين أمريكيين وجهات إسرائيلية مرتبطة بمجلس السلام وترتيبات ما بعد الحرب، وفق المعطيات والتقارير المتداولة. هذا التزامن يمنح التيار وزناً سياسياً ملحوظاً، لكنه في الوقت نفسه يضع المعادلة أمام مخاطر استراتيجية لا يمكن تجاهلها.
التوازن بين هذين المسارين ليس مجرد مهارة دبلوماسية، بل يعتمد على افتراض أن الأطراف المتباينة ستقبل باستمرار هذا الدور دون أن تستخدمه ضد بعضها. غير أن الواقع الأمني والسياسي يشير إلى هشاشة هذا الافتراض. فالرفض الإسرائيلي الصريح لأي دور سياسي لحماس، والحرص الأمريكي على نزع السلاح كشرط أساسي، يصطدمان مباشرة مع أي تحالف انتخابي أو سياسي يمنح الحركة حضوراً شرعياً. في المقابل، فإن أي تقارب مفرط مع الجانب الإسرائيلي-الأمريكي قد يُفسر داخل الأوساط الفلسطينية كتجاوز للخطوط الحمراء، خاصة في ظل الحساسية العالية تجاه ترتيبات اليوم التالي .
المخاطر تتعاظم في لحظات الحسم. فإذا انهار أحد المسارين، سواء بسبب تعثر في المفاوضات أو تغير في الحسابات الإسرائيلية أو الأمريكية، فإن المسار الآخر قد يتحول من مصدر قوة إلى نقطة ضغط. والتاريخ السياسي الفلسطيني يظهر أن الأدوار التي تعتمد على تعدد القنوات تكون عرضة للتآكل السريع عندما تتعارض المصالح الجوهرية للأطراف. وهنا يصبح السؤال مركزياً: هل يستطيع هذا التوازن أن يصمد أمام الضغوط المتصاعدة، أم أنه يحمل في طياته احتمالات انهيار مفاجئ يؤثر على موقع التيار نفسه؟
وقد لا يكون دحلان مجرد وسيط بين هذه الأطراف، بل أحد الأسماء التي يجري اختبار مدى ملاءمتها ضمن ترتيبات سياسية محتملة لقطاع غزة في مرحلة ما بعد الحرب. وهذه الفرضية، إن صحت، تجعل تعدد قنواته أكثر تعقيداً؛ لأن النجاح لن يتوقف فقط على القدرة على التواصل مع الجميع، وإنما على مدى قبول الأطراف المختلفة لأي دور سياسي محتمل. فالفارق كبير بين امتلاك قنوات اتصال متعددة وبين القدرة على تحويلها إلى ترتيب سياسي قابل للاستمرار.
الانعكاسات على حسابات السلطة الفلسطينية واضحة. فاستمرار هذه القنوات المتزامنة يعقد قدرتها على فرض إيقاعها الخاص على الانتخابات أو على ترتيبات القطاع. وإذا شعرت رام الله أن التحالفات المحتملة قد تضعف حضورها، فإن خيارات التأجيل أو إعادة ترتيب الشروط تصبح أكثر واقعية. وفي المقابل، فإن أي دور مستقبلي محتمل سيعتمد على القدرة على إدارة هذه التناقضات دون فقدان ثقة أحد الأطراف، وعلى الانتقال من إدارة العلاقات إلى بناء صيغة سياسية قابلة للحياة.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: فالقنوات المتعددة تمنح مساحة حركة أكبر، لكنها في الوقت ذاته ترفع كلفة أي خطأ في الحساب. فكلما اقترب التيار من أن يكون جزءاً من الترتيب السياسي المقبل، أصبح مطالباً بإثبات قدرته على الجمع بين متطلبات الأطراف الخارجية وتعقيدات الساحة الفلسطينية.
في النهاية، تبقى القنوات المتعددة أداة فعالة في مرحلة السيولة السياسية، لكنها ليست ضمانة للاستقرار. فالقدرة على الجلوس مع الجميع تمنح حضوراً، لكن الحفاظ على هذا الحضور يتطلب إدارة دقيقة للمخاطر الكامنة في تقاطع المصالح المتناقضة. والمرحلة المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا التوازن قابلاً للاستمرار، أم أنه مجرد مرحلة انتقالية تنتهي بانحياز واضح إلى أحد المسارين. وفي الحالتين، فإن الاختبار الحقيقي لن يكون في القدرة على فتح القنوات، بل في القدرة على تحويلها إلى نفوذ سياسي مستدام دون أن تتحول هذه القنوات نفسها إلى مصدر ضغط