الأردن أمام مناخ أكثر اضطراباً

بلاسمة: السياسة الرشيدة تبدأ من بناء القدرة على الصمود
الأنباط – ميناس بني ياسين
لم يعد التغير المناخي بالنسبة إلى الأردن سيناريو بعيداً ينتظر ما ستكشفه العقود المقبلة، بل أصبح عاملاً ضاغطاً على قطاعات تمس الحياة اليومية والأمن الوطني، من المياه والطاقة والغذاء إلى المدن والبنية التحتية والمالية العامة وفي وقت تؤكد فيه البيانات المناخية العالمية تسارع الاحترار وتزايد الظواهر المتطرفة، يجد الأردن نفسه أمام معادلة أكثر تعقيداً، إذ لا يملك ترف انتظار صورة دقيقة للمستقبل قبل التحرك، ولا القدرة على تحمل كلفة قرارات طويلة الأمد مبنية على افتراض واحد قد لا يتحقق.
وتؤكد المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن الأعوام من 2015 إلى 2025 كانت الأعوام الأحد عشر الأشد حرارة منذ بدء السجلات، فيما صنف عام 2025 ثاني أو ثالث أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق، بمتوسط عالمي بلغ نحو 1.43 درجة مئوية فوق مستوى 1850-1900 وترى المنظمة أن استمرار ارتفاع الحرارة يرتبط بتزايد مخاطر موجات الحر والأمطار الغزيرة وغيرها من الظواهر المتطرفة.
وفي الأردن تتضاعف حساسية المشهد بفعل محدودية الموارد الطبيعية، وعلى رأسها المياه، إذ تشير الاستراتيجية الوطنية للمياه 2023-2040 إلى أن حصة الفرد من الموارد المائية العذبة المتجددة بلغت نحو 61 متراً مكعباً سنوياً في عام 2021، مقارنة بخط الفقر المائي المطلق البالغ 500 متر مكعب للفرد سنوياً، فيما تتوقع الاستراتيجية انخفاض الرقم إلى نحو 35 متراً مكعباً بحلول عام 2040.
وفي هذا السياق، أكد خبير البيئة والطاقة فراس بلاسمة لـ"الأنباط" أن التحدي الأساسي أمام الأردن لا يتمثل في محاولة معرفة المستقبل المناخي بكل تفاصيله، وإنما في بناء سياسات وقرارات قادرة على الصمود أمام مجموعة واسعة من الاحتمالات، موضحاً أن الدولة لا تحتاج إلى "يقين كامل" حتى تتحرك، وإنما إلى قرارات تظل نافعة حتى في حال اختلاف درجات الحرارة أو معدلات الأمطار أو الطلب على الموارد عما تتوقعه النماذج.
عدم اليقين لا يعني غياب المعرفة العلمية
وفي هذا السياق أكد خبير البيئة والطاقة فراس بلاسمة لـ"الأنباط" أن التحدي الأساسي أمام الأردن لا يتمثل في معرفة المستقبل المناخي بكل تفاصيله، وإنما في بناء سياسات وقرارات قادرة على الصمود أمام احتمالات متعددة، موضحاً أن الدولة لا تحتاج إلى "يقين كامل" للتحرك، وإنما إلى قرارات تبقى نافعة حتى لو اختلفت درجات الحرارة أو معدلات الأمطار أو الطلب على الموارد عن توقعات النماذج المناخية.
وأوضح بلاسمة أن عدم اليقين لا يعني غياب المعرفة العلمية، مشيراً إلى أن النماذج المناخية تقدم سيناريوهات ودرجات مختلفة من الثقة، ولذلك يجب التمييز بين الاتجاهات المناخية العامة التي يمكن قياسها وبين التفاصيل المحلية التي يصعب تحديدها بدقة. وبيّن أن السياسة الأردنية مطالبة بالانتقال من محاولة التنبؤ الدقيق إلى اختيار استثمارات وسياسات تحقق نتائج في أكثر من سيناريو.
وأشار إلى أن محدودية الموارد والحيز المالي في الأردن تجعل الخطأ في تقدير المخاطر أكثر كلفة، إذ قد يتحول إلى انقطاع في خدمة أساسية أو خسارة في الإنتاج الزراعي أو ضغط إضافي على المؤسسات والخدمات العامة وحذر في الوقت ذاته من استخدام "المناخ" مبرراً لتمرير مشاريع أو أعباء مالية من دون تقييم كلفتها، كما حذر من استخدام عدم اليقين ذريعة لتأجيل إجراءات ضرورية.

المياه والطاقة والغذاء.. مخاطر مترابطة
وأكد بلاسمة أن حماية المخزون المائي يجب أن تكون في مقدمة الأولويات، عبر حماية الأحواض الجوفية، والحد من الاستنزاف، وخفض الفاقد، ورفع كفاءة الضخ والتوزيع، والتوسع في إعادة الاستخدام الآمن، مشدداً على أن أمن المياه يرتبط بموثوقية المصادر وكلفة استدامتها، وليس بكميتها فقط.
وبيّن أن المخاطر المناخية لا تضرب القطاعات بصورة منفصلة، إذ يمكن لموجات الحر أن ترفع الطلب على الكهرباء والمياه وتؤثر في الإنتاج الزراعي، بينما قد تتسبب الأمطار الغزيرة والقصيرة في السيول وتعطل الطرق والخدمات من دون أن تؤدي بالضرورة إلى زيادة المخزون الجوفي.
ودعا إلى تعزيز كفاءة المباني والبنية الحضرية من خلال العزل والتظليل والتهوية والتشجير الملائم للمياه، إلى جانب تطوير شبكات تصريف مياه الأمطار ومنع البناء في مسارات الخطر، مؤكداً أن هذه الإجراءات تخدم التكيف المناخي وتخفض في الوقت نفسه استهلاك الطاقة والضغط على الشبكات.
وفي القطاع الزراعي، أكد أهمية التعامل مع الزراعة باعتبارها جزءاً من الأمن الغذائي، من خلال اختيار المحاصيل الملائمة للظروف المناخية، واستخدام تقنيات الري الدقيقة، وتطوير التأمين الزراعي وخطط بديلة لسلاسل الإمداد.

من الاستراتيجيات إلى قرارات قابلة للقياس
ودعا بلاسمة إلى إخضاع المشاريع الكبرى في المياه والطاقة والزراعة والعمران لـ"اختبار مرونة" يحدد قدرتها على العمل في ظروف أكثر حرارة أو جفافاً أو أمطاراً شديدة، ويحدد نقاط الفشل والكلفة والبدائل وإمكانية تعديل المشروع مستقبلاً.
كما شدد على أهمية تطوير قاعدة وطنية موحدة للبيانات والمخاطر المناخية، وربط الإنذار المبكر بإجراءات عملية، إلى جانب إنشاء سجل للخسائر والأضرار المناخية يساعد في تحديد الأولويات وقياس كلفة الظواهر المتطرفة.
وأكد أن المناخ لم يعد مسؤولية وزارة البيئة وحدها، وإنما يجب أن يدخل في قرارات المياه والطاقة والزراعة والصحة والبلديات والأشغال والمالية، مع وضع مؤشرات واضحة للمساءلة.
ويرى بلاسمة أن الاختبار الحقيقي للسياسة المناخية الأردنية لا يكمن في عدد الاستراتيجيات والأهداف المعلنة، وإنما في قدرة الدولة على ضمان استمرار المياه والكهرباء والغذاء والخدمات الأساسية عندما تأتي الظروف المناخية خارج المتوسط، مشدداً على أن التنبؤ بالمستقبل يبقى أداة لتقدير الخطر، فيما يمثل الصمود الغاية الأساسية.