«سوفكس».. قوة العقبة للأمن الاقتصادي
بقلم: أسامة أبو طالب
في السياحة، هناك فرق بين مدينة تنتظر الطلب، ومدينة تعرف كيف تصنعه وتديره وتعظّم أثره.وبين النموذجين، تتحدد اليوم قدرة الوجهات على المنافسة.
ومن هذه الزاوية أقرأ استضافة العقبة لمعرض «سوفكس» 2026؛ ليس باعتباره حدثًا دوليًا كبيرًا يرفع الإشغال ويحرك الأسواق لعدة أيام فحسب، وإنما كفرصة لاختبار قدرتنا على الانتقال من استضافة الفعاليات إلى صناعة اقتصاد حولها.
عالميًا، تجاوزت صناعة السياحة تدريجيًا المفهوم التقليدي لـ MICE؛ الاجتماعات، سياحة الحوافز، المؤتمرات والمعارض، نحو مفهوم أشمل هو Business Events وEvent Economy. والتحول هنا ليس لغويًا، بل في فلسفة إدارة الوجهة نفسها؛ فالحدث لم يعد يُقاس فقط بعدد المشاركين والليالي الفندقية، وإنما بما يخلقه من إنفاق وأعمال وشراكات ونقل للمعرفة واستثمارات، وبحجم القيمة التي تبقى في الاقتصاد بعد مغادرة المشاركين.
بل إن ICCA، إحدى أبرز المرجعيات الدولية لصناعة الاجتماعات والفعاليات، تتجه اليوم إلى توسيع مفهوم قياس الأثر إلى ما يتجاوز المؤشرات السياحية التقليدية، ليشمل الأبعاد الاقتصادية والاجتماعية والمعرفية للفعاليات.
لكن انعقاد «سوفكس» في العقبة يحمل في توقيته بُعدًا آخر لا يقل أهمية. ففي إقليم يشهد توترات جيوسياسية متلاحقة، يقدم الأردن واحدة من أهم عناصر الجذب التي لا تُشترى بالحوافز وحدها: الأمن والاستقرار السياسي والمؤسسي. فرأس المال بطبيعته يبحث عن العائد، لكنه قبل ذلك يبحث عن الثقة والقدرة على التنبؤ؛ والاستثمار لا يبدأ أصلًا في بيئة لا يشعر فيها المستثمر أن أصوله وأعماله وقراره محاطة بالاستقرار. ومن هنا، فإن قدرة العقبة على استضافة فعاليات دولية بهذا الحجم هي أيضًا رسالة اقتصادية إلى العالم بأن الأردن ما زال قادرًا، رغم اضطراب الإقليم، على أن يكون مساحة آمنة للأعمال والاستثمار واللقاء الدولي. وهذا يتقاطع مع تقديم الأردن رسميًا كوجهة استثمارية مستقرة ومنفتحة وذات موقع استراتيجي.
وإذا أخذنا «سوفكس» نموذجًا، فالسؤال المهني ليس فقط: كم مشاركًا سيأتي إلى العقبة؟ بل: كم قيمة نستطيع أن نلتقط من وجوده؟ كم ليلة سيقيم؟ كم سينفق خارج مقر المعرض؟ كم شركة ومورّدًا محليًا سيدخل سلسلة التوريد؟ وهل تستطيع المطاعم والنقل والتجزئة والخدمات والتقنية والمنتجات السياحية الحصول على حصة أكبر من هذا الإنفاق؟
فليس كل حدث مزدحم حدثًا ناجحًا اقتصاديًا. قد ترتفع أعداد الحضور، بينما تتسرب نسبة كبيرة من الإنفاق خارج الاقتصاد المحلي إذا جاءت معظم سلاسل التوريد والخدمات من خارجه. لذلك، يجب أن يصبح مفهوم Local Value Capture جزءًا من تقييمنا: ليس فقط كم أنفق الحدث، بل أين بقي هذا الإنفاق؟
كما يمنحنا اقتصاد الفعاليات أداة مهمة لمعالجة الموسمية. فالطلب السياحي التقليدي تحكمه مواسم السفر، بينما تستطيع الوجهة أن تصنع الطلب في التوقيت الذي تحتاجه، عبر توزيع مدروس للمعارض والمؤتمرات والفعاليات الرياضية والثقافية والترفيهية والمهرجانات، وحتى حفلات الزفاف والمناسبات الكبرى.
وهنا يجب ألا ننظر إلى هذه الأحداث كجزر منفصلة، بل كـمحفظة من مولدات الطلب ضمن رزنامة سنوية ترتبط بالطيران والفنادق والأسواق المستهدفة وهوية الوجهة.
وهذا يقود إلى دور أكبر للغرف التجارية. فكما نسافر إلى معارض العالم، ونستأجر الأجنحة ونرسل الوفود بحثًا عن الأسواق والفرص، علينا أن نعمل بالاتجاه المعاكس أيضًا:أن نجلب جزءًا من تلك الأسواق والفرص وصناع القرار إلى الأردن، وأن تصبح الغرف شريكًا في ملفات الاستقطاب، وربط المنظمين بالقطاعات المحلية، وتشجيع القطاع الخاص على صناعة معارض ومؤتمرات تنطلق من ميزات اقتصادنا الوطني.
العقبة تمتلك المطار والموانئ والفنادق والبحر، وتقف على بوابة وادي رم والبتراء، وتتمتع بموقع استراتيجي على طرق التجارة بين آسيا وإفريقيا وأوروبا.واليوم يضاف إلى هذه المقومات عنصر يجب أن نحسن استثماره وتسويقه:الاستقرار بوصفه ميزة اقتصادية وتنافسية.
ولذلك لم يعد السؤال: هل تستطيع العقبة استضافة حدث كبير؟
السؤال الذي يستحق أن نبني عليه المرحلة المقبلة هو: كم قيمة اقتصادية نستطيع أن نصنع من كل حدث نستضيفه، وكم منها نستطيع أن نبقي داخل اقتصادنا؟
«سوفكس»فرصة مهمة، لكن نجاحه الحقيقي لا ينتهي بإغلاق أبواب المعرض، بل يبدأ بما يتركه بعدها: أعمالًا، وطلبًا، وعلاقات، وثقة، وسمعة دولية، وقدرة أكبر على الفوز بالحدث والاستثمار التالي.
فالمدن التي تتقدم في اقتصاد الفعاليات لا تكتفي باستضافة الحدث؛ بل تعرف كيف تحوّل أمنها واستقرارها وموقعها وكل حدث تستضيفه إلى قيمة اقتصادية تبني ما بعدها.