حدود النفوذ الميداني لتيار دحلان داخل غزة


محسن الشوبكي خبير امني واستراتيجي 


في ظل التحركات السياسية المكثفة التي شهدها آب 2026، يبرز سؤال مركزي يتجاوز اللقاءات المعلنة والاتصالات الخارجية: ما الحجم الحقيقي للنفوذ الميداني لتيار الإصلاح الديمقراطي داخل قطاع غزة؟ وهل تستطيع شبكة علاقاته السياسية والاجتماعية أن تتحول إلى قدرة تنظيمية وسياسية قابلة للقياس على الأرض؟

المعطيات المتاحة تشير إلى وجود حضور للتيار داخل القطاع، من خلال كوادر وناشطين ولجان محلية، إلى جانب نشاط اجتماعي وإغاثي وعلاقات مع بعض العائلات واللجان المحلية. إلا أن حجم هذا الحضور وانتشاره الجغرافي وقدرته على التحول إلى قاعدة تنظيمية واسعة لا يزال غير واضح بصورة كافية. كما أن جانبًا مهمًا من الحراك السياسي والإداري للتيار ما زال يُدار عبر قنوات خارج القطاع، الأمر الذي يطرح تساؤلًا حول مدى قدرة القيادة الخارجية على إنتاج نفوذ ميداني مستدام.

وهنا تبرز أهمية التمييز بين الحضور المحلي والنفوذ الميداني. فوجود لجان أو شبكات اجتماعية وإغاثية يمكن أن يوفر قاعدة أولية لبناء النفوذ، لكنه لا يعني بالضرورة امتلاك قدرة سياسية أو تنظيمية مستقلة على الحشد والتأثير وصناعة القرار. ويبقى المعيار الحقيقي في قدرة هذه الشبكات على الانتقال من النشاط الاجتماعي والخدماتي إلى حضور سياسي وتنظيمي مستقر وقابل للقياس.

أما العلاقة العملية مع حماس والجهاد الإسلامي، فتبدو حتى الآن أقرب إلى تقاطع مصالح واتصالات سياسية منها إلى توافق استراتيجي عميق أو شراكة ميدانية واضحة. فاللقاءات والاتصالات المتزايدة تعكس رغبة الأطراف في إدارة المرحلة المقبلة والتعامل مع استحقاقاتها السياسية، لكن ذلك لا يوفر، بحد ذاته، دليلًا كافيًا على وجود تنسيق أمني أو ميداني واسع داخل القطاع. وتبقى السيطرة الفعلية على أدوات القوة والنفوذ المحلي مرتبطة بدرجة أكبر بالبنى والقوى الموجودة على الأرض.

وتزداد أهمية هذه المسألة عند الحديث عن ترتيبات «اليوم التالي». فالقنوات الإقليمية والدولية المتعددة التي يمتلكها تيار دحلان تمنحه وزنًا سياسيًا لا يمكن تجاهله، لكن تحويل هذا الوزن إلى نفوذ محلي مستدام يتطلب قاعدة داخلية قادرة على الصمود والعمل والتأثير بعيدًا عن مستوى الاتصالات السياسية. ولذلك فإن السؤال لا يتعلق بوجود التيار داخل غزة من عدمه، وإنما بحجم هذا الوجود وقدرته على إنتاج تأثير سياسي وتنظيمي فعلي.

وتبقى الفجوة المعلوماتية قائمة بشأن حجم الكوادر الفعلية، والانتشار الجغرافي، وآليات العمل اليومية، ومستوى القدرة على الحشد، ومدى عمق العلاقات مع العائلات واللجان المحلية، إضافة إلى طبيعة التنسيق مع القوى الأخرى. وهذه المؤشرات هي التي يمكن من خلالها الانتقال من تقدير الانطباعات إلى قياس النفوذ بصورة أكثر موضوعية.

في النهاية، لا تكمن المسألة في قدرة تيار الإصلاح الديمقراطي على الوصول إلى طاولة التفاهمات السياسية، فقد أثبتت التطورات الأخيرة قدرته على ذلك، وإنما في قدرته على تحويل هذا الموقع السياسي إلى نفوذ ميداني مستدام. فالحضور السياسي الخارجي قد يفتح الأبواب، لكن امتلاك قاعدة اجتماعية وتنظيمية قادرة على التأثير هو ما يحدد حجم الدور الحقيقي في ترتيبات «اليوم التالي». ومن هنا يبقى السؤال مفتوحًا: هل يستطيع التيار تحويل شبكة علاقاته وحضوره المحلي إلى قوة سياسية وتنظيمية قابلة للقياس داخل غزة، أم سيظل تأثيره الأكبر في دائرة الاتصالات والتسهيلات السياسية؟