أبو دية يجعل البيئة في قلب الثقافة
فارس قاقيش
نيويورك
لم تعد البيئة، في مشروع الدكتور أيوب أبو دية، مجرد موضوع علمي يُبحث في المختبرات، أو مجموعة من القوانين والمعادلات التي يدرسها المتخصصون في علوم الأرض والمناخ والطاقة. فالبيئة، كما يراها أبو دية، قضية ثقافية وفكرية وأخلاقية بالدرجة الاولى قبل أن تكون قضية تقنية؛ وهي جزء من الطريقة الفلسفية التي يفكر بها الإنسان في نفسه ضمن الآخرين وفي وحدة مع الطبيعة التي يعيش في داخلها.
ومن هنا يمكن فهم المشروع البيئي الذي راكمه أبو دية عبر عقود من الكتابة والتأليف والتدريس والمحاضرات والعمل الهندسي والثقافي. فهو لا يريد للبيئة أن تبقى حبيسة المؤسسات الرسمية والجامعات ومراكز الأبحاث، بل يسعى إلى إخراجها إلى المجال العام، لتصبح جزءًا من ثقافة الأدب والفن والفلسفة والتربية والإعلام والسلوك اليومي. وبذلك يضع البيئة في مكانها الذي يعتقد أنه تستحقه: في قلب الثقافة، لا على هامشها.
هذه الرؤية تظهر بوضوح في كتاباته الفريدة في العالم العربي منذ مطلع الألفية الثالثة التي تناولت العلاقة بين البيئة والثقافة والفلسفة. فهو ينطلق من سؤال بسيط في ظاهره، لكنه عميق في دلالته:
ما قيمة الثقافة إذا لم تغيّر سلوك الإنسان تجاه المكان الذي يعيش فيه؟
وكيف يمكن لإنسان أن يصف نفسه بأنه مثقف أو أديب أو متحضر، بينما يشارك في قطع الأشجار، وفي تلويث الهواء والماء، وإلقاء النفايات في الأماكن العامة، والإفراط في استهلاك الموارد الطبيعية؟
إن هذا التناقض بين الثقافة والسلوك هو أحد المحاور الأساسية في فكره. فالثقافة، في نظره، لا تقاس بعدد الكتب التي قرأها الإنسان أو الشهادات التي يحملها، وإنما بما تتركه من أثر في وعيه وسلوكه. وإذا كانت الثقافة عاجزة عن أن تجعل الإنسان أكثر احتراما للطبيعة، وأكثر ترشيدا لاستهلاك مواردها، وأكثر إحساسا بالعمالة البيئية وبحقوق الأجيال القادمة، فإنها تظل ثقافة ناقصة.
وبناء عليه يتجاوز أبو دية في مشروعه مفهوم البيئة باعتباره علما وصفيا تجريبيا يدرس العلاقات بين الكائنات الحية ومحيطها، إلى ما يمكن تسميته ثقافة فلسفة البيئة. وهذه النقلة مهمة لأنها تعيد طرح السؤال حول موقع الإنسان في الكون ومسؤولياته الأخلاقية.
فالمشكلة البيئية الحديثة، في جوهرها، ليست فقط مشكلة تلوث أو تغير مناخ أو استنزاف للموارد، او ارتفاع في درجة الحرارة، وإنما هي أيضا مشكلة في النظرة التي تبناها الإنسان تجاه الطبيعة.
لقد رسخت الحضارة الصناعية، بدرجات مختلفة، تصورا يجعل الإنسان مركزا للكون، أما الطبيعة فمجرد مخزون من الموارد يمكن استغلاله لخدمة حاجاته ورغباته المتزايدة. أما أبو دية فيدعو إلى نظرة أكثر شمولًا وتوازنا؛ نظرة لا تجعل قيمة الشجرة مرتبطة فقط بكمية الأخشاب التي يمكننا الحصول عليها، ولا قيمة النهر بما يستطيع أن يوفره من مياه، ولا قيمة الحيوان بما يقدمه من غذاء أو منفعة اقتصادية. فللطبيعة، وفق هذا المنظور، قيمة في ذاتها، ولكل عنصر من عناصرها حق في الوجود ضمن شبكة الحياة التي تشكل النظام البيئي وفي معزل عن رغبات الانسان وطموحاته.
وهنا تلتقي البيئة بالفلسفة والأخلاق. فحماية الطبيعة تصبح مسؤولية أخلاقية، وليست مجرد إجراء إداري أو تقني. ومن ثم فإن الإنسان لا يُقاس فقط بقدرته على السيطرة على الطبيعة عبر المعرفة، وهو شعار بدأ العالم بطرحه في مطلع القرن السابع عشر مع الفيلسوف الانجليزي فرانسيس بيكون، وإنما بقدرته على المعيش معها دون تدميرها.
ويؤكد أبو دية كذلك أن الثقافة البيئية ليست ترفا فكريا، ولا موضوعا ثانويا يمكن تأجيله إلى ما بعد حل المشكلات الاقتصادية والاجتماعية. فالبيئة والاقتصاد والصحة والرفاه الاجتماعي منظومة واحدة مترابطة .
وترشيد استهلاك الطاقة والمياه، مثلًا، ليس مجرد سلوك بيئي حسن، بل هو أيضا سلوك اقتصادي رشيد. والأبنية الخضراء ليست مجرد أبنية جميلة أو متوافقة مع الموضة المعمارية الحديثة؛ فهي يمكن أن تخفض استهلاك الطاقة والمياه وتكاليف التشغيل والصيانة، وتوفر بيئة داخلية أكثر راحة وصحة للإنسان وتحسن من اوضاعه المعيشية.
وهذه الرؤية تجمع بين خلفيته الهندسية واهتمامه الثقافي. فالاستدامة عنده ليست شعارا، وإنما مجموعة من الممارسات التي تبدأ من طريقة تصميم البيت والمدرسة والمكتب والشارع، وتمتد إلى طريقة استخدام الطاقة والمياه والنقل والغذاء والتعامل مع النفايات وإعادة تدويرها.
ولهذا تناول في كتاباته ومحاضراته موضوعات كفاءة الطاقة، والأبنية الخضراء، والطاقة المتجددة، وترشيد المياه، والتغير المناخي، والتلوث، والتصحر وغيرها، محاولًا تحويل المفاهيم العلمية المعقدة إلى معرفة قابلة للفهم والتطبيق.
يشكل التأليف البيئي جانبا أساسيا في مشروع أبو دية. ومن أبرز أعماله كتاب «علم البيئة وفلسفتها»، الذي يعكس بوضوح محاولته الجمع بين المعرفة العلمية والسؤال الفلسفي والأخلاقي حول علاقتنا بالطبيعة.
كما تناول البيئة في كتب ذات طابع تثقيفي ومعرفي، من بينها «البيئة في مئتي سؤال»، الذي يقترب من القارئ العام ويقدم القضايا البيئية من خلال الأسئلة والأجوبة، بما يجعل المعرفة البيئية أكثر قربًا من الحياة اليومية.
ويتصل بهذا المسار مشروعه الموجه إلى الناشئة، ومنه كتاب «البيئة في مئة سؤال وسؤال للناشئة»، الذي يسعى إلى تقديم مفاهيم البيئة والتلوث والاحتباس الحراري والطبيعة والتنوع الحيوي والمياه والطاقة وغيرها بلغة تناسب الأجيال الجديدة. فالمعركة الحقيقية، في نهاية المطاف، ليست فقط في معالجة الأضرار التي وقعت، وإنما في بناء جيل جديد يرى الاستدامة جزءًا طبيعيًا من حياته.
ومن أعماله في الثقافة البيئية أيضا كتبه: الطاقة والانسان والبيئة، والابنية الخضراء، ودليل الاسرة في ترشيد الطاقة، والاحتباس الحراري، ونحو ثقافة بيئية عربية. وهي قضية ارتبطت كذلك بنشاطه المهني والمؤسسي من خلال عمله في مجال الاستشارات الهندسية في الطاقة والبيئة، ورئاسته لجمعية حفظ الطاقة واستدامة البيئة لمدة اثنتي عشرة سنة، فضلًا عن اهتمامه بقضايا الطاقة المتجددة وكفاءة الطاقة والأبنية المستدامة.
كما امتد اهتمامه إلى التغير المناخي والعدالة البيئية، وإلى قضايا المياه في العالم العربي، والطاقة النظيفة، والطاقة الشمسية والرياح، وإدارة النفايات، والنقل المستدام، والتخطيط الحضري، وهي موضوعات تتقاطع جميعها مع رؤيته الأساسية التي تعتبر البيئة قضية وطنية وإنسانية شاملة.
ولم يتوقف مشروعه عند الكتب المتخصصة والشعبوية لعامة الناس لرفع مستوى الثقافة للعموم وشعبنة العلم؛ فقد عمل على تقريب البيئة من الطفل واليافع من خلال الكتابة القصصية والتربوية. ومن المشاريع التي تعكس هذا الاتجاه «قصص بصمتي الخضراء»، إلى جانب مشروع «بصمتي الكربونية»، و"أنا أحب توفير الطاقة"، و " أنا أحب توفير المياه"، و" أنا أحب الاشجار"، الذي يستخدم القصة والشخصية الطفولية والأنشطة اليومية لتعليم الناشئة كيف يفكرون في أثر غذائهم وتنقلهم واستهلاكهم للطاقة والمياه وسلوكهم اليومي في البيئة والمناخ.
إن اختيار القصة وسيلةً للتربية البيئية ليس تفصيلًا عابرا؛ فهو يعبر عن اقتناع بأن المعرفة لا تتحول إلى سلوك بالكتب المدرسية وحدها، وإنما تحتاج إلى الخيال والحكاية والفن والتجربة الشخصية.
ربما يكون الأهم في مشروع أبو دية أنه لا يتعامل مع البيئة باعتبارها ملفا منفصلًا عن بقية الملفات الثقافية. فالبيئة حاضرة في تصوره للمدينة، وفي العمارة، وفي التعليم، وفي الأدب، وفي الاقتصاد، وفي الأخلاق.
ومن هنا تأتي دعوته إلى أن تصبح الثقافة البيئية جزءا من الثقافة العامة للمجتمع. فالطفل الذي يتعلم منذ الصغر قيمة الشجرة والماء والطاقة والنظافة والتنوع الحيوي، لن يحتاج عندما يكبر إلى حملات توعية كثيرة لإقناعه بأن البيئة مهمة. اذ ستصبح هذه القيم جزءًا من تكوينه الشخصي.
والمثقف الحقيقي، وفق هذا التصور، هو الذي يرى العلاقة بين كتابه وشجرته، وبين قصيدته ومائه، وبين مدينته وهوائها، وبين رفاهه الشخصي وحقوق الآخرين والأجيال القادمة.
لقد أصبح العالم اليوم أمام أزمة بيئية غير مسبوقة: تغير مناخي متسارع، وتراجع في التنوع الحيوي، وتلوث للهواء والمياه، وضغط متزايد على الموارد، وتوسع عمراني واستهلاكي لا يتوقف. وفي مواجهة ذلك كله، لم يعد كافيا أن نمتلك مزيدا من التقنيات؛ فنحن بحاجة إلى تغيير في طريقة التفكير نفسها.
وهنا تكمن أهمية مشروع أبو دية: إنه يحاول أن ينقل البيئة من الهامش إلى المركز، ومن المختبر إلى المدرسة، ومن الجامعة إلى الشارع، ومن التقرير العلمي إلى الرواية والقصة والفن، ومن النصائح الفردية إلى فلسفة متكاملة للعلاقة بين الإنسان والطبيعة.
إنها دعوة إلى بناء «عقول جديدة»؛ عقول لا ترى الأرض مجرد ملكية بشرية، ولا تعتبر الموارد الطبيعية بلا حدود، ولا تقيس التقدم بكمية الاستهلاك وحدها، وإنما تنظر إلى التنمية من خلال قدرتها على تحقيق حياة أفضل دون تدمير الأساس الطبيعي الذي تقوم عليه الحياة.
وبهذا المعنى، فإنه لا يكتب عن البيئة فقط؛ بل يحاول إعادة تعريف الثقافة نفسها من منظور بيئي. فالثقافة التي لا تحمي المكان، والتنمية التي تستنزف الموارد، والتقدم الذي يفسد الهواء والماء، كلها مفاهيم تحتاج إلى مراجعة.
ولعل خلاصة مشروعه يمكن التعبير عنها في فكرة واحدة:
لا يمكن أن يكون الإنسان مثقفا بحق إذا كان سلوكه اليومي يدمر البيئة التي تمنحه الحياة والاستدامة.
ومن هنا يصبح وضع البيئة في قلب الثقافة ليس ترفا ولا شعارا، بل شرطا ضروريا من شروط المستقبل. فالبيئة ليست أشياء تقع خارج الإنسان، بل هي الهواء الذي يتنفسه، والماء الذي يشربه، والغذاء الذي يأكله، والمدينة التي يسكنها، والطبيعة والتنوع الحيوي التي يحيط به، ومستقبل الأجيال التي ستأتي من بعده.
وبهذا المعنى تحديدا، يمكن قراءة المسار الطويل للدكتور أيوب أبو دية: من علم البيئة إلى فلسفتها، ومن فلسفة البيئة إلى الثقافة البيئية، ومن الثقافة إلى السلوك، ومن السلوك إلى الاستدامة.
إنها محاولة لجعل ثقافة البيئة لغة مشتركة بين العلم والأدب والفن والفلسفة والهندسة والتربية؛ أي جعلها، في النهاية، جزءًا أصيلًا من هوية الإنسان المعاصر. انه يجعل البيئة في قلب الثقافة، لأن إنقاذ البيئة يبدأ، قبل كل شيء، من إعادة بناء الإنسان الذي يتعامل معها.