من الحقول إلى الجامعة: خارطة طريق لسد الفجوة
البرفسور عبدالله سرور الزعبي
مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية
لم تعد أزمة الثانوية العامة في الأردن مجرد أزمة امتحان أو نتائج أو معدلات قبول جامعي؛ إنها أزمة نظام تعليمي جديد دخل مرحلة التطبيق قبل أن تكتمل حلقاته من المدرسة إلى الجامعة، فوجد عشرات الآلاف من الطلبة أنفسهم في منتصف الطريق، بين حقل اختاروه في المدرسة، وتخصص جامعي يرغبون فيه، ومتطلبات أكاديمية لم تُدرَّس لهم أصلًا. وهنا يجب أن نقول بوضوح: ليس من العدل أن يدفع الطالب ثمن ثغرات في تصميم نظام لم يكتمل بناؤه بعد.
والأرقام وحدها تكفي لتوضيح حجم المسؤولية. فمن أصل 196,050 طالبًا وطالبة، تقدّم للامتحان 178,296، ونجح 116,366، منهم 82,612 في المسار الأكاديمي بحقليه العلمي والإنساني، و7,714 في المسار المهني والتقني، والباقي تقريبًا من الطلبة القدامى. وقد بلغ عدد طلبة الحقل الصحي وحده 45,116، مقابل 11,695 في الهندسي، و16,347 في العلوم والتكنولوجيا، و11,946 في اللغات والعلوم الاجتماعية، و38,702 في القانون والعلوم الشرعية، و4,150 في الأعمال. وتشير بيانات الوزارة إلى أن نحو 96 ألف طالب وطالبة يحق لهم الالتحاق بالجامعات هذا العام. هذا جيل كامل يقف اليوم على أبواب الجامعة، والسؤال الذي يجب طرحه قبل ظهور نتائج القبول هو: هل أعددنا له مقاعد وتخصصات ومسارات انتقال حقيقية، أم اكتفينا بإعادة توزيعه على حقول جديدة وتركنا الجامعة تواجه النتائج وحدها؟
أعلنت وزارة التعليم العالي أن الحقل الصحي يفتح المجال أمام أكثر من 151 تخصصًا، والهندسي أمام أكثر من 177 تخصصًا، مع توسيع الخيارات لتشمل الأحياء والكيمياء للحقل الصحي، والفيزياء والجيولوجيا والرياضيات للهندسي. لكن كثرة الأسماء والأرقام لا تجيب عن السؤال الأصعب: هل الطالب الذي اختار حقله ودرس مواده وفقه يمتلك فعلًا الأساس الأكاديمي الذي يؤهله للالتحاق بكل تخصص يُسمح له بالتنافس عليه؟ هنا تكمن المشكلة؛ فالنظام الجديد بُني على فكرة صحيحة من حيث المبدأ، أن يتجه الطالب مبكرًا نحو ما يناسب ميوله وقدراته، لكن هذه الفلسفة لا تنجح إلا بتطابق كامل بين ما يدرسه في المدرسة وما سيُطلب منه في الجامعة. أما أن نسمح له بالانتقال إلى تخصص يحتاج أساسًا قويًا في الرياضيات أو الفيزياء، ثم نكتشف أنه لم يدرسها، فهذه ليست مرونة، بل فجوة أكاديمية يدفع الطالب ثمنها في سنته الأولى.
والأخطر أن المسألة لا تتعلق فقط بطالب يريد الطب أو الصيدلة أو تخصصًا صحيًا؛ إنها تتعلق بمبدأ العدالة في الاختيار نفسه. فالطالب الذي اختار حقله في الصفوف السابقة لم يكن يتخذ قرارًا أكاديميًا في فراغ، بل كان يختار بناءً على نظام قيل له إنه سيفتح أمامه طريقًا واضحًا، فإذا اكتشف لاحقًا أن ما يريده يحتاج موادًا لم يدرسها، يصبح السؤال مشروعًا: من تسبب في هذه الفجوة؟ والإجابة العادلة أن لا يتحملها طالب في السابعة عشرة أو الثامنة عشرة من عمره. ثم هناك مشكلة ثانية لا تقل خطورة، هي الانتقال من أزمة المدرسة إلى أزمة القبول الجامعي؛ فقد أطلقت الوزارة بيانات تشمل 607 تخصصات للبكالوريوس إلى جانب تخصصات الدبلوم المتوسط، منها 69 تخصصًا مستحدثًا. لكن كثرة التخصصات لا تعني بالضرورة كثرة الفرص الحقيقية؛ فالطالب لا يحتاج إلى 151 اسمًا لتخصصات موزعة على الجامعات للحقل الطبي وحده، بل يحتاج إلى مقعد حقيقي يستطيع النجاح فيه وبناء مستقبل مهني من خلاله. والدليل أن من أصل 74,521 متقدمًا للقبول الموحد في العام السابق، لم يُرشَّح سوى 46,566، وبقي 27,955 خارج الترشيح. وهذا العام، بنظام جديد وحقول جديدة وأعداد أكبر، فإن انتظار النتائج ثم اكتشاف حجم المشكلة سيكون خطأً إضافيًا؛ الحل يجب أن يبدأ الآن، لا بعد إعلان القبول.
وقد يكون الحل الأكثر إلحاحًا اليوم إنشاء جسر أكاديمي استثنائي لدفعة 2026، لا يعني تخفيض معدلات القبول ولا منح علامات مجانية ولا فتح التخصصات بلا شروط، بل اعترافًا بأن النظام انتقل من نموذج إلى آخر وأن هذه الدفعة تحديدًا تحتاج مرحلة انتقالية: برنامج تأسيسي مكثف في الرياضيات والفيزياء والكيمياء، موحد على مستوى الجامعات كلها، لكل طالب يُسمح له بالتقدم إلى تخصص لم يدرس متطلباته. ويرافقه اختبار تشخيصي بدلًا من المنع المطلق، بحيث لا يكون السؤال فقط: هل درست المادة في الثانوية؟ بل عن الكفاية الفعلية، لأن طالبًا قد لا يكون درس مادة لكنه يمتلك أساسها، وآخر درسها دون أن يمتلك أساسياتها. وإذا كشف هذا الاختبار عن فجوة بعد القبول، فلا ينبغي أن يكون الخيار الوحيد إلغاء مستقبل الطالب، بل مساره مشروط: فصل تأسيسي ثم انتقال إلى البرنامج الكامل بعد استيفاء الشروط، بما يحفظ حق الطالب في الفرصة وحق الجامعة في الجودة معًا.
وعلى المدى الأبعد، لا بد من إعادة النظر في فلسفة الحقول نفسها قبل أن تتحول التجربة الأولى إلى قاعدة ثابتة. فالحقول ليست مشكلة في ذاتها، وربط التعليم الثانوي بالميول والمسارات الجامعية وسوق العمل فكرة يمكن أن تكون إصلاحًا مهمًا، لكن نجاحها يُقاس بثلاثة شروط: وضوح الطريق، ومرونة الانتقال، وسلامة المخرجات. فلا يجوز أن يكون اختيار الحقل في سن مبكرة حكمًا نهائيًا على المستقبل، بل يجب أن تكون هناك نوافذ انتقال واضحة بينها، بشروط أكاديمية معلنة وبرامج استدراكية محددة. ومن هنا تأتي أهمية إقرار "جواز أكاديمي" لكل طالب، يعرف من خلاله قبل اختيار حقله أي التخصصات تُفتح له مباشرة، وأيها يحتاج الرياضيات أو الفيزياء أو مساقًا تأسيسيًا، وأيها يحتاج شروطًا خاصة للانتقال إليه؛ أن يرى الخريطة كاملة قبل اتخاذ القرار، فهذا هو الإرشاد الأكاديمي الحقيقي، لا أن يُترك مع أسرته أمام جداول إلكترونية ليكتشف النظام بنفسه.
وتقع على الجامعات مسؤولية موازية، فإذا قررنا الانتقال إلى نظام الحقول، فعليها أن تتحمل جزءًا من إنجاحه، لا بزيادة القبول في الطب والهندسة بلا حساب، فهذا يعيد إنتاج مشكلة تخريج أعداد تفوق حاجة سوق العمل، بل بإعادة توزيع الطاقة الاستيعابية بذكاء. فمن غير المنطقي أن ينظر 45,116 طالبًا في الحقل الصحي إلى الطب وطب الأسنان والصيدلة والتمريض بوصفها المخرج الوحيد، بينما هناك مجالات مستقبلية واعدة كالتكنولوجيا الحيوية والمعلوماتية الصحية والذكاء الاصطناعي الطبي وعلوم البيانات الصحية والأجهزة الطبية والصحة الرقمية والأحياء الجزيئية وعلوم الأعصاب، شرط أن يرتبط كل تخصص جديد بسوق عمل حقيقي لا باستيعاب الأعداد فقط. كما يجب التوقف عن افتراض أن كل طالب مصيره الجامعة مباشرة؛ فالدبلوم المتوسط، إذا صُمم جيدًا، يتيح مؤهلًا مطلوبًا وعملًا فوريًا ثم التحاقًا بالبكالوريوس لاحقًا وفق مسار مهني، كما كان مقترحًا في برنامج المسارات المهنية والتطور الوظيفي لعام 2019، وهذا يتطلب تغييرًا مشتركًا في اللوائح وفي ثقافة المجتمع.
وتجدر الإشارة إلى أن هذا المقال لا يتطرق إلى فئة الطلبة الراغبين في استكمال دراستهم خارج الأردن، ممن لا يستوفون شروط القبول في الجامعات الأجنبية بسبب عدم دراستهم موادًا رئيسة كالرياضيات أو الفيزياء ضمن حقولهم؛ فهذه فئة تستحق معالجة مستقلة، نظرًا لاختلاف الجهات المعنية بها والشروط المطلوبة من دولة إلى أخرى.
ولا بد أن يعرف الطالب فرصه الواقعية قبل ترتيب رغباته لا بعده، عبر محاكاة إلكترونية تعتمد معدله وحقله وأعداد المنافسين والمقاعد المتوقعة ومعدلات السنوات الماضية. وقد بدأت الوزارة بالفعل بنشر الحدود الدنيا للقبول التنافسي لخمس سنوات، لكن المطلوب تحويل هذه البيانات إلى نظام تنبؤ ذكي يجيب الطالب: إذا كان معدلي كذا فما احتمال قبولي في تخصص كذا، وما أفضل خمسة بدائل تناسب ميولي إن لم أُقبل؟ إلى جانب ذلك، نحتاج منصة وطنية موحدة تنشر لحظيًا أعداد المتقدمين والمقبولين والمقاعد الشاغرة بدل ترك الأسر أمام تقديرات متضاربة، ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا منظمًا عبر خطوط استشارية في موسم القبول، وحوافز حقيقية للجامعات الرسمية والخاصة لاستيعاب أعداد إضافية في تخصصات المستقبل عبر منح جزئية أو مقاعد مدعومة، وآلية تظلم ومراجعة مستقلة يستطيع الطالب من خلالها الاعتراض والحصول على رد مسبب خلال مدة محددة، وضمان وصول عادل للاختبارات التشخيصية والبرامج التأسيسية لطلبة الأطراف والبادية والمخيمات، فالعدالة في هذا الملف لا تكتمل دون عدالة الوصول.
وبعد انتهاء موسم القبول، يجب أن تصدر الوزارة تقريرًا وطنيًا يجيب بالأرقام: كم طالبًا حصل على مقعد مناظر لحقله؟ وكم انتقل إلى تخصص آخر؟ وكم لم يُقبل؟ وأي التخصصات شهدت فائضًا وأيها بقي شاغرًا؟ وكم طالبًا احتاج مواد استدراكية، وكم تعثر في سنته الأولى ولماذا؟ فهذه البيانات هي أساس قرار العام القادم، ولا يجوز أن تبدأ دفعة جديدة اختيار حقولها قبل أن نعرف ماذا حدث فعلًا للدفعة الأولى. وبما أن المشكلة تقع على الحدود بين وزارة التربية والتعليم والموارد البشرية والجامعات، بينما الطالب لا يميز بين مسؤولياتهما، فالحل إنشاء مجلس انتقالي لثلاث سنوات يضم الوزارة والجامعات والخبراء وممثلي سوق العمل، لا لإصدار بيانات جديدة، بل لإدارة الانتقال ومتابعة نتائج الطلبة حتى نهاية سنتهم الجامعية الثانية، وتقديم تقريرهم الى مجلس الربية والتعليم والموارد البشرية، بتاء على مؤشرات لا على انطباعات، لنسنى اتخاذ القرارات الوطنية المناسبة.
فأزمة الثانوية العامة ليست في "التوجيهي" وحده، بل في فلسفة الانتقال من المدرسة إلى الجامعة كاملة؛ فنحن لا نستطيع إصلاح الثانوية العامة إذا ظل القبول الجامعي يعمل بعقلية مختلفة، وإذا ظلت الجامعات تخطط لأعدادها بمعزل عن مخرجات المدارس، وإذا ظل سوق العمل غائبًا عن رسم المسارات. فالإصلاح الحقيقي سلسلة واحدة: مناهج، فحقول، فإرشاد، فامتحان، فقبول، فتأسيس أكاديمي، فتخصص، فسوق عمل؛ وإذا انقطعت حلقة واحدة ظهرت الأزمة في التي تليها. وأسوأ ما يمكن فعله الآن هو تحميل الطلبة أخطاء لم يكونوا سببًا فيها؛ فالعدالة تقتضي أن نقول لهم بوضوح: لن نخفض مستوى الجامعة من أجلكم، ولن نغلق الباب في وجوهكم لأن النظام لم يوفر لكم كل المتطلبات، بل سنختبر كفاياتكم، وسنمنحكم مسارات تأسيسية وانتقالًا منضبطًا بين الحقول، وسنتحمل المسؤولية قبلكم. هذه هي المعادلة التي يمكن أن تنقذ التجربة.
فالأردن لا يحتاج إلى إلغاء نظام الحقول، ولا الدفاع عنه قبل أن تظهر نتائجه، بل إلى الاعتراف بأن تجربة في بدايتها تحتاج تصحيحًا، وإلى الشجاعة لتعديلها متى كشفت البيانات عن خلل. فالثانوية العامة ليست مسابقة معدلات، والجامعة ليست مخزنًا لاستيعاب الناجحين؛ إنهما جزء من مشروع الدولة لبناء الإنسان. وإذا أراد الأردن الانتقال فعلًا إلى اقتصاد المعرفة والذكاء الاصطناعي والاقتصاد الرقمي والصناعات المتقدمة، فلا يمكن أن يبدأ ذلك من نظام يجعل الطالب يكتشف بعد اختيار مساره أنه يحتاج مادة لم يدرسها، أو يجعل الجامعة تبدأ من الصفر لتعويض ما كان يجب أن يتعلمه في المدرسة.
ولهذا، قد يكون من المناسب أن تبدأ الدولة فورًا بخمسة قرارات واضحة: إنشاء برنامج تأسيسي مجاني لطلبة 2026 الذين يحتاجون إلى مواد غير موجودة في حقولهم، وإجراء اختبارات تشخيصية موحدة في الرياضيات والفيزياء والكيمياء واللغة الإنجليزية بحسب التخصص، وفتح انتقال أكاديمي منظم بين الحقول بدلًا من إغلاق الخيارات نهائيًا، وإجراء تقييم وطني شامل لتجربة الحقول والمسارات بعد القبول ثم بعد السنة الجامعية الأولى، وعدم إدخال أي تعديل جديد على النظام قبل تحليل نتائج هذه الدفعة والاستماع إلى الجامعات والطلبة وأولياء الأمور وسوق العمل. فقد تكون تجربة الحقول والمسارات هي الإصلاح الذي يحتاجه التعليم الأردني فعلًا، لكنها لن تصبح إصلاحًا بمجرد تغيير أسماء الفروع.
فالهدف ليس أن ننجح في تطبيق النظام، بل أن ينجح النظام في خدمة الطلبة؛ وهنا يكمن السؤال الأردني الحقيقي: هل نريد نظامًا ينجح في الامتحان، أم نظامًا ينجح في بناء الإنسان؟ فالإصلاح الحقيقي يبدأ عندما يصبح الطالب قادرًا على معرفة طريقه، وتغيير طريقه إذا اكتشف أنه أخطأ، والحصول على فرصة لتعويض ما ينقصه، والوصول إلى الجامعة وهو مستعد فعلًا لما سيدرسه.