محمد دحلان في قلب معادلة غزة: تحركات معلنة وقراءة استراتيجية
محسن الشوبكي خبير امني واستراتيجي
في آب 2026، برز محمد دحلان، زعيم التيار الإصلاحي الديمقراطي، كلاعب ظاهر في ترتيبات قطاع غزة والانتخابات التشريعية المقررة في 28 تشرين الثاني. لم تعد تحركاته محصورة في الكواليس؛ بل أصبحت سلسلة لقاءات واتصالات معلنة أو مؤكدة من أطراف متعددة، بما يجعل تجاهل موقعه في المعادلة الجديدة، أو التقليل من أهمية شبكة تحركاته، قراءة ناقصة لما يجري خلف واجهة الأحداث.
التقى مباشرة في القاهرة برئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية. ناقشا تطبيق المرحلة الثانية من خريطة الطريق، وترتيب البيت الفلسطيني، وإمكانية تحالف انتخابي واسع. أكدت حماس تواصلاً مستمراً مع تياره. في الوقت ذاته، عقد ممثلو التيار محادثات مع قيادات فتح الرسمية في العلمين، وسط محاولات مصالحة لم تسفر بعد عن نتائج حاسمة. وعلى المستوى الدولي، ترددت أنباء عن اتصالات مع مبعوثين أمريكيين بارزين، وعن لقاء سابق مع رئيس جهاز الشاباك، ودور منسوب إليه في تسهيل بعض بنود الترتيبات مع مجلس السلام المعني بغزة.
هذه التحركات تُظهر قدرة دحلان على فتح قنوات متزامنة مع أطراف متباينة، لكنها تكشف في الوقت نفسه حدوداً واضحة لا يمكن القفز فوقها: فنفوذه يعتمد أساساً على شبكة الاتصالات الخارجية أكثر مما يستند إلى قاعدة ميدانية قابلة للقياس داخل غزة. كما أن التوازن بين التواصل مع حماس والجهاد من جهة، والقنوات الإسرائيلية والأمريكية من جهة أخرى، ليس مجرد ميزة سياسية، بل يحمل مخاطر استراتيجية عالية، وقد يتحول من مصدر قوة إلى نقطة ضغط إذا اصطدمت هذه المسارات المتناقضة في لحظة حسم.
الانتخابات التشريعية ليست شرطاً ضمن مبادرة ترامب، بل استحقاق للسلطة لتثبيت حضورها. وقد تُؤجَّل لأسباب واقعية مرتبطة بالأوضاع في غزة إذا شعرت السلطة أن التحالف بين دحلان وحماس سيضعف وجودها. وهنا لا يتعلق الأمر بالانتخابات وحدها، بل بمن يحاول إعادة رسم موازين القوة الفلسطينية قبل أن تتضح صيغة اليوم التالي للقطاع.
لكن ما يظهر من هذه التحركات والاتصالات لا يبدو سوى الجزء المعلن من معادلة أكثر تعقيداً. فالعلاقات المتعددة والقنوات المتداخلة تفتح أسئلة أوسع حول طبيعة الأدوار الحقيقية، وحدود النفوذ، ومن يدفع باتجاه كل مسار، وما الذي يمكن أن ينتج عن تقاطع المصالح بين أطراف يصعب تصور اجتماعها على هدف واحد. وهي أسئلة لن تُحسم بالتصريحات المعلنة وحدها، لأن ما يجري في ملف غزة يتجاوز بكثير ما يظهر في بيانات اللقاءات وصورها، ويستدعي تفكيكاً أدق للقنوات والرسائل والغايات، خاصة أن المرحلة المقبلة قد تكشف أدواراً لم تظهر ملامحها كاملة بعد.