الأبعاد الأردنية في الانتخابات الثلاثية

د. حازم قشوع
لم تعد القضية الفلسطينية شأناً فلسطينياً، كما لم تعد إسرائيل قضية إسرائيلية خالصة؛ فقد دخل الاثنان إلى مساحة جديدة من السياسة الأمريكية، وأصبحا جزءاً من حسابات الناخب الأمريكي والحملات الانتخابية، بعدما كانت العلاقة مع إسرائيل لعقود طويلة أقرب إلى أحد ثوابت السياسة الخارجية الأمريكية. وهذه النقلة ليست تفصيلاً انتخابياً عابراً، وإنما تعكس تحولاً في بنية السياسة الأمريكية نفسها، بعدما بدأ الانقسام حول إسرائيل وفلسطين يظهر بصورة أوضح داخل المجتمع الأمريكي والحزب الديمقراطي، ولا سيما بين الأجيال الشابة.

ولعل التطور الأبرز في هذا السياق جاء في الرسالة التي وجهها عشرات من أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيين إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، مطالبين بوقف عنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني ومحاسبة المسؤولين عن أعمال العنف، مع التأكيد على حماية المواطنين الأمريكيين في الضفة الغربية. وقد جاءت الرسالة في لحظة انتخابية أمريكية تسبق انتخابات الكونغرس المقررة في 3 تشرين الثاني المقبل، بما يكشف أن القضية لم تعد بعيدة عن حسابات السياسة الداخلية الأمريكية.

وبذلك لم يعد السؤال الأمريكي هو فقط: كيف نحافظ على أمن إسرائيل؟ وإنما بدأ يتبلور سؤال آخر أكثر تعقيداً: كيف تستطيع الولايات المتحدة الحفاظ على أمن إسرائيل من دون أن تخسر الرأي العام الأمريكي، أو تتحول القضية الفلسطينية إلى كلفة انتخابية على الحزب أو المرشح؟..وهنا تلتقي الانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية والأمريكية في مشهد سياسي واحد.
فالانتخابات الإسرائيلية المقبلة، والمقررة في 27 تشرين الأول، ستكون اختباراً لاتجاه المجتمع الإسرائيلي بعد سنوات الحرب، وما إذا كان الناخب يريد استمرار سياسة القوة والتوسع، أم يبحث عن صيغة سياسية جديدة للأمن والاستقرار.

وفي المقابل، تمثل الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في 28 تشرين الثاني فرصة لإعادة بناء الشرعية والمؤسسات الفلسطينية وفتح مسار جديد لإعادة تنظيم البيت الفلسطيني، خصوصاً أن نجاح العملية الانتخابية سيمنح الفلسطينيين عنواناً سياسياً أكثر قدرة على التعامل مع المجتمع الدولي.
أما الناخب الأمريكي، فإنه يدخل هذه المعادلة من زاوية مختلفة؛ فهو لا ينتخب حكومة فلسطينية أو إسرائيلية، لكنه ينتخب أعضاء الكونغرس والقيادات السياسية التي تشارك في تحديد السياسة الأمريكية تجاههما. ولذلك فإن ما يجري في غزة والضفة الغربية لم يعد بعيداً عن صندوق الاقتراع في الولايات المتحدة، خصوصاً في البيئات الانتخابية التي أصبحت فيها قضايا الشرق الأوسط جزءاً من النقاش الداخلي الأمريكي.

وهنا تبدأ التداعيات الأردنية..فالأردن ليس مراقباً لهذا التحول، وإنما يقع في مركز الجغرافيا السياسية للقضية الفلسطينية. وأي تغير في السياسة الإسرائيلية تجاه الضفة الغربية، أو في الموقف الأمريكي من الدولة الفلسطينية، أو في طبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب، سينعكس بصورة مباشرة على الأردن.
ذلك أن القضية الفلسطينية بالنسبة للأردن ليست ملفاً خارجياً فحسب بل ملفا وطنيا ايضا كونها  ترتبط بالأمن الوطني، والقدس والمقدسات، والحدود، والاستقرار الإقليمي، ومستقبل الضفة الغربية وجميعهما ملفات سيادية  ولذلك فإن أي محاولة لإعادة تعريف القضية الفلسطينية بعيداً عن حل الدولتين، أو التعامل مع الضفة الغربية باعتبارها مساحة مفتوحة للتوسع والاستيطان والضم، ستضع الأردن أمام معادلة سياسية جديدة لا يمكن التعامل معها بالوسائل التقليدية.ومن هنا تأتي أهمية انتقال السياسة الأردنية من رد الفعل إلى هندسة الفعل السياسي.

فالأردن يمتلك عناصر قوة لا تقوم على الجغرافيا وحدها، وإنما على شبكة علاقاته العربية والدولية، وشراكته الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، وموقعه في منظومة الأمن الإقليمي، ودوره التاريخي في القدس والمقدسات، وقدرته على التواصل مع مختلف الأطراف.وهذا يعني أن التحول في المزاج الأمريكي تجاه فلسطين وإسرائيل يمكن أن يشكل بالنسبة للأردن فرصة سياسية بقدر ما يمثل تحدياً...فالفرصة تتمثل في إعادة تقديم الموقف الأردني إلى واشنطن ليس باعتباره موقفاً عربياً تقليدياً من القضية الفلسطينية، وإنما باعتباره مصلحة أمريكية في الاستقرار الإقليمي.

فاستقرار الأردن مرتبط باستقرار الضفة الغربية، واستقرار الضفة مرتبط بإمكان قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة، واستقرار إسرائيل نفسها لا يمكن فصله، على المدى الطويل، عن إيجاد حل سياسي للقضية الفلسطينية...ومن هنا يستطيع الأردن أن يطرح معادلة مختلفة أمام الناخب الأمريكي وصانع القرار الأمريكي معاً فالسلام الفلسطيني ليس على حساب أمن إسرائيل كما تدعي بل أحد شروط استدامته واستقرار الأردن ليس قضية أردنية فقط، بل هو جزءا من الأمن الإقليمي الذي تستثمر فيه الولايات المتحدة حضورها وشراكاتها في المنطقة.

وتزداد أهمية هذه المعادلة مع تصاعد التوتر في الضفة الغربية وعنف المستوطنين والتوسع الاستيطاني؛ وهي تطورات بدأت تستدعي مواقف أمريكية أكثر وضوحاً، الأمر الذي يؤكد أن الضفة لم تعد هامشاً في السياسة الأمريكية، وإنما أصبحت جزءاً من النقاش حول مستقبل الأمن والسلام في المنطقة.
ومن منظور الهندسة السياسية، فإن المتغير الأهم ليس فقط أن فلسطين أصبحت على جدول الناخب الأمريكي، وإنما أن الناخب الأمريكي بدأ يصبح أحد المتغيرات المؤثرة في مستقبل القضية الفلسطينية.

وهنا تتغير وظيفة السياسة الأردنية؛ فلم يعد المطلوب فقط متابعة ما تقرره واشنطن أو تل أبيب أو رام الله، وإنما المشاركة في صياغة البيئة السياسية التي ستنتج القرار القادم..فالأردن، بحكم موقعه ودوره، يستطيع أن يكون جزءاً من عملية إعادة هندسة المشهد، لا مجرد متلقٍ لتداعياته.. ولذلك فإن المرحلة المقبلة تحتاج إلى سياسة أردنية تقوم على ثلاثة مسارات متوازية "تثبيت الدولة الفلسطينية، وحماية القدس والمقدسات، وتعميق الشراكة الأردنية الأمريكية على قاعدة المصالح المشتركة والاستقرار الإقليمي" ...

وإذا أنتجت الانتخابات الإسرائيلية قيادة أكثر استعداداً للبحث عن تسوية، وأنتجت الانتخابات الفلسطينية شرعية وطنية جديدة، ودفع المزاج الانتخابي الأمريكي نحو سياسة أكثر توازناً تجاه فلسطين وإسرائيل، فإن الأردن سيكون أمام فرصة تاريخية لتعزيز دوره كجسر سياسي وأمني بين الأطراف، وكطرف عربي قادر على المساهمة في هندسة المرحلة المقبلة.
أما إذا ذهبت إسرائيل نحو مزيد من الضم والاستيطان، وبقي الانقسام الفلسطيني قائماً، وتحولت فلسطين إلى مجرد ورقة في الصراع الانتخابي الأمريكي، فإن الأردن سيكون أمام تحدٍ أكبر، يتطلب منه رفع مستوى حضوره السياسي والدبلوماسي، وتوسيع شراكاته العربية والدولية، وتثبيت محدداته الوطنية تجاه القضية الفلسطينية.

وهنا يصبح السؤال الأردني الأهم ليس: ماذا ستفعل أمريكا؟
بل كيف يستطيع الأردن أن يكون حاضراً في صياغة ما ستفعله أمريكا؟ وهذه هي النقلة من السياسة إلى هندسة السياسة؛ من انتظار النتائج إلى التأثير في مقدماتها، ومن التعامل مع التحولات باعتبارها أحداثاً منفصلة إلى قراءتها باعتبارها منظومة واحدة...فالانتخابات الإسرائيلية والفلسطينية والأمريكية لا تجري في فضاء واحد، لكنها تلتقي عند سؤال واحد: من سيصوغ شكل المرحلة المقبلة في الشرق الأوسط؟ حيث تبرز مكانة الأردن؛ فالمملكة ليست مطالبة بأن تكون طرفاً في الاستقطاب، وإنما أن تكون طرفاً في صناعة التوازن، وهى مستندة إلى شرعيتها السياسية، ودورها العربي، وموقعها في القدس، وشراكاتها الدولية.

وهو النهج الذي أرسته قيادة الملك عبدالله الثاني، عبر توسيع مدى خطوط الشراكات السياسية الأردنية لتكون واصلة بين الشرق والغرب، بما يجعل الأردن قادراً على قراءة التحولات قبل اكتمالها، وتحويل موقعه الجيوسياسي من مساحة تتلقى تداعيات الأزمات إلى منصة للمساهمة في صياغة حلولها...فحين تصبح فلسطين وإسرائيل جزءاً من برنامج الناخب الأمريكي، تصبح مسؤولية الأردن أكبر، لأن ما يحدث في صندوق الاقتراع الأمريكي قد ينعكس على أمنه الوطني ومحيطه الإقليمي..ومن هنا تبدأ السياسة بتحقيق المنجز، 
وتبدأ هندسة المستقبل بترسيخ مكانة الأردن ودوره؛ لا كدولة تقع بين الأزمات، وإنما كدولة تحمل رسالة، وتعرف كيف تصل الشرق بالغرب، والسياسة بالأمن، والجغرافيا بالمصلحة، والحاضر بالمستقبل.