"قَسَم الأردنيّة" ...حين غنّت الجامعة الأردنيّة ذاكرتها في ختامِ حكاية "فَوج الهواشم"



 تمتلك الأغاني سحراً خاصاً وقدرةً مدهشةً على توثيق الذّاكرة، واستحضار أرواح أمكنةٍ وأيّامٍ مَضَت. فكلّ من يفتح قلبه لاستكشاف هذا السّحر، ويستمع بإنصاتٍ إلى أغنيةٍ حفظَت في كلماتِها ملامح الأمكنة وفي ألحانها أرواح من مرّوا منها؛ سيدرك كيف تمنح الموسيقى الزمنَ قدرةً عجيبةً على العودة والتجدد كلّما صدحَ الصّوت

فاته الكثير؛ من لم يستمع لأغنية "قسم الأردنية" حين تردد صدى ألحانها في مَيدان تخريج "فَوج الهواشم"، والجامعة تُغنّي قَسَمها وتُردّد كلماته؛ وكأنها كانت تستدعي شيئًا من إرثها، ومن روحها، ومن حكايتها الممتدّة عبرَ عقود.

كانت الكلمات تفتح نوافذ على الذّاكرة؛ حيثُ استعادتِ القِباب، والسّرو، وبرج السّاعة، وساحات العلم، والممرّات، وكلّ ما اختزنته جدرانها؛ حتى نهضت تلك الأمكنة من صمتها، وأطلَّت من خلف لحنها وجوه أجيالٍ مضت؛ أساتذة علَّموا وأفنوا أعمارهم في العطاء، وطلبة حلموا وواظبوا حتى تخرّجوا وعبروا إلى المستقبل.

كلّ كلمةٍ فيها كانت تستذكر مكانًا، وكلّ لحنٍ كان يحمل روحًا، وكلّ مقطعٍ كان يمرُّ على فصلٍ من فصول حكايتها؛ وكأنّ الزمن الذي مضى بأجياله وأيّامه عاد للحظة وللتّو إلى مَيدان التّخرّج؛ حاضرًا بين الخرّيجين.

تفاصيلُ القصّة تعود إلى اليوم الخِتاميّ لموسم فَرَح الجامعة الأردنيّة واحتفائها بتخريج الفَوج الحادي والسّتين من طلبتها "فَوج الهواشم"؛ حيثُ عمَّ الهدوء للحظاتٍ ضمن فقرات الحفل؛ تمهيدًا لعلوِّ صوتٍ من قلب المَيدان؛ جاء يقول: "قسمًا.. قسمًا.. قسمًا".

كان ذاك مطلع مغنّاة "قَسَم الأردنيّة"، التي أدَّاها الفنّانان الأردنيّان يحيى صويص وزين عوض، وجمهورُ المَيدان لم يكن على عِلم بالتفاصيل، قبل أن يبدأ ذاك الصوت بالصّعود، وتتوالى الكلمات تِباعًا، وقد اختيرَ توقيت تقديمها بعنايةٍ لتكون جزءًا من ختامِ الحكاية.

منحتِ المغنّاة حفل التّخريج مذاقًا مختلفًا لِما هو مألوف، وكأنّها استوقفتِ الزمن للحظات، لتفسحَ المجال أمام الجامعة لتُغنِّي شيئًا من ذاكرتها، وتؤدّي "قَسَمها" للأجيال الجديدة في قالبٍ موسيقيٍّ يليقُ بمكانتها وبما تحمله من دلالاتٍ ومعانٍ.

تكرَّر "القَسَم" في مطلع المغنّاة كما تكرَّر مرارًا في مقاطعها؛ ليبدو عهدًا وميثاق شرفٍ تؤدِّيه الجامعة أمام أجيالها، وتؤكِّد فيه على أسمى معاني الوفاء لرسالتها ومكانتها.

وحين ورد مقطع: "قسمًا ستبقى الأردنيّة منبرًا، قسمًا ستبقى الأردنيّة في الذّرى"، تغيَّر مجرى الحديث وكأنّه إعلان واضح وصريح عن الالتزام برسالة العِلم والمعرفة، وعن جامعةٍ لا تُختصَر حكايتها في مبانيها أو شهاداتها، وإنّما في الأثر الذي تركته في أجيالٍ تعاقبت على مقاعدها ومَضَت تحمل رسالتها إلى المجتمع والوطن.

ويشكِّل القَسَم في هذا السّياق حلقةَ وصل تربط الماضي بالحاضر وبالمستقبل؛ فهو بمثابة عهدٍ متبادلٍ بين الجامعة وأبنائها؛ هي ستظلُّ منارة، وهم سيحملونَ الرسالة وما تعلّموه أينما حلّوا وارتحلوا في غدهم.

ومع استمرار العرض، اتَّسعت دلالة القَسَم؛ فلم يعد وعدًا ببقاء الجامعة في ذُرى العلم فحسب، بل صار تأكيدًا على بقاء ذاكرتها في أبنائها. حتى وإن غادرتِ الأجيال مدرّجاتها متسلّحةً بشهاداتها، فهي لن تُغادر ما زرعته فيها؛ من علمٍ وذكرياتٍ وأثر، ليبقى المكان حاضرًا في حكاياتهم مهما ابتعدوا.

وقد أطربتِ الجامعة الأردنيّة حين غنَّت، وحين سردت كلماتٍ رافقها لحن جهوريّ، دلَّ على المكان الذي احتضن أبناءه، وعلى السنوات التي عبرت بهم من مقاعد الدّراسة إلى رحابة الحياة.

وتمضي الأغنية خلال عرضها وصولًا إلى "فَوج تَلَا فوجًا "؛ فتلك هي المَسيرة بحقّ؛ جيلٌ يسلِّم الرّاية لجيل، وحلمٌ يفضي إلى حلمٍ حتى يتحقّق، وها هم خرّيجو "فَوج الهواشم"؛ قد حملوا شهاداتهم؛ ليمضوا كما مضى الرَّكب من قبلهم، تاركينَ خلفهم أثرهم؛ ويأتي بعده فَوج جديد، وتظلُّ الأغنية على الدّوام شاهدةً على هذه الذّاكرة التي لا تُنسى.

وفي تعقيبٍ له، قال رئيس الجامعة الأردنيّة الدّكتور نذير عبيدات: إنّ تقديم مغنّاة "قَسَم الأردنيّة" في ختامِ احتفالات الجامعة بتخريج الفَوج الحادي والسّتين "فَوج الهواشم"، جاءت بمثابة احتفاء بالخرّيجين واستحضار لذاكرة الجامعة وإرثها الممتدّ، مشيرًا إلى أنّ مثل هذه الأعمال التي تحمل هُويّة المكان ورسالة المؤسّسة تُضفي على هذه المناسبة التي يتجلّى فيها نجاح الجامعة وإنجازها، معنًى يتجاوز لحظة الاحتفال، لتبقى جزءًا من الذّاكرة.

وأبدى عبيدات إعجابه بالمغنّاة، بِما تضمَّنته من مفرداتٍ راقيةٍ ودلالاتٍ عميقةٍ تتحدّث عن إرث الجامعة ومكانتها، واصفًا إياها بأنّها خير هديّة لفَوج الهواشم، وداعيًا الخرّيجين إلى أن يحملوا معهم ما جاء في "قَسَم الأردنيّة" من رسائل، وأن يظلّوا أوفياء لجامعتهم، حريصينَ على علمها ورسالتها ومكانتها، لتبقى دائمًا في القمّة.

وجاءت مغنّاة "قَسَم الأردنيّة" من تأليف الشاعرة والدّكتورة مها العتوم، فيما وضع ألحانها ووزَّعها وائل الشرقاوي، بمشاركة ليث سليمان على صولو النّاي، وعبد الحليم الخطيب على صولو القانون، وحسن ميناوي على صولو الآلات الشّعبيّة، وجوزيف ديميرجيان على الجيتار. وتمَّ التسجيل والمكساج والماسترينج في استوديوهات شركة أبناء غازي الشّرقاوي للإنتاج الفنّي، وهي من انتاج وتنفيذ وحدة الاعلام والعلاقات العامة والاذاعة.

جديرٌ بالذّكر أنّ "قَسَم الأردنيّة" لم تأت بمعزلٍ عن تجرِبة فنيّة سبقتها لوَحدة الإعلام والعلاقات العامّة والإذاعة؛ فهي امتدادٌ لروح مغنّاة "ملك وجامعة" التي نفَّذتها الوَحدة احتفاءً بعيد ميلاد جلالة الملك عبداللّه الثّاني، لتأتي "قَسَم الأردنيّة" بدورها عملًا فنيًّا يحمل هُويّة الجامعة ورسالتها، ويمنح المناسبة أثرًا يتجاوز لحظة الاحتفال، ويغدو جزءًا من ذاكرتها.

وفي نهايةِ الحكاية، يمكن القول إنّ "فَوج الهواشم" وإن غادر الجامعة حاملًا شهاداته، لكن تبقى "قَسَم الأردنيّة" شاهدةً على واحدةٍ من لحظات ختامِ موسمٍ استثنائيّ؛ لحظة لا تنتهي بانتهاء الحفل، بل تعود كلّما صدحَ اللحن: "فَوج تَلَا فوجًا"، وحكاية تُسلِّمها الجامعة من جيلٍ إلى جيل، يقسمون أن تبقى الأردنيّة منبرا وأن تبقى الأردنيّة في الذرى.