بحثًا عن الحداثة... بقلم محمد الأسعد. (قلق الوعي).

سليم النجار
 
يبدأ الكتاب الرائع بحثًا عن الحداثة- نقد الوعي النقدي في تجربة الشعر العربي المعاصر الذي استمدَّ نقده بالقول ("التجديد" هو الصيغة الأكثر عمومية والأكثر إغراءً في مسار الشعر العربي المعاصر. ولكن هذه الصيغة -إلى جانب ذلك وربما بسبه- كانت الأكثر غموضًا وإشكالًا أيضًا) ولأن حركة التجديد في الشعر العربي بحسب ما ذكره محمد الأسعد مستشهدًا بالدكتور شاكر مصطفى في مقدمة مقال عن الشعر في سوريا: "وأصدقائي من الشرب كلما عربدت الكأس على شفاههم وسكرت الهموم، قالوا هات حديث الشعر. وتدور القوافي بيننا كسرب الجواري الحسان ص33).
هذه المفارقة المذهلة التي استشهد بها محمد الأسعد لذكر ما قاله د/ شاكر مصطفى على العيش على السم الذي سيقضي على الشعر العربي، وعلى عدم إدراك سر الترابط بين المعيش في الحياة والفكر الذي يتشكل لدينا من خلال التماس بين الطرفين.
من هنا تفوق محمد الأسعد على غيره من المنظرين والمفكرين بواسطة البحث المضني عن البعد العملي لما هو نظري، كي لا يظل هذا البعد محصورًا في ميتافيزيقية لا تسمن، وما يشدنا إلى رؤية الأسعد النقدية بشكل خاص قدرته النفاذة إلى التنقل بين سائر المقولات التي تتحدث عن الشعر العربي المعاصر، (إن مقولات من نوع "الشعر في عالم اليوم" و"التجارب المعاصرة" و"أعماق الوجود الإنساني" تمحو كل الفروقات بين الثقافات وتمحو إشكالياتها جذريًا ص41).
في جميع الحالات، يفعّل الأسعد اللغة النقدية بشكل تقشفي يحتفظ فيها الدال -كما يقول علماء اللغويات، أو للقدرة كما يقول الأسعد نفسه- بمدلول يتضمن أو يختزل أقصى درجات التعبير في أقل حيز لغوي ممكن، (ولا يجب أن نُخدَع ببعض مظاهر تسمى تجديدية في الشعر، إذ نلتقي في تمجيد انحطاط أكثر الصور تكرارًا وبلادة بأكثر الصور وإثارة. لأن الرؤية المثالية هي الأساس المشترك ص75).
والنتيجة التي توصل إليها محمد الأسعد هي نتيجة مزعجة، إذ جعلته قلقًا على مصير الشعر العربي المعاصر الذي يخشى عليه من الجمود، زاده تشاؤمًا أن الشعر العربي هو الأكثر حضورًا في المشهد الإبداعي العربي، خاصة إن التقليد وكل تقليد ينقصه الابتكاري، (وفي الشعر، يستعير الشعراء ليس تقنية بعض الشعراء الغربيين فحسب، تلك التي تخضع لخصومات لغوية من المستحيل استعارتها، بل يستعرون الأمكنة والأزمنة، فيتلفظ الشاعر الثوري واعيًا وغير واع أصداء تجارب الشعراء الثوريين الذين يغلبونه على إبداعه الخاص ص82).
تتصل حياة محمد الأسعد المولود في قرية أم الزينات قضاء حيفا، وهُجر مع أهله عام 1948 إلى العراق، ودرس في مدارسها حتى الجامعة وتخرج منها، بتخصص آداب لغة إنجليزية، ومن ثم ذهب إلى الكويت حيث عمل صحفيًا وتنقل في عدة صحف.
إن ثنائية اللغة بهذا الوضع الذي ذكره الأسعد يعتبر مشكلة غير منتهية، لأن القرب الشديد بين لغة الشعر ولغة الكلام، والركون نتيجة هذا الخلل للتراث قائلاً، (إن استعادة الذات التاريخية، وهي هدف العودة إلى التراث أو إحيائه، ما كان لها أن تتم بافتراض علاقة غيبية بين الإنسان والتراث، بين الأحفاد والأجداد، ما دام الانفصال قائمًا على مستوى جهل لغة التراث ص91).
أضر هذا الجهل بما أوضحه الأسعد، باللغة الفصحى، فلم تجدد معاني وألفاظ التجدُد الكافي للغة، لأنها لم تلمس في الحياة وإنما انغمست القصيدة في الرومانسية والتقليدية، والأسطورة، (هذه المحاولات الثلاث: التقليدية والرومانسية والأسطورية، جاءت كقراءة في نصوص ثقافية، ولم تكن قراءة داخلية لغليان التاريخ العربي المعاصر. وطموحها السري هو نشر أرضية ما متماسكة الرؤى على سطح وجود باحث عن وعيه الخاص، عن دلالاته الخاصة ص114).
المشكلة التي تتطرق لها الأسعد والخطيرة في الوقت ذاته التي تواجه القصيدة العربية الحديثة، مسألة المكان الذي يفصل بين الريف والمدينة، وهي مشكلة قد تبدو بسيطة، لكنها في نظر الأسعد من أخطر المسائل وأهمها، ذلك لما لها من أثر كبير في حياتنا العقلية والأدبية، سواء الخاصة والعامة، وهي مشكلة قديمة نشأت في العصور الإسلامية الأولى منذ الفتوحات، حيث توسعت الرؤية الإبداعية عند شعراء العرب، فأصبح هناك مدن كانت مزدهرة ولها ثقافتها وحضارتها، التي تأثر بها الشعراء العرب، وصار في البنية الاجتماعية العربية أماكن جديدة وأسماء جديدة لهذه الأماكن، مثل الريف والمدينة، ولكل مكان خصوصيته، (وتعيش في مجتمع المدينة مأساة أخرى، حينما يفد إليها إنسان ذو أصالة مرتبط بإنسانيته صفاء وبساطة. إنه ابن الريف، يأتي المدينة ليعمل وليساهم في البناء ولكنه يعطي ولا يأخذ إلا مردودًا ضئيلًا، ولن يكون هذا المردود إلا سحقًا لإنسانيته ص120).
تتعين اللغّة عنصرًا من عناصر القومية كما هو الحال عند كانت أو ساطع الحصري، وإن استمرار اللغة العربية ضمانًا لاستمرارية القومية العربية، القائمة بدرجة أساسية على سلامة اللغة نحوًا وصرفًا، وفي هذا الخصوص يقول محمد الأسعد: (وهكذا نجد أنفسنا أمام ثلاثة مستويات للهوية: الأول هوية اللغة التي يهتم بها علماء اللغة، والثاني هوية النص الإبداعي الموروث التي حققتها مرحلة تاريخية. والثالث هوية النص الممكن: وهي مدار اهتمام حركات التجديد ص124).
في النقد ملاذ وإقامة وربط بين الحاضر والماضي. وفي النقد أسرار تتيح للقارئ العربي الاطلاع عليها، هكذا يشي كتاب محمد الأسعد (بحثًا عن الحداثة -نقد الوعي النقدي في تجربة الشعر العربي المعاصر) الصادر عن مؤسسة الأبحاث العربية – 1986.