التعليم الاردني...مئة عام من البناء، فهل حان وقت الطريق الجديد؟

البرفسور عبدالله سرور الزعبي

مركز عبر المتوسط للدراسات الاستراتيجية

هناك أسئلة لا يجوز أن تبقى بلا إجابة في حياة الدول، لأن غيابها يعني فقدان القدرة على التعلم من التجربة. والسؤال الأكثر إلحاحًا: كيف لدولة تجاوزت المئة عام، وكانت مدارسها وجامعاتها من الأكثر تميزًا في المنطقة، أن تبقى في طور التجريب؟ وكيف انتقلنا الى ستة حقول ثم إلى أربعة، وجعلنا الرياضيات اختيارية ثم أعدناها إلزامية، وغيّرنا قرارات خلال أسابيع بل أيام؟

المشكلة ليست في الخطأ نفسه، فالمؤسسات تخطئ والتراجع قد يكون صحيحًا إذا أثبتت البيانات ذلك. السؤال الأعمق هو: كيف فقدنا القدرة على بناء إصلاح تراكمي بدل إعادة اكتشاف المشكلات ذاتها كل مرة؟ ولا اعتراض على تطوير نظام الثانوية العامة، لكن السؤال الذي يسبق أي قرار: لماذا وصلنا أصلًا إلى ستة حقول إن كانت الدراسات تستطيع تحديد أن أربعة أنسب؟ ولماذا لا تسبق أي تغيير دراسة شاملة لأثره على الطلبة والمدارس والجامعات وسوق العمل والطلبة واسرهم؟

قبل عقود، كانت المدرسة الأردنية تصدّر المعلمين والأطباء والمهندسين، وتفتح شهادتها أبواب الجامعات العربية والعالمية. واليوم، ورغم أن التعليم في قلب الرؤية الملكية، وتأسيس الملكة رانيا أكاديمية لتدريب المعلمين، وطرحت المبادرات الرائدة، الا ان المسافة بين التوجيهات الملكية وبين التنفيذ الفعلي ما زالت واسعة؛ وقد أقر مسؤول رسمي عام 2018 بأن الأردن اعتاد خططًا بلا تنفيذ أو تنفيذًا بلا خطط. فالمشكلة ليست غياب الرؤية الملكية، بل ضعف القدرة المؤسسية على تحويلها إلى إصلاح مستمر محمي من مقاومة المصالح.

تتحدث الخطط عن تطوير التعليم المهني بينما لا تزال مكانته الاجتماعية متدنية، وعن جعل الطالب محور الإصلاح بينما يصبح أحيانًا ضحية تجريب متكرر، وعن خفض الفاقد التعليمي بينما لا يزال يتجاوز 50%. ولا يمكن لدولة أن تطمح بالوصول الى الاقتصاد المعرفي مع إضعاف الرياضيات والعلوم، ولا الحديث القائم على تعليم المهارات بينما يصبح النجاح في الامتحان أهم من امتلاك المهارة.

الأرقام الدولية تكشف حجم الفجوة: ففي نتائج اختبارات PISAلعام 2018، جاء الأردن في المرتبة 56 من أصل 79 دولة، ثم تراجع في 2022 إلى المرتبة 75 من 81، بمعدلات 375 في العلوم و361 في الرياضيات و342 في القراءة، مقابل 485 و472 و476 في OECD. لم يتجاوز المستوى الأساسي في الرياضيات سوى 17% من الطلبة مقابل 69% في OECD، وارتفعت نسبة من هم دون المستوى الأساسي 14 نقطة مئوية منذ 2012. وفي مؤشر إتقان الإنجليزية 2023 جاء الأردن 75 من 81. لكن الأهم من الترتيب هو ما تقوله هذه الأرقام عن النظام نفسه: ماذا فعلنا بالطالب طوال السنوات التي سبقت الاختبار؟ وكيف تحول نظام كان منافسًا إقليميًا إلى نظام يقارن بأضعف عشر دول من بين أكثر من ثمانين دولة؟

والمشكلة تبدأ قبل التوجيهي بسنوات: فقد كشف تحليل قطاعي شامل عام 2025 أن أكثر من نصف الأطفال في سن العاشرة لا يقرؤون نصوصًا مناسبة لأعمارهم، وأن رياض الأطفال لا تستوعب الجميع، خصوصًا في الريف والبادية. ولذلك فإن إصلاح التوجيهي وحده لن يحل مشكلة طفل لا يتقن القراءة والحساب في الصفوف الأولى. فالتوجيهي يقيس نتائج المشكلة، لكنه لا يعالج أسبابها.

وفي ذات الوقت، لا يجوز إنكار نجاحات التعليم الأردني؛ فقد حقق التعليم الأردني انتشارًا واسعًا رغم الحروب واللجوء وكان رائدًا في إصلاح المناهج وبناء شبكة جامعات إقليمية. لكن النجاح في إتاحة التعليم لم يتحول إلى جودة مماثلة في التعلم. ولم يفتقر الأردن إلى الخطط، من برنامج الاقتصاد المعرفي إلى الاستراتيجية الوطنية لتنمية الموارد البشرية 2016-2025 وخطة 2026-2030؛ وإنما أصبحت قدرتنا على إنتاج الوثائق أكبر من قدرتنا على إنتاج النتائج. والمفارقة أن النظام توسع في عدد الجامعات والطلبة بسرعة تجاوزت سرعة تطور أدوات القيادة الأكاديمية والحوكمة والمساءلة.

تجربة نظام الحقول مثال واضح: استُبدلت الفروع بستة حقول مع صفين مشتركين ثم اختيار المبحث بالثاني عشر، لكن الرياضيات المتقدمة أصبحت اختيارية في الحقل الصحي رغم أن 83% من الطلبة لم يبلغوا المستوى الثاني في نتائج اختبارات PISA للرياضيات، فأُعيدت إلزامية، ثم تقرر خفض الحقول إلى أربعة اعتباراً من 2026/2027. وهنا لا تكمن المشكلة في التراجع نفسه؛ فقد يكون التراجع هو القرار الصحيح. المشكلة في أن كلفة التجربة انتقلت من صانع القرار إلى الطالب. والأسوأ أن التقلب أصبح يحدث خلال أسابيع وأيام: من ستة حقول إلى أربعة، ومن جعل الرياضيات اختيارية إلى إلزاميتها، ومن الحديث عن إمكانية تقديم امتحان الثانوية العامة في سنة واحدة بدل سنتين، إلى مراجعة أو تعليق بعض القرارات، ومن تجميد نسبة الـ30% من العلامة لطلبة مواليد 2009 وتأجيلها إلى جيل 2010، إلى إلغاء نسبة 30% الخاصة بالطلبة في كل حقل.

انه لمن الواضح ان قرارات اخرى قد ما تزال قيد التبديل او التجميد او التعديل. لكن السؤال المؤسسي يبقى: إذا كان القرار قد دُرس بما يكفي للدفاع عنه، فما الذي تغير حتى أصبح إلغاؤه او تجميده ضروريًا؟ وإذا لم تكن دراسة الأثر قد اكتملت، فلماذا صدر أصلًا؟ وهل أُجريت محاكاة كافية لآثاره على الطلبة والمدارس والجامعات وعدالة المنافسة بينها؟ وهل يقدم لنا أحد تفسيرًا علميًا لما يجري، لا تبريرًا وتجميلًا؟ وكيف نحمي الطالب الذي يعيش القرار لحظة بلحظة، ولا يستطيع استعادة السنوات التي خسرها؟ ومن يتحمل الكلفة النفسية والأكاديمية عندما يصبح الطالب وأسرته رهينة قرار متغير؟ وهل أُجري تقييم أثر مسبق كافٍ قبل إطلاق هذه النماذج؟

وهناك أسئلة أخرى أكثر جوهرية: هل نقيس نجاح نظام الحقول بنسبة النجاح في الامتحان أم بامتلاك المهارات؟ كيف يكون المسار الصحي بلا رياضيات؟ وهل أخذنا في الاعتبار قبول الجامعات الدولية لهذا النوع من المسارات؟ وهل صحيح أن الطالب يستطيع دراسة الصف الأول الثانوي دون امتحان ثم ينتقل إلى الثاني ويؤدي امتحان الثانوية العامة مرة واحدة؟ هذه ليست تفاصيل إدارية، بل قرارات تمس مستقبل جيل كامل.

والأزمة الطبية تقدم مثالًا آخر على غياب التخطيط طويل المدى. ففي 2021/2022 و2022/2023 قُبل نحو 10,496 طالبًا في الطب، أي حوالي 47% من مجموع الطلبة الموجودين على مقاعد الدراسة آنذاك، دون وضوح بشأن قدرة الجامعات على التدريب، وتوفر مقاعد الإقامة، والهجرة المتوقعة، وقدرة القطاع الخاص على الاستيعاب. وفي 2025 تخرج نحو 4,454 طبيبًا مقابل نحو 1,040 مقعد إقامة سنويًا، ما يترك أكثر من 3,400 خريج أمام عنق زجاجة حقيقي.

وقد بدأت الوزارة تصحيح المسار تدريجيًا بخفض القبول الى ان وصل الى 640 مقعدًا في القبول الموحد لهذا العام، وهو أقل من 1% من الطلبة الذين تزيد معدلاتهم على 90% في الحقل الصحي، والبالغ عددهم 9,630 طالبًا. وفي جميع الأحوال، فإن عدد المقاعد المتاحة لدراسة الطب في اغلب الاحوال، لن تتجاوز نحو 15% من إجمالي من يسمح لهم بدراسة الطب.

السؤال ليس فقط لماذا خفّضنا القبول، بل لماذا لم نعرف حجم الأزمة قبل ست سنوات؟ وإن كنا نعرف فلماذا سمحنا بتضخمها؟ ما يستدعي مساءلة مجلس التعليم العالي وهيئة الاعتماد والجامعات التي وافقت على التوسع. فالطبيب لا يظهر فجأة يوم التخرج؛ وأنا شخصيًا على اطلاع بما جرى في 2021.

ولا تتوقف الكلفة عند التعليم؛ فاضطرابه يحمل كلفة اقتصادية مباشرة. فخروج أعداد كبيرة من الطلبة للإنفاق على تعليمهم خارج الأردن يعني فقدان استثمار بشري كان يمكن أن يبقى داخل الاقتصاد الوطني، ولا يمكن تعويضه حتى لو جاء عشرات المستثمرين، خصوصًا مع الحملات التسويقية الواسعة من جامعات المنطقة او غيرها، والتي تستهدف الطلبة الأردنيين في الطب وطب الأسنان. وإذا تضاعفت أعداد الدارسين خارج الأردن، فلن تكون الخسارة تعليمية فقط، بل اقتصادية وبشرية قد تمتد آثارها لعقود.

لكن محور الإصلاح الحقيقي لا يبدأ من تقسيم الطلبة إلى حقول، بل من المعلم. فبدون معلم مؤهل وقادر ومحفز، لن تنقذنا أفضل المناهج. وقد أشار تحليل للبنك الدولي إلى تحديات في اختيار المعلمين وإعدادهم وتدريبهم قبل الخدمة وأثناءها. ولذلك يجب أن تبدأ الأسئلة من: كيف نختار المعلم؟ وكيف نعده وندربه ونقيمه ونرقيه؟ وكيف نكافئ المتميز ونحاسب المقصر؟ وكيف نعيد بناء منظومة مهنية تجعل التدريس مهنة نخبة لا وظيفة عابرة؟ وبخلاف ذلك ستبقى عمليات الاصلاح في الشكل أكثر منه تغييرًا في جوهر التعليم.

ثم تنتقل آثار ضعف التعليم العام إلى الجامعة، حيث يختار كثير من الطلبة تخصصاتهم وفق المكانة الاجتماعية لا الحاجة الاقتصادية، بينما تعاني قطاعات أخرى نقصًا في المهارات، كما تؤكد اليونسكو. وهنا لا ينبغي أن يكون تقييم الجامعات قائمًا فقط على تصنيفات QS وTHE، رغم أهميتهما، بل على أسئلة أكثر ارتباطًا بوظيفتها الحقيقية: كم تنفق الجامعة على البحث؟ كم براءة اختراع تنتج؟ كم شركة ناشئة تخرج منها؟ كم طالبًا يتخرج قادرًا على البرمجة وتحليل البيانات والعمل الجماعي؟ وكم خريجًا يجد وظيفة مرتبطة بتخصصه، وخلال أي مدة؟

وهنا نصل إلى جوهر المشكلة: لم يفتقر الأردن للتشخيص أو الاستراتيجيات، بل لأربعة أمور: استمرارية التنفيذ، والمساءلة عن النتائج، والتمييز بين النشاط والإصلاح، ووجود جهاز مستقل يحدد بوضوح ما نجح وما فشل ومن المسؤول، وهذه الأموال لم تنتج أثرًا. فدورة تدريبية أو منصة إلكترونية أو تغيير كتاب ليست إصلاحًا بحد ذاتها؛ الإصلاح تغيّر قابل للقياس في التعلم أو التوظيف أو إنتاج المعرفة. وهذا يحتاج قيادة تحويلية لا إدارية: الإدارية تسأل "كيف أشغّل المؤسسة؟" والتحويلية تسأل "كيف أجعلها أفضل؟". ويجب أن تُقاس القيادات بنتائج فعلية: هل تحسنت نتائج الطلبة؟ هل أصبحت المدرسة أكثر قدرة على تعليم القراءة والرياضيات والعلوم؟ هل انخفضت الواسطة؟ هل تحسن البحث العلمي؟ هل أصبحت الترقيات أكثر عدالة؟ هل أصبحت الجامعة أكثر إنتاجًا للمعرفة؟ وهل ارتفع توظيف الخريجين؟

والسؤال المشروع: هل كانت قياداتنا التعليمية تحويلية فعلًا أم إدارية للموجود؟ فإن بقيت المشكلة لعقد أو أكثر، فالمسؤولية تقع على القيادة لا على المعلم أو الطالب وحدهم. وهذا السؤال يظهر بوضوح، عندما نقارن بين حجم التوجيهات الملكية المتكررة لإصلاح التعليم وحجم التحسن الفعلي في مخرجاته.

من التجربة الشخصية، شهد الأردن نماذج طموحة، أبرزها ما تقدمنا به كمشروع المسارات المهنية والتطور الوظيفي االذي طرح عام 2019، بكل جراءة، نموذج كان قادر أن ينقل التعليم من منطق الاستجابة إلى منطق أكثر ارتباطًا باحتياجات الاقتصاد ومستقبل العمل. وانطلق من سؤال "ماذا يحتاج الاقتصاد؟" بدل "ماذا يريد الطالب؟"، بالتوازي مع الاستمرار في وقف القبول في تخصصات راكدة وربط القبول الجامعي باحتياجات سوق العمل. "ماذا يريد الطالب أن يدرس؟" إلى سؤال أكثر أهمية "ماذا يحتاج الاقتصاد؟ وما المهارات التي يحتاجها المستقبل؟".

ولم يكن مشروع المسارات مجرد تقسيم مبكر للطلبة إلى حقول أو وضعهم في طرق مغلقة يصعب الخروج منها، بل انطلق من فلسفة مختلفة تمامًا "بناء مسارات متعددة تبدأ من الصف التاسع، مع إبقاء أبواب الانتقال والتطور مفتوحة أمام الجميع. فكان التصور يقوم على ثلاثة مسارات رئيسية "مسار أكاديمي يضم الفرعين العلمي والأدبي، ومسار مهني، ومسار للتدريب المهني"، على أن تكون هذه المسارات مترابطة وقابلة للحركة بينها، بحيث لا يتحول الاختيار في سن مبكرة إلى حكم نهائي على مستقبل الطالب.

فمن يبدأ مساره مهنيًا لا يُحكم عليه بالبقاء مهنيًا إلى الأبد، ومن يبدأ بالتدريب المهني لا يُغلق أمامه الطريق للحصول على الشهادات المهنية من الجامعات وصولاً الى اعلى الدرجات المهنية (دكتوراة مهني) وتعادل المستوى العاشر في في الاطار الوطني للمؤهلات. كما أن الطالب الأكاديمي يستطيع، إذا اكتشف لاحقًا ميوله وقدراته، أن ينتقل إلى مسار تقني أو مهني. كانت الفلسفة ببساطة: المسار ليس مغاقاً، بل طريقًا؛ والاختيار المبكر لا يعني إغلاق المستقبل، بل تنظيمه مع إبقاء أبواب التطور مفتوحة. وهذا جوهر مهم جدًا في أي إصلاح حديث للتعليم.

وهذه هي الفلسفة التي تتبناها النظم التعليمية المتقدمة: لا تقسّم أبناءها مبكرًا إلى ناجحين وأقل نجاحًا، بل تبني طرقًا متعددة للنجاح، أكاديمية ومهنية وتقنية، تسمح للإنسان بالانتقال بينها طوال حياته. فالتعليم ليس رحلة تنتهي بشهادة في سن الثانية والعشرين، بل منظومة للتعلم والتطور الوظيفي مدى الحياة. فنجاح النظام التعليمي لا يقاس بعدد الطلبة الذين يدخلون الجامعة، ولا بعدد الشهادات التي يحصلون عليها، بل بقدرته على منح كل إنسان طريقًا للنجاح، أكاديميًا كان أم مهنيًا أم تقنيًا. المسار ليس مغلقاً، بل طريقًا؛ والاختيار المبكر لا يعني إغلاق المستقبل، بل تنظيمه مع إبقاء أبواب التطور مفتوحة.

ومن هنا تظهر المفارقة: بينما ينشغل النقاش اليوم بسؤال كيف نقسم الطلبة إلى حقول؟ كانت هناك قبل سنوات فكرة أردنية تطرح السؤال الأعمق: كيف نبني نظامًا يستطيع الطالب أن يتحرك داخله طوال حياته، ويصل إلى أعلى مستوى يناسب قدراته وطموحه واحتياجات الاقتصاد؟ وهذه الفكرة تستحق أن تعود إلى الطاولة باعتبارها فلسفة وطنية قابلة للتطوير، لا مشروع لجهة بحد ذاتها.

وتبقى قضية النزاهة الأكاديمية جزءًا من هذه المعادلة. فقد احدثت قيادات جامعية تغييرات حقيقية رغم المقاومة، حتى وصل ألامر باحد المسؤولين كان يمثل مرجعية آنذاك بتقديم نصيحة "اترك المركب سايرة، فسينقلبون على التغيير الذي تحدثه بعد خروجك". وهذه النصيحة قد تبدو واقعية لمن يقولها، لكنها في الحقيقة أخطر نصيحة يمكن أن تُقدَّم لقائد مؤسسة، لأنها تعني ان شبكات النفوذ أصبحت جزءًا من "طبيعة المؤسسة" وان على القيادة أن تتكيف مع قفافة المؤسسة، بدلًا من تغييرها. ومن الغريب ان البعض من اصحاب القرار نظر الى موضوع النزاهة الاكاديمية كمخالفة صغيرة، مع انها مخالفة تضرب جوهر الجامعة. والجامعة التي تسمح بترقية ببحث لم يكتبه صاحبه لا تخسر ورقة علمية فقط؛ إنها تخسر جزءًا من هيبتها.

ولهذا لا ينبغي أن يكون الحكم على الأشخاص بأسمائهم، بل على النموذج القيادي: هل هي إدارة أزمة؟ أم إدارة مشروع؟ أم قيادة تحويلية شاملة؟ وهذه الأخيرة كانت الأضعف حضورًا، فظلت المؤسسات تنتقل من مشروع إلى آخر دون هندسة وطنية طويلة المدى.

وإذا أردنا وضع الحكم في صيغة مباشرة، فإن خلاصة الإخفاقات تتلخص في: بناء المهارات الأساسية بالصفوف الأولى، وجعل المعلم محور الإصلاح، وبناء استقرار تشريعي يسمح للإصلاح بالنضج، وجعل البيانات أساس القرار، والربط بين القبول الجامعي وسوق العمل، والتعامل مع التخصصات الطبية كمنظومة قوى بشرية، وربط التمويل بالنتائج، وبناء نظام مساءلة، وتحويل الجامعات من مانحة شهادات إلى منتجة معرفة، وتقليل الفجوة بين الرؤية الملكية والممارسة المؤسسية. وفي ذات الوقت اصبنا في: إدراك المشكلة، وتوسيع الوصول للتعليم، وإدخال التعليم المهني والتكنولوجيا جزئيًا، وتحليل قطاعي شامل بُنيت عليه خطة 2026-2030. لكن الخطر أن تتحول إلى وثيقة ممتازة بتنفيذ ضعيف كسابقاتها.

فماذا نفعل؟ نحتاج عقدًا تعليميًا وطنيًا لا تغيّره الحكومات، يقاس بعشرة مؤشرات ثابتة: القراءة في الثالث، والرياضيات في الرابع، والعلوم في الثامن، والفجوة بين المحافظات، ونتائج اختبارات PISA، والتسرب، وجودة المعلمين، ونزاهة البحث العلمي، وتوظيف الخريجين خلال 12-24 شهرًا، والبحث المرتبط بالصناعة.

كما ونحتاج إلى مجلس نتائج تعليم مستقل يُعلن بوضوح ما تحقق وما فشل ومن المسؤول، ويربط تقييم القيادات بالنتائج. ولكل قرار تربوي: تقييم أثر مسبق ولاحق، والإجابة قبل صدوره عن ستة أسئلة: ما المشكلة؟ ما دليل نجاح الحل؟ كيف نقيسه؟ ماذا لو فشل؟ من المسؤول؟ وكيف نحمي الطالب من كلفة قرار متغيّر؟

كما يجب أن يصبح التعليم الطبي أول نموذج للتخطيط الوطني للقوى البشرية لعشر سنوات على الأقل، يليه المهندسون والممرضون والمعلمون والمبرمجون، انطلاقًا من سؤال أكبر: كيف سيكون الاقتصاد الأردني عام 2035؟ وما القطاعات التي ستكبر أو تنكمش؟ وما أثر الذكاء الاصطناعي في وظائف المستقبل؟ قبل تحديد الطاقة الاستيعابية.

أما المهارات الأساسية فيجب أن تكون فوق كل إصلاح: اللغة العربية والإنجليزية والرياضيات والعلوم والمهارات الرقمية والتفكير النقدي والبيانات؛ فهي أدوات حياة وليست مجرد مواد دراسية، ولا ينبغي أن يغادر الطالب المدرسة وهو عاجزاً عن فهم العلم.

وقد سبق أن اقترحنا على سبيل المثال، تطبيق نماذج كوريا الجنوبية وسنغافورة التعليمية، مع الحفاظ على منهاج اللغة العربية والتربية الإسلامية والوطنية باعتبارها هوية. واليوم، يمكن التفكير بخطوة أجرأ: نقل النموذج الصيني بكامل بنيته ومنهجيته في بناء التفكير العلمي والرقمي منذ الصفوف الأولى، مع الإبقاء على مناهج الهوية الوطنية كما هي. فالمطلوب ليس استيراد كتاب، بل الاستفادة من نموذج متكامل قادر على إعداد الطالب لعقود المستقبل.

وهذا يرتبط مباشرة برؤية الدولة الاقتصادية والتكنولوجية، وبرؤية ولي العهد بمستقبل الأردن التكنولوجي والابتكار، واهتمامه بمخرجات المجلس الوطني لتكنولوجيا المستقبل، وهذه الرؤية تضع التعليم أمام مسؤولية أكبر. واليوم لم يعد السؤال كيف نصل إلى التكنولوجيا فقط، بل: كيف نبني الإنسان القادر على استقبالها وتطويرها وتوطينها؟ وكيف نبني اقتصاد الذكاء الاصطناعي إذا كانت أساسيات الرياضيات والعلوم ضعيفة؟ وكيف نريد جامعات منتجة للمعرفة إذا وصل إليها طلاب يحملون فجوات تأسيسية من المدرسة؟

وفي النهاية، قد يكون السؤال الأعدل ليس من أساء للتعليم، بل كيف سمحنا لنظام كان مصدر قوة ناعمة للأردن أن يفقد قدرته على مجاراة التحولات العالمية؟ فالمشكلة ليست عدم معرفة ما ينبغي فعله، بل قد يكون في عدم قيادات تنفيذية وجود من يفعله ويحميه حتى النهاية. الأردن لا يحتاج مصلحين أفرادًا بقدر حاجته لقيادات تحمي الإصلاح من مقاومة المصالح ومن المؤسسة نفسها. لقد أخطأنا، لكن الخطأ ليس المشكلة. المشكلة أننا لم نتعلم بما يكفي من أخطائنا. وبعد أكثر من مئة عام، لا يملك الأردن ترف البقاء في مرحلة التجريب. لقد جرّب بما يكفي، وآن أوان البناء.

وخطة 2026-2030 قد تمثل فرصة حقيقية، لكن نجاحها لن يُقاس بجودة صياغتها بل بالصمود والتنفيذ والقياس والمساءلة، حتى لا يتكرر سيناريو اكتشاف الخطأ بعد أن تدفع الأجيال ثمنه.

فالتعليم ليس مسودة دائمة، والطالب ليس حقل تجارب، ومستقبل الدولة لا يحتمل قرارات تتغير قبل أن تنضج نتائجها. لقد كان الأردن يومًا يعلّم المنطقة، واليوم لا يكفي أن نستعيد ما كنا عليه؛ علينا أن نبني ما لم نكن عليه من قبل. وقد آن أوان أن يصبح إصلاح التعليم سياسة دولة بالكامل، لا يخضع لمنطق التجربة والخطاء.