مَن أفسد مَن؟
عمر كلاب
هناك سُنّة تاريخية، وقاعدة اجتماعية، وحكمة توارثتها أجيال الأمة تقول: "إذا دخل العالِم فى الشبهات دخل الجمهور - او العوام حسب المصطلح الاصلي - فى الحرام، وإذا دخل العالِم فى الحرام كفر الجمهور إن استحل", هذه القاعدة، من القواعد التي استقر عليها علماء الأمة، وخلاصتها, إن علاقة العالِم بالجمهور تحكمها قوانين المتواليات الهندسية وليست الحسابية، أى قوانين المضاعفات الرقمية، بحيث إذا فعل العالِم خطأ صغيراً قلده الجمهور وفعل كارثة كبرى.
ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعى, تحوّل الدعاة والوعاظ والعلماء والساسة, إلى نجوم كبار يتنافسون فى أرقام المتابعين لهم تنافس المراهقين، ويحرصون على زيادة أعداد المتابعين لأنها تؤكد الزعامة، وتحدد الأوزان النسبية لكل فرد منهم وتحكم علاقاتهم، ومن ثم تحدد سعر الواحد منهم، أو سعر تغريدته التى يبيعها, سواء كانت فتوى او نشرة او عرض معضلة او مسألة وحتى فيديو مشاركة, دعم او نقد.
هذا دفع العالِم او العارف او صاحب الرأي, إلى أن يكون تابعاً للعامى، لا يفتى بما يغضبه، ويكتم العلم الذى وهبه الله إياه خوفاً من سخط العوام وغضبهم وانفضاضهم عنه، ويقول من الآراء والفتاوى التى تخلو من التجديد وتكرس التخلف والجمود خوفاً من العوام، أى إن العلم قد صار من وسائل الترفيه عن العوام واسترضائهم، وليس قوة دافعة لإصلاحهم.
ما يجري في فضائنا الوطني, ليس بعيدا عن ما سبق, فمن يجرؤ اليوم على الكلام, مع الاحترام للكتاب الذي يحمل نفس العنوان, ومؤلفه بول فندلي, الذي صعقته الصهيونية العالمية, بعد ان تجرأ على مخالفتها, فلا تكاد جلسة او حوار وطني محدد الحضور, يخلو من جملة – وهل نجرؤ على طرح هذا علنا, سيستبيح الجمهور اعراضنا -, لذلك سادت الغرائزية والخوف من العوام, بعد ان سيطر الانصاف والاشباه على الفضاء, بمحتوى سطحي وتافه, وارتعب الذين يعرفون من هذه السيطرة, وبدل مواجهتها باتوا يغازلونها, بل ويصعدون على اكتافها.
كل القضايا الوطنية التي تتطلب مواجهة وحسم, تختفي عن ساحة الحوار, ولا يجرؤ احد على قراءة الواقع واللحظة الوطنية, بعين نقدية جريئة, فالسيوف مشهرة والاصابع على زناد الكيبورد, او اطلاق منصة الكاميرا للهجوم, حتى تجرأ كل راغب بانتصار رخيص على المشهد العام والفضاء العام, وباتت محاباة الانصاف والاشباه سمة عامة, بل يجري الاستعانة بهم لاسكاتهم, لا سعيا لاستثمارهم واستثمار جمهورهم.
من يجرؤ اليوم, على نقاش السابع من اكتوبر بعقل ووعي ومصلحة قومية ووطنية, ومن يجرؤ اليوم على مناقشة الحرب الامريكية الايرانية, ودلالة الردع العربي القائم على القواعد الغربية, ومن يجرؤ على نقاش محلي لقانون الضمان وفقا للاقتصاد الوطني واثر التقاعدات, هل فعلا سخية ام عكس ذلك, وهل القانون هو السبب ام عبث المتنفذين, وهل نجحنا في قانون للادارة المحلية ام قلبنا ظهر المجن, وانتهينا بما كان يجب البدء به؟
نستغرب اننا لم نتطور كما الاعداء, والسبب ببساطة اننا افسدنا الهواء العام والفضاء العام, ولم يعد هناك من يجرؤ على الكلام, ام بسبب شيطنته من الانصاف والاشباه او بسبب شيطنته من مخالفي الفكرة والمستفيدين منها سواء في السلطة او المعارضة, ودون اصلاح الامر لن يستقيم حالنا, وعلينا ان نسأل بصراحة, مَن أفسد مَن, الشارع ام السلطة, المثقف ام الجمهور؟