لماذا لا تتحول شعبية الأندية إلى إيرادات واستثمار مستدام؟
الأندية الأردنية.. جمهور يملأ المدرجات واقتصاد لا يزال خارج الملعب
الأنباط – ميناس بني ياسين
على أبواب موسم جديد تعود كرة القدم الأردنية إلى موعدها السنوي مع المدرجات؛ قمصانٌ تخرج من الخزائن، وشعاراتٌ تعود إلى الشوارع، ومشجعون يستعدون لرحلة جديدة من المنافسة، فيما تستعد عشرة أندية لخوض نسخة جديدة من دوري المحترفين، تبدأ في أيلول/سبتمبر المقبل.
لكن خلف صافرة البداية وترتيب الفرق، وأسماء اللاعبين، هناك مباراة أخرى لا تظهر في جدول الدوري، ولا تُحسم بهدف أو ركلة جزاء؛ مباراة الاقتصاد.
فالمدرج الممتلئ ليس مجرد صورة جميلة لعدسة المصور، والهتاف ليس مجرد صوت يرافق المباراة، والجمهور ليس رقمًا يضاف إلى تقرير الحضور في صناعة الرياضة الحديثة، يمثل المشجع أحد أهم الأصول التي يملكها النادي؛ لأنه يمكن أن يتحول إلى تذكرة، وقميص، وعضوية، ومشاهد رقمي، ومستهلك، وجاذب للرعاية، وسفير دائم للعلامة التجارية.
وهنا تبدو المفارقة الأردنية أكثر وضوحًا: أندية تملك تاريخًا وجماهير وهوية لا يمكن شراؤها بالمال، لكنها لا تزال تبحث عن نموذج اقتصادي يجعل هذه الشعبية مصدرًا مستدامًا للدخل.
ومع اقتراب انطلاق دوري المحترفين لا يبدو السؤال الأهم: من سيفوز باللقب؟ بل سؤالًا أكثر عمقًا: هل تستطيع كرة القدم الأردنية أن تنقل قيمة المباراة من داخل الملعب إلى خارجه؟
الجمهور.. الثروة التي لا تظهر في جدول الحسابات
يمتلك النادي الرياضي ما لا تستطيع الشركات الناشئة بناءه بسهولة: جمهور يؤمن بالاسم واللون والشعار قبل أن يعرف أسماء اللاعبين أحيانًا.
وبحسب ما أوضحه محللون وخبراء رياضيون، فإن جماهير الأندية الأردنية تمثل قيمة اقتصادية وتسويقية أكبر من مجرد الحضور في المدرجات، إذ يمكن تحويل هذه القاعدة الجماهيرية إلى مصادر دخل متعددة، تشمل التذاكر، وبيع المنتجات الرسمية، والعضويات، والمحتوى الرقمي، والرعاية والإعلانات.
ويرى المختصون أن العلاقة بين النادي وجمهوره في الأردن ما تزال تتركز بدرجة كبيرة حول يوم المباراة، في وقت تتجه فيه التجارب الرياضية الحديثة إلى بناء علاقة مستمرة مع المشجع على مدار الموسم، وتحويل هذه العلاقة إلى قيمة تجارية قابلة للقياس والاستثمار.
ويشير الخبراء إلى أن استثمار الجمهور لا يرتبط فقط بزيادة أعداد الحضور، وإنما بفهم خصائص المشجعين واحتياجاتهم وسلوكهم الشرائي والرقمي، ثم تطوير منتجات وخدمات وشراكات تستند إلى هذه البيانات.
ومن هذا المنطلق، فإن السؤال الذي يطرح نفسه أمام الأندية الأردنية لا يتعلق فقط بعدد الجماهير التي تحضر المباريات، وإنما بمدى قدرتها على تحويل هذه الجماهير إلى قاعدة مستهلكين ومتابعين وداعمين للعلامة التجارية للنادي طوال العام وهنا تبدأ المسافة بين "النادي الجماهيري" و"النادي التجاري".
المدرجات ليست نهاية الإيراد.. بل بدايته
تذاكر المباريات تمثل أحد مصادر الإيرادات التقليدية للأندية، لكن قيمتها الاقتصادية لا تتوقف عند ثمن التذكرة.
فالمشجع الذي يأتي إلى الملعب قد ينفق على النقل والطعام والمنتجات، وقد يشتري قميصًا أو وشاحًا، وقد يصبح مشتركًا في عضوية، أو متابعًا دائمًا لمنصات النادي ولهذا أصبح اقتصاد يوم المباراة صناعة قائمة بذاتها في عدد من الأسواق الرياضية حسب ما يبينه الخبراء الرياضيون.
وفي الأردن تزداد أهمية هذه المسألة مع الموسم الجديد، خصوصًا مع وجود ترتيبات تتعلق بعوائد التذاكر في المرحلة الثالثة من الدوري، حيث أعلن الاتحاد الأردني لكرة القدم أن عوائد تذاكر مباريات هذه المرحلة توزع مناصفة بين الفريقين.
لكن السؤال الذي يبقى مطروحًا: هل يمكن أن تكون تذاكر المباريات وحدها مصدرًا كافيًا لبناء اقتصاد النادي؟
لأن التذكرة تنتهي بانتهاء المباراة، بينما العلامة التجارية القوية تستطيع أن تحقق دخلًا من جمهورها على مدار العام.
القميص.. منتج رياضي أم مجرد ذكرى؟
وفي كرة القدم العالمية قميص النادي ليس مجرد لباس للمشجع؛ إنه أحد أهم المنتجات التي تحمل هوية النادي وتحوّل الانتماء إلى عملية شراء، لكن السوق الأردنية ما تزال تملك مساحة واسعة غير مستغلة في هذا الجانب.
فكرة وجود متجر رسمي متكامل للنادي، ومنتجات متنوعة، ومتجر إلكتروني، وإصدارات موسمية، وملابس للأطفال، وأوشحة وقبعات وقطع تحمل تاريخ النادي وشعاره، يمكن أن تحول الجمهور إلى مصدر دخل مستمر.
وهنا يمكن طرح سؤال بسيط لكنه كاشف: كم قميصًا رسميًا يبيع النادي الأردني في موسم كامل؟
وإذا كانت الإجابة غير متاحة أو لا تُعلن الأندية أرقامها، فهذه بحد ذاتها مشكلة تستحق التوقف؛ لأن النادي الذي لا يقيس حجم مبيعات منتجاته لا يستطيع معرفة القيمة التجارية الحقيقية لجمهوره حسب ما أكده الخبراء.
الرعاية.. من «شعار على القميص» إلى استثمار
الرعاية تمثل مصدرًا مهمًا آخر للأندية، لكنها تحتاج إلى إعادة تعريف؛ ففي النموذج التقليدي تحصل الشركة على مساحة على قميص الفريق أو لوحة في الملعب، ويحصل النادي على التمويل.
أما في النموذج الحديث فالرعاية تتحول إلى شراكة تجارية؛ الشركة لا تشتري شعارًا فقط، وإنما تشتري وصولًا إلى جمهور محدد، ومحتوى، وحضورًا رقميًا، وتجارب داخل الملعب، وتذاكر لكبار العملاء، وحملات مشتركة، وربما حقوق تسمية أو فعاليات خاصة.
وهنا يظهر سؤال مهم أمام الأندية الأردنية: هل تبيع أنديتنا الرعاية بوصفها مساحة إعلانية، أم تبيعها بوصفها منتجًا تسويقيًا متكاملًا؟
الفارق بين الاثنين قد يكون أحد مفاتيح الاقتصاد الرياضي في المرحلة المقبلة.
البث.. الجمهور الذي لا يجلس في المدرج
ولم يعد جمهور النادي محصورًا في الأشخاص الموجودين داخل الملعب، هناك جمهور يتابع من المنزل، وآخر عبر الهاتف، وثالث يستهلك المقاطع القصيرة، ورابع يتابع اللاعب أو النادي عبر منصات التواصل.
وهذا يجعل حقوق البث والمحتوى الرقمي جزءًا أساسيًا من قيمة المنتج الرياضي.
والاتحاد الأردني لكرة القدم يتعامل أصلًا مع حقوق البث التلفزيوني والعوائد التسويقية وتذاكر المباريات والرعاية والمنتجات الدعائية باعتبارها من مصادر الإيرادات المرتبطة بالأندية ضمن المنظومة المالية.
لكن التحدي يكمن في تطوير هذه المصادر من مجرد عوائد تقليدية إلى اقتصاد متكامل حول المسابقة والنادي والجمهور.
النادي الأردني.. هل ما يزال يفكر كفريق؟
الفريق يحتاج إلى لاعبين ومدرب وجهاز فني وملعب لكنه النادي يحتاج إلى شيء أكبر بكثير؛ يحتاج إلى إدارة تجارية، وتسويق، ومحتوى، وعلاقات عامة، وبيانات، ومتجر، وأكاديمية، وشراكات، وتجربة جماهيرية، وخطة للعلامة التجارية.
فالنادي الذي يملك آلاف المشجعين لا ينبغي أن يسأل فقط: "كم حضر المباراة؟"، بل من هم؟ ماذا يشترون؟ أين يعيشون؟ ماذا يتابعون؟ كم مرة يتفاعلون؟ وما الذي يمكن أن نقدمه لهم؟ وهنا تدخل البيانات.
فمعرفة الجمهور ليست رفاهية تسويقية؛ إنها أساس بيع الرعاية وتحديد المنتجات وتصميم الحملات وتقييم قيمة النادي.
رابطة الدوري.. هل تبدأ اللعبة من خارج الملعب؟
ومع الحديث عن تطوير رابطة الدوري الأردني للمحترفين ومنح الأندية دورًا أكبر في إدارة المسابقة وتطوير جوانبها التجارية والتسويقية، يصبح الموسم الجديد فرصة لطرح سؤال أكبر من مجرد تنظيم المباريات: هل تستطيع الكرة الأردنية أن تنتقل من إدارة البطولة إلى صناعة المنتج؟
إذا تمكنت الرابطة من تطوير الحقوق التجارية وتسويق المسابقة بصورة جماعية، واستقطاب رعاة، وتحسين تجربة الجماهير، وتعظيم قيمة البث والمحتوى، فإن الفائدة لن تكون محصورة في الرابطة نفسها؛ بل يمكن أن تنعكس على الأندية التي تحتاج إلى مصادر دخل أكثر استقرارًا.
لكن نجاح الفكرة سيتوقف في النهاية على سؤال عملي تسأله الجماهير: هل ستصل القيمة الجديدة إلى النادي والمشجع معًا؟
المشكلة ليست دائمًا في غياب الجمهور
ومن السهل أن نحمّل الأندية مسؤولية ضعف الاستثمار لكن الصورة أكثر تعقيدًا؛ السوق الأردنية محدودة والقدرة الشرائية ليست مفتوحة، وعدد الشركات القادرة على تقديم رعايات كبيرة محدود، كما أن الأندية تواجه تكاليف تشغيلية ورواتب وسفر ومنشآت ومتطلبات منافسة.
كما أن الانتقال من نموذج يعتمد بدرجات مختلفة على الدعم إلى نموذج تجاري يحتاج إلى كوادر متخصصة في التسويق الرياضي والاستثمار وإدارة العلامة التجارية والبيانات.
لذلك قد لا تكون المشكلة أن الأندية لا تريد الاستثمار في جمهورها، بل أن المنظومة التي تحول الجمهور إلى قيمة اقتصادية لم تكتمل بعد.
وهنا يصبح السؤال أكثر عدالة: هل تملك الأندية الأردنية الأدوات التي تمكنها من استثمار شعبيتها، أم أن المطلوب أولًا بناء هذه الأدوات؟