الزيارة الملكية إلى الصين خطوات محسوبة وشراكة استراتيجية بعيدة المدى

عماد عبدالقادر عمرو 

تأتي زيارة جلالة الملك عبدالله الثاني إلى جمهورية الصين الشعبية في توقيت مهم، ليس للعلاقات الأردنية الصينية فحسب، وإنما للاقتصاد الأردني الذي يبحث عن فرص جديدة للاستثمار والإنتاج والتصدير ونقل التكنولوجيا.

العلاقة بين الأردن والصين ليست وليدة اليوم؛ فقد بدأت العلاقات الدبلوماسية عام 1977، وتطورت على مدى العقود الماضية إلى أن توجت بإعلان الشراكة الاستراتيجية بين البلدين عام 2015. وخلال هذه المسيرة توسع التعاون الاقتصادي والثقافي والتعليمي، وأصبح التبادل الطلابي وتعليم اللغة الصينية جسراً مهماً بين الشعبين.

الصين اليوم واحدة من أهم الشركاء التجاريين للأردن، ويبلغ حجم التبادل التجاري بين البلدين مليارات الدولارات سنوياً. لكن الأرقام تكشف في الوقت نفسه اختلالاً كبيراً في الميزان التجاري لصالح الصين.

وهنا يجب أن يكون السؤال واضحاً: كيف ننتقل من استيراد المنتجات الصينية إلى إنتاج جزء منها في الأردن وتصديره إلى الأسواق؟

هذه هي القيمة الحقيقية التي يمكن أن تقدمها الشراكة الصينية للاقتصاد الأردني.

فخلال السنوات الأخيرة دخلت استثمارات صينية مهمة إلى القطاع الصناعي الأردني، وبرزت مشاريع في عدد من المناطق التنموية، بعضها تجاوزت استثماراته مئات الملايين من الدولارات، ووفرت مئات فرص العمل، مع توجه نحو التوسع ورفع الصادرات.

وهذا هو الاستثمار الذي يحتاجه الأردن: رأس مال، مصنع، تشغيل، تكنولوجيا، تدريب، إنتاج وتصدير.

العقبة يمكن أن تكون رأس الحربة

تملك العقبة مقومات تجعلها مرشحة لتكون منصة مهمة للاستثمارات الصينية: ميناء، منطقة اقتصادية خاصة، مناطق صناعية، موقع جغرافي استراتيجي، وشبكة اتفاقيات تجارية تفتح أمام المنتجات المصنعة في الأردن أسواقاً واسعة.

والهدف يجب ألا يكون فقط زيادة عدد الشركات الصينية في الأردن، وإنما جذب شركات تنتج في المملكة وتستخدم العقبة منصة للتصدير إلى المنطقة والعالم.

الصين تنتج، والأردن يوفر الموقع والاستقرار والأسواق، والعقبة تصدر.

هذه المعادلة يمكن أن تجعل الشراكة أكثر فائدة للطرفين.

كما أن التعاون يجب ألا يتوقف عند الصناعة والتجارة. فالصين تمتلك خبرات متقدمة في الطاقة المتجددة، وتخزين الطاقة، والنقل الذكي، والذكاء الاصطناعي، والخدمات اللوجستية، والتكنولوجيا الزراعية والمدن الذكية؛ وهي قطاعات تتقاطع مباشرة مع احتياجات الأردن.

والأهم أن ننتقل من استيراد التكنولوجيا إلى نقل المعرفة وتوطينها، بحيث يصبح المهندس والفني والمبرمج الأردني جزءاً من عملية التطوير وليس مجرد مستخدم للتكنولوجيا.

التعليم والثقافة شريك طويل الأمد

التعاون التعليمي والثقافي يمثل استثماراً بعيد المدى في العلاقة بين البلدين. فزيادة المنح الدراسية والتبادل الطلابي وتعليم اللغة الصينية في الجامعات ومراكز اللغات ستخلق جيلاً من الأردنيين القادرين على فهم السوق الصينية والتعامل مع شركاتها، وفي المقابل يصبح الطلبة الصينيون الذين يدرسون في الأردن جسراً إضافياً بين البلدين.

كما أن السوق الصينية تمثل فرصة كبيرة للسياحة الأردنية، خصوصاً مع ما يمتلكه الأردن من مواقع تاريخية وطبيعية ودينية فريدة.

ماذا نريد من الزيارة؟

المطلوب ألا تتحول الزيارة إلى مناسبة لتوقيع المزيد من مذكرات التفاهم فقط.

الأردن لديه اتفاقيات عديدة، والتحدي الحقيقي هو تحويل الاتفاقيات إلى مشاريع.

نحتاج إلى استثمارات صناعية، ومشاريع في الطاقة والمياه، وشراكات في النقل واللوجستيات، وتكنولوجيا زراعية، ومشاريع رقمية وذكاء اصطناعي، وتعاون سياحي وتعليمي، وأن تكون العقبة جزءاً رئيسياً من هذه المنظومة.

زيارة جلالة الملك تفتح الأبواب، لكن المسؤولية بعد الزيارة تقع على الحكومة ووزارة الاستثمار والمؤسسات الاقتصادية وسلطة العقبة وغرف التجارة والصناعة والقطاع الخاص والجامعات.

علينا أن نذهب إلى المستثمر الصيني بمشاريع جاهزة، ونقول له: هذه فرصنا، وهذه حوافزنا، وهذه أسواقنا، وهذه قدراتنا، وهذا ما نريده منكم من استثمار وتشغيل وتدريب ونقل تكنولوجيا وتصدير.

الصين لا تبحث فقط عن أسواق، والأردن يجب ألا يبحث فقط عن مستوردين.

نحن بحاجة إلى الانتقال من الأردن كمستهلك للمنتج الصيني إلى الأردن كشريك في الإنتاج والتكنولوجيا والتصدير.

لقد قامت القيادة السياسية بدورها في فتح الطريق.

والآن دورنا أن نكون على مستوى الفرصة.

فالسؤال الحقيقي ليس: ماذا ستعطي الصين للأردن؟

بل:

ماذا أعددنا نحن حتى نبني مع الصين شراكة تحقق للأردن الاستثمار والإنتاج والتكنولوجيا وفرص العمل والأسواق؟

فهل نحن جاهزون لنكون على مستوى الحدث؟

رئيس مجلس محافظة العقبة سابقاً